الرئيسيه التسجيل مكتبي
مساحه أعلانيه للايجار
للايجار

العودة   منتدي جميل وجميله > القسم الاسلامي > قصص أسلاميه

أستعاده كلمه المرور
أحصائيات المسابقات

هجرة الرسول الى الطائف

قصص أسلاميه


إنشاء موضوع جديد  إضافة رد
المنتدى المشاركات الجديدة ردود اليوم شاهدة المشاركات المشاركة التالية
 
Share أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 05-04-2010, 02:34 AM
الصورة الرمزية اميــرة الاحســاس
اميــرة الاحســاس اميــرة الاحســاس غير متواجد حالياً
ميداليه ماسيه
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
الدولة: egypt
المشاركات: 11,472
افتراضي هجرة الرسول الى الطائف


هجرة الرسول الى الطائف
ولما نالت قريش من النبى صلى الله عليه وسلم ما وصفناه من الأذى ’ خرج الى الطائف يلتمس النصرة من ثقيف ويرجو أن يقبلوا منه ما جاءهم به من عند الله عز وجل .
ولما إنتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الطائف عمد الى نفر من ثقيف ’ هم يومئذ ساداته ’ فجلس إليهم ودعاهم الى الله وكلمهم بما جاءهم من اجله ’ فردوا عليه رداً منكراً ’ وفاجأوه بما لم يكن يتوقع من الغلظة وسمج القول ’ فقام رسول الله من عندهم وهو يرجوهم أن يكتموا خبر مقدمه إليهم عن قريش إذاً فلم يجيبوه الى ذلك ايضاً ’ ثم أغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ’ةويصيحون به ’ وجعلوا يرمونه بالحجارة حتى أن رجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لتدميان وزيد ابن حارثة يقيه بنفسه حتى لقد شج فى رأسه عدة شجاج ’ حتى وصل رسول الله الى بستان لعتبة ابن ربيعة ’ فرجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه ’ فعمد عليه الصلاة و السلام وقد أنهكه التعب و الجراح ’ الى ظل شجرة عنب فجلس فيه وابنا ربيعة ينظران إليه فلما إطمأن النبى صلى الله عليه وسلم فى ذلك الظل ’ رفع رأسه يدعو بهذا الدعاء اللهم أشكو إليك ضعف قوتى ’ وقلة حيلتى ’ وهوانى على الناس ’ يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربى الى من تكلنى ؟ الى بعيد يتجهمنى أم الى عدو ملكته أمرى ؟ إن لم يكن بك علىّ غضب فلا أبالى ’ ولكن عافيتك أوسع لى أعوذ بنور وجهك الذى أشرقت له الظلمات ’ وصلح عليه أمر الدنيا و الآخرة ’ من أن ينزل بى ىغضبك أو يحل علىّ سخطك ’ لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك ) .
ثم إن ابنى ربيعة- صاحبى البستان - تحركت الشفقة فى قلبيهما فدعو غلاما لهما نصرانياً يقال له ( عداس ) فأرسلا إليه قطفاً من العنب فى طبق ’ فلما وضع عداس العنب بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له : كل ’ مد رسول الله يده قائلا : بسم الله ’ ثم أكل فقال عداس متعجباً : والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد ’ فقال له الرسول : من أى البلاد أنت ؟ وما دينك ؟ قال : نصرانى ’ وأنا رجل من أهل نينوى ( قرية بالموصل ) ’ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : من قرية الرجل الصالح يونس ابن متى ؟ فقال عداس وما يدريك ما يونس ابن متى ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذلك أخى ’ كان نبياً وأنا نبى ..... فأكب عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل رأسه ويديه وقدميه .
قال ابن اسحاق : ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنصرف من الطائف راجعاً الى مكة ’ حتى إذا كان بنخلة قام من جوف الليل يصلى ’ فمر به النفر من الذين ذكرهم الله تعالى فاستمعوا له ’ فلما فرغ من صلاته ولوّا الى قومهم منذرين قد آمنوا وأجابوا الى ما سمعوا وقد قص الله خبرهم عليه صلى الله عليه وسلم فى قوله وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا ) الى قوله ( يجركم من عذاب أليم ) وقوله ( قل أوحى إلى أنه إستمع نفر من الجن ) ........ الآيات
ثم عاد رسول اله صلى الله عليه وسلم - ومعه زيد ابن حارثة - يريد دخول مكة فقال له زيد كيف تدخل عليهم يا رسول الله وهم أخرجوك ؟ فقال : يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجاً ومخرجاً وإن الله ناصر دينه ومظهر نبيه . ثم أرسل رجلاً من خزاعة الى مطعم ابن عدىّ يخبره أنه داخل مكة فى جواره ’ فاستجاب مطعم لذلك . وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم الى مكة .

العبر و العظات :
إذا تأملنا فى هذه الهجرة التى قام بها النبى صلى الله لعيه وسلم ’ وما إنطوت عليه من العذاب الواصب الذى رآه عليه الصلاة و السلام ’ ثم فى شكل عودته الى مكة - نستخلص الأمور التالية :
أولا : أن ما كان يلاقيه النبى عليه الصلاة و السلام من مختلف ألوان المحنة ’ لا سيما هذا الذى رآه فى ذهابه الى الطائف ’ إنما كان من جملة أعماله التبليغية للناس .
فكما أنه جاء يبلغنا العقيدة الصحيحة عن الكون وخالقه ’ وأحكام العبادات و الأخلاق و المعاملات ’ كذلك جاء يبلغ المسلمين ما كلفهم الله به من واجب الصبر ’ ويبين لهم كيفية تطبيق الصبر و المصابرة اللذين أمر الله تعالى بهما فى قوله يا أيها اللذين آمنوا إصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ) ’ ولقد علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم القيام بالعبادات بالوسيلة التطبيقية ’ فقال : ( صلوا كما رأيتمونى أصلى ) وقال خذوا عنى مناسككم ) وليبين أن الصبر ومصارعة الشدائد من أهم مبادىء الإسلام التى بعث بها الى الناس كافة .
وربما يتوهم من إطّلع على ظاهرة سيرة هجرته عليه الصلاة و السلام الى الطائف : أنه صلىالله عليه وسلم قد غلب على أمره هناك ’ وأن الضجر قد نال منه ’ وأنه ربما إستعظم كل تلك المحنة و المشاق التى أصابته ’ ولذلك توجه الى الله تعالى بذلك الدعاء بعد أن إطمأن فى بستان إبنى ربيعة .
ولكن الحقيقة أنه عليه الصلاة و السلام قد إستقبل تلك المحنة راضياً ’ وتجرع تلك الشدائد صابراً محتسباً ’ وإلا فقد كان بوسعه - لو شاء - أن ينتقم من السفهاء الذين آذوه ومن الزعماء الذين أغروا به سفهاءهم وردوه ذلك الرد المنكر ’ ولكنه عليه الصلاة و السلام لم يشأ ذلك .
ودليل ذلك ما رواه البخارى ومسلم عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد ؟ فقال: لقد لقيت من قومك ’ وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسى على ابن عبد ياليل ابن عبد كلال ’ فلم يجبنى الى ما أردت ’ فانطلقت وأنا مهموم على وجهى ’ فلم أستفق إلا بقرن الثعالب فرفعت رأسى فإذا أنا بسحابة قد أظلتنى فنظرت فإذا فيها جبريل فنادانى فقال إن الله عز وجل قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت ’ قال فنادانى ملك الجبال وسلم علىّ ثم قال يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك ’ وأنا ملك الجبال ’ وقد بعثنى ربك إليك لتأمرنى بأمرك فما شئت ’ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين ’فقال رسول الله : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً .
إذاً فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلم أصحابه وأمته من بعده بما كان يلاقيه ’ الصبر ’ بل وفن الصبر أيضاً على جميع الشدائد و المكاره فى سبيل الله عز وجل .
ربما يقول قائل : فما معنى رفع صوته بالشكوى إذاً ’ وما معنى دعاءه الذى تدل ألفاظه وصيغته على الضجر و الملل من طول المحاولة التى لم تأت بنتيجة إلا الأذى و العذاب ؟
والجواب أن الشكوى الى الله تعالى تعبد ’ والضراعة له و التذلل على بابه تقرب وطاعة ’ وللمحن و المصائب خكم ’ من أهمها أنها تسوق صاحبها الى باب الله تعالى وتلبسه جلباب العبودية له ’ فليس إذاً بين الصبر على المكاره و الشكوى الى الله تعالى أى تعارض ’ بل الواقع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمنا فى حياته كلا الأمرين ’ فكان بصبره الشديد على المحن يعلمنا أن هذه هى وظيفة المسلمين عامة و الدعاة الىالله خاصة ’ وكان بطول ضراعته والتجائه الى الله تعالى يعلمنا وظيفة العبودية ومقتضياتها .
على أن النفس البشرية مهما تسامت فهى لا تتجاوز دائرة بشريتها على كل حال ’ والبشر مجبول فى أصل فطرته على الإحساس و الشعور ..... الشعور بلذة النعيم و الشعور بألم العذاب ’ وهو مجبول على الركون الى الول و الفزع من الثانى .
وهذا يعنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ حتى وهو يوطن نفسه لتلقى كل أنواع الضر و العذاب فى سبيل ربه فهو مع ذلك بشر ’ يتألم للضر ويستريح للنعيم .
ولكنه مع هذا يفضل الضر مهما كانت آلامه ’ على النعيم مهما كانت لذائذه ’ إرضاءاً لوجه ربه وأداءاً لحق العبودية ’ ولا ريب أن هذا هو مناط استحصال الثواب وظهور معنى التكليف للإنسان .
ثانيا: إذا تأملت فى مشاهد سيرته صلى الله عليه وسلم مع قومه ’ وجدت أن ما كان يجده صلى الله عليه وسلم من الأذى فى هذه المشاهد قد يكون قاسياً شديداً ’ بيد أنك واجد فى كل مشهد منها ما يعتبر رداً إلهياً على ذلك الإيذاء وما يهدف إليه أربابه ’ كى يكون فى ذلك مواساة وسلوى للرسول عليه الصلاة و السلام ’ وكى لا يتجمع فى النفس من عوامل التألم و الضجر ما يدخل إليها اليأس .
ففى مشهد هجرته للطائف ’ وما قد إكتنفها من العذاب المضنى : عذاب الإيذاء و عذاب الخيبة ’ مما قد مر ذكره - تجد رداً إلهياً واضحاً على سفاهة أولئك الذين آذوه ولحقوا به ’ واعتذاراً له عن سفاهتهم و غلظتهم ’ تجد ذلك فى مظهر الرجل النصرانى ( عداس ) حينما جاء يسعى إليه وفى يده طبق فيه عنب ’ ثم إنكب فجعل يقبل رأسه ويديه ورجليه وذلك عندما أخبره عليه الصلاة و السلام أنه نبى . وحسبنا لتصوير مشهد هذا الإعتذار من إيذاء أولئك السفهاء ’ أن ننقل لكلام مصطفى صادق الرافعى رحمه الله فى ذلك بعد أن ذكر القصة : ( يا عجبا لرموز القدر فى القصة )! ..
لقد اسرع الخير و الكرامة و الإجلال ’ فأقبلت تعتذر عن الشر و السفاهة و الطيش ’ وجاءت القبلات بعد كلمات العداوة . وكان إبنا ربيعة من ألد أعداء الإسلام ’ وممن مشوا ا لى أبى طالب عم النبىصلى الله عليه وسلم من أشراف قريش يسألونه ’ أن يكفه عنهم أو يخلى بينهم و بينه ’ أو ينازلوه إياه حتى يهلك أحد الفريقين ’ فانقلبت الغريزة الوحشية الى معناها الإنسانى الذى جاء به هذا الدين لأن المستقبل الدينى للفكر لا الغريزة .
وجاءت النصرانية تعانق الإسلام وتعزه ’ إذ الدين الصحيح من الدين الصحيح كالأخ من أخيه ’ غير أن نسب الأخوة الدم ’ ونسب الدين العقل .
ثم أتم القدر رمزه فى هذه القصة ’ بقطف العنب سائغاً عذباً مملوءاً حلاوة ’ فباسم الله كان قطف العنب رمزاً لهذا العنقود الإسلامى العظيم الذى إمتلأ حباً ’ كل حبة فيه مملكة )
ثالثاً - وفيما كان يفعله زيد ابن حارثة رضى الله عنه ’ من وقاية الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه من حجارة السفهاء ’ حتى إنه شج فى رأسه عدة شجاج - نموذج لما ينبغى أن يكون عليه حال المسلم بالنسبة لقائد الدعوة ’ من حمايته له بنفسه ودفاعه عنه وإن إقتضى ذلك التضحية بحياته .
هكذا كانت حال الصحابة رضى الله عنهم بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ’ ولئن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم غير موجود بيننا اليوم ’ فلا يتصور الدفاع عنه بالنحو الذى يفعله الصحابة رضى الله عنهم ’ فإن ذلك يتحقق على نحو آخر : هو أن لا نضن على أنفسنا بالمحن و العذاب فى سبيل الدعوة الإسلامية وأن نسهم بشىء من تحمل الجهد و المشاق التى تحملها النبى صلى اله عليه وسلم .
على أنه ينبغى أن يكون هنالك قادة للدعوة الإسلامية فى كل عصر وزمن ’ يخلفون قيادة النبى صلى الله عليه وسلم فى الدعوة ’ فعلى المسلمين كلهم أن يكونوا من حولهم جنوداً مخلصين لهم ’ يفدونهم بالمهج و الأموال ’ كما كان شأن الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .
رابعاً - فيما قصه علينا ابن إسحاق من إستماع النفر من الجن إليه ’ وهو يصلى فى جوف الليل بنخلة ’ دليل على وجود الجن وأنهم مكلفون ’ وأن منهم من آمن بالله ورسوله ومنهم من كفر ولم يؤمن . وقد إرتفعت الدلالة الى درجة القطع ’ بحديث القرآن عنهم فى نصوص قاطعة صريحة ’ كالآيات التى فى صدر سورة الجن ’ وكقوله تعالى فى سورة الأحقاف وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن ) الى قوله تعالى ويجركم من عذاب أليم ) .
واعلم أن القصة التى ساقها ابن اسحاق ورواها ابن هشام فى سيرته ’ قد ذكرها البخارى ومسلم و الترمذى على نحو قريب و بتفصيل آخر .

واللفظ الذى رواه البخارى بسنده عن ابن عباس ’ أنه صلى الله عليه وسلم إنطلق فى طائفة من أصحابه عامدين الى سوق عكاظ ’ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء ’ وأرسلت عليهم الشهب ’ فرجعت الشياطين فقالوا : مالكم قد حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب ؟ قال : ما حال بيننا وبين خبر السماء إلا ما حدث ’ فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ماذا فى هذا الأمر الذى حدث ’ فانطلقوا فضربوا فى مشارق الأرض ومغاربها ينظرون ما هذا الأمر الذى حال بينهم وبين خبر السماء ؟ قال فانطلق الذين توجهوا نحو تهامة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنخلة وهو عامد الى سوق عكاظ ’ وهو يصلى بأصحابه صلاة الفجر ’ فلما سمعوا القرآن تسمعوا له ’ فقالوا هذا الذى حال بينكم وبين خبر السماء ’ فهنالك رجعوا الى قومهم ’ فقالوا يا قومنا إنّا سمعنا قرآناً عجباً يهدى الى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً ’ وأنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم : قل أوحى إلى أنه إستمع نفر من الجن ’ وإنما اوحى إليه قول الجن .
واللفظ الذى رواه مسلم و الترمذى ’ متفق مع هذا ’ ولكنهما زادا عليه فى صدر الحديث ( ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن ولا رآهم ’ إنطلق فى طائفة ...... ) الحديث
قال فى الفتح : فكأن البخارى حذف هذه اللفظة عمداً ’ لأن ابن مسعود أثبت أن النبى صلى الله عليه وسلم قرأ على الجن ’ فكان ذلك مقدّماً على نفى ابن عباس ’ وقد أشار الى ذلك مسلم ’ فأخرج عقب حديث ابن عباس هذا حديث ابم مسعود عن النبى صلى الله عليه وسلم ’ قال أتانى داعى الجن فانطلقت معه فقرأت عليه القرآن . ويمكن الجمع بالتعدد أى يمكن الجمع بين الروايتين بتعدد الحادثة . ثم إن الذى رواه البخارى ومسلم و الترمذى يختلف عما رواه ابن إسحاق من ناحيتين :
الأولى - أن رواية ابن إسحاق خالية من الإشارة الى أنه كان يصلى بأصحابه ’ بل هى تفيد أنه كان يصلى منفرداً ’ فى حين أن الروايات الأخرى ذكرت أنه كان يصلى بأصحابه .
الثانية - أن رواية ابن إسحاق ليس فيها تقييد الصلاة بالفجر ’والروايات الأخرى تنص على أنه كان يصلى الفجر .
فأما رواية ابن اسحاق فلا إشكال فيها ’ غير أن الرواية الأخرى تشكل من ناحيتين :
الأولى :- أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يكن معه فى ذهابه الى الطائف ورجوعه منها إلا زيد ابن حارثة ’ كما قد علمت ’ فكيف يستقيم أنه كان يصلى بطائفة من أصحابه ؟
الثانية :- أن الصلوات الخمس لم تشرع إلا ليلة الإسراء و المعراج ’ وإنما كان المعراج بعد ذهاب الرسول الى الطائف ’ على ما ذهب إليه كثير من المحققين ’ فكيف يستقيم أنه كان يصلى الفجر ؟
و الجواب على الإشكال الأول أنه يحتمل أن يكون قد إلتقى ببعض من أصحابه عندما وصل الى نحلة ( وهو مكان قريب من مكة ) فصلى بهم الفجر هناك .
أما الإشكال الثانى ’ فجوابه أن يقال بأن حادثة الجن واستماعهم القرآن منه صلى الله عليه وسلم تكرر أكثر من مرة ’ فقد رويت مرة عن ابن عباس ورويت بصورة أخرى عن ابن مسعود ’ وكل منهما صحيح ’ وهذا ما ذهب إليه جمهور المحققين ’ هذا على القول بأن حادثة الإسراء و المعراج كانت بعد الهجرة الى الطائف أما على القول بأنها كانت قبل ذلك فلا إشكال البتة .

والذى يهمنا أن نعلمه بعد هذا كله ’ هو أن على المسلم أن يؤمن بوجود الجن ’ وبأنهم كائنات حية كلفها الله عز وجل بعبادته كما كلفنا بذلك ’ ولئن كانت حواسنا و مداركن لا تشعر بهم ’ فذلك لأن الله عز وجل جعل وجودهم غير خاضع للطاقة البصرية التى بثها فى أعيننا ’ ومعلوم أن أعيننا إنما تبصر أنواعاً معينة من الموجودات بقدر معين وبشروط معينة .
ولما كان جود هذه الخليقة مسندا إلى أخبار يقينية متواترة وردت إلينا من الكتاب و السنة ’ وكان أمرها معلوماً من الدين بالضرورة أجمع المسلمون على أن إنكار الجن أو الشك فى وجودهم يستلزم الردة و الخروج عن الإسلام ’ إذ أن إنكارهم لشىء علم أنه من الدين بالضرورة ’ عدا أنه يتضمن تكذيب الخبر الصادق المتواتر الوارد إلينا عن الله عز وجل وعن رسوله .
ولا ينبغى أن يقع العاقل فى أشد مظاهر الغفلة و الجهل من حيث يزعم أنه لا يؤمن إلا بما يتفق مع العلم فيمضى يتبجح بأنه لا يعتقد بوجود الجن ’ من أجل أنه لم ير الجان ولم يحس بهم .
إن من البداهة بمكان أن مثل هذا الجهل المتعالم ’ يستدعى إنكار كثير من الموجودات اليقينية لسبب واحد هو عدم إمكان رؤيتها ’ و القاعدة العلمية المشهورة تقول : عدم الوجدان لا يستلزم عدم الوجود . أى عدم رؤيتك لشىء تفتش عنه لا يستلزم أن يكون بحد ذاته مفقوداً أو غير موجود .
خامساً :- ما موقع كل ما رآه النبى صلى الله عليه وسلم فى سياحته هذه فى الطائف وما هو أثر كل هذا الذى عاناه ’ فى نفسه ؟ .
يتضح الجواب على هذا فيما قاله النبى صلى الله عليه وسلم لزيد ابن حارثة ’ حينما سأله زيد متعجباً : كيف تعود يا رسول الله الى مكة وهم أخرجوك ؟ فقد أجابه فى ثقة واطمئنان قائلا : ( يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجاً ومخرجاً ’ وإن الله ناصر دينه ومظهر نبيه )
وإذاً فإن كل ذاك الذى رآه وعاناه فى الطائف ’ بعد القسوة و العذاب اللذين رآهما فى مكة ’ لم يكن له أى تأثير على ثقته بالله تعالى أو على قوة العزيمة الإيجابية فى نفسه .
ولا والله ’ ليست هذه عزيمة بشر آتته الطبيعة مزيداً من التحمل وقوة الإرادة ’ ولكنه يقين النبوة كان ثابتاً فى قلبه صلى الله عليه وسلم فهو يعلم إنما ينفذ أمر ربه و يسير فى الطريق التى أمره الله أن يسير فيها ’ ومما لا ريب فيه أن الله بالع أمره ’ وقد جعل الله لكل شىء قدراً .
والفائدة التعليمية لنا فى هذا الأمر ’ هى أن لا تصدنا المحن و العقبات التى تكون فى طريق الدعوة الإسلامية عن السير ’ وأن لا تبث فينا روح الدعة و الكسل ’ ما دمنا نسير على هدى من الإيمان بالله وتوفيقه فمن استمد القوة من الله جدير بأن لا يعرف لليأس و الكسل معنى ’ إذ ما دام هو الآمر ’ فلا شك أنه هو الناصر أيضاً .
وإنما يأتى التخاذل والكسل و اليأس بسبب العقبات و المحن التى تعترض السبل و المبادىء الأخرى التى لم يأمر بها الله تعالى إذ فى مثل هذه الحال يركن العاملون الى قوتهم الخاصة بهم وجهودهم التى يستقلون بها ’ ومعلوم أن كل ذلك محدود بنطاق بشرى معين ’ فمن الطبيعى أن ينقلب كل من القوة و التصميم بسبب طول المعاناة و الآلام و المحن ’ الى يأس وتخاذل نظراً لمقياس القوة البشرية المحدودة .

__________________

هجرة الرسول الى الطائف
هجرة الرسول الى الطائف
رد مع اقتباس
للايجار للايجار للايجار للايجار للايجار

  #2  
قديم 05-04-2010, 02:56 AM
الصورة الرمزية اميــرة الاحســاس
اميــرة الاحســاس اميــرة الاحســاس غير متواجد حالياً
ميداليه ماسيه
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
الدولة: egypt
المشاركات: 11,472
افتراضي غزوة ذات الرقاع

غزوة ذات الرقاع
وقد كانت فى السنةالرابعة للهجرة ’ بعد مرور شهر ونصف تقريباً على إجلاء بنى النضير ’ على ما ذهب إليه عامة علماء السير و المغازى . ورجّح البخارى وبعض المحدثين أنها كانت بعد غزوة خيبر .
وسببها ما ظهر من الغدر لدى كثير من قبائل نجد وسليم بالمسلمين ’ ذلك أن الغدر الذى تجلى فى مقتل أولئك الدعاة السبعين الذين خرجوا يدعون الى الله تعالى ’ فخرج عليه الصلاة و السلام قاصداً قبائل محارب وبنى ثعلب ’ واستعمل على المدينة أبا ذر الغفارى رضى الله عنه . وعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مكان بنجد من أرض غطفان يسمى ( نخل ) ولكن الله تعالى قذف الرعب فى قلوب تلك القبائل - وقد كانت كما يقول ابن هشام جموع كبيرة - فتفرقوا بعيداً عن المسلمين ’ ولم يقع أى قتال ’ غير أن قصة هذه الغزوة - مع ذلك - فيها مشاهد تستأهل النظر فيها وأخذ الدرس منها فلنجتزىء عن ذكر القصة كلها ’ بذكر هذه المشاهد :
أولاً:- روى فى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه أنه قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى غزاة ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه ’ قال : فنقبت أقدامنا ’ فنقبت قدماى وسقطت أظفارى ’ فكنا نلف على أرجلنا الخرق ’ فسميت غزوة ذات الرقاع ’ لما كنا نعصب على أرجانا من الخرق . قال أبو موسى بهذا الحديث ثم كره ذلك ’ قال كأنه كره أن يكون شبيئاً من عمله أفشاه .
ثانياً :- روى البخارى ومسلم أنه صلى الله عليه وسلم صلى فى غزوة ذات الرقاع صلاة الخوف ’ وأن طائفة صفت معه ’ وطائفة وجاه العدو ’ فصلى بالتى معه ركعة ’ ثم ثبت قائما وأتموا لأنفسهم ’ ثم إنصرفوا فصفوا وجاه العدو ’ وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة الباقية من صلاته ’ ثم ثبت جالساً وأتموا لأنفسهم ’ ثم سلم بهم .

ثالثاً:- روى البخارى أيضاً عن جابر رضى الله عنه أنه لما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم قفل معه ’ فأدركتهم القائلة ( وقت القيلولة ) فى واد كثير العضاة ( نوع من الشجر ) فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ وتفرق الناس يستظلون الشجر ’ ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت سمرة فعلق بها سيفه ’ فقال جابر فنمنا نومة ’ فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا فجئناه فإذا عنده أعرابى جالس ’ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن هذا إخترط سيفى وأنا نائم فاستيقظت وهو فى يده صلتاً ’ فقال لى : من يمنعك منى ؟ فقلت له : الله ’ فها هو جالس .......... ثم لم يعاقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
رابعاً:- روى ابن اسحاق وأحمد عن جابر رضى الله عنه ’ قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى غزوة ذات الرقاع فأصيبت إمرأة من المشركين فلما إنصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلاً وجاء زوجها وكان غائباً ’ فحلف أن لاينتهى حتى يهريق دماً فى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ’ فخرج يتبع أثر النبى صلى الله عليه وسلم فنزل النبى منزلاً ’ فقال من رجل يكلؤنا ليلتنا هذه ؟ قال فانتدب رجل من المهاجرين وآخر من الأنصار ’ فقالا نحن يا رسول الله ’ قال : فكونا بفم الشعب ’ قال : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد نزلوا الى شعب من الوادى ’ فلما خرج الرجلان الى فم الشعب ’ قال الأنصارى للمهاجرى : أى الليل تحب أن أكفيكه ؟ أوله أم آخره ؟ قال : بل أكفنى أوله . فاضطجع المهاجرى فنام وقام الأنصارى يصلى ’ قال وأتى الرجل فلما رأى شخص الأنصارى عرف أنه ربيئة القوم ( الطليعة الذى يحرسهم ) فرمى بسهم فوضعه فيه ’ فنزعه الأنصارى وثبت قائما يصلى ’ ثم رماه بسهم آخر فوضعه فيه ’ فنزعه وثبت قائما يصلى ’ ثم عاد له بالثالثة فنزعه ’ ثم ركع وسجد ’ وأهب صاحبه ( أيقظه ) قائلاً إجلس فقد أثبت ’ قال فوثب ’ فلما رآهما الرجل عرف أنه نذر به فهرب ’ ولما رأى المهاجرى ما بالأنصارى من الدماء قال : سبحان الله أفلا أيقظتنى أول ما رماك ’ قال : كنت فى سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها ’ فلما تابع علىّ الرمى ركعت فأذنتك ’وأيم الله ’ لولا أن أضيع ثغراً آمرنى رسول الله بحفظه ’ لقطع نفسى قبل أن أقطعها أو أنفذها .
خامساً :- روى البخارى ومسلم وابن سعد فى طبقاته وابن هشام فى سيرته عن جابر ابن عبد الله قال : خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الى غزوة ذات الرقاع على جمل لى ضعيف ’ فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلت الرفاق تمضى ’ وجعلت أتخلف حتى أدركنى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما لك يا جابر ؟ قلت يا رسول الله أبطأ بى جملى هذا ’ قال : أنخه ’ فأنخته ’ وأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ ثم قال أعطنى هذه العصا من يدك ’ ففعلت فأخذها فنخسه بها نخسات ثم قال : إركب ’ فركبت فخرج - والذى بعثه بالحق - يواهق ناقته مواهقة .
وتحدثت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لى : أتبيعنى جملك هذا يا جابر ؟ قلت يا رسول الله بل أهبه لك ’ قال لا ولكن بعنيه ’ قلت فسمنيه يا رسول الله ’ قال : آخذه بدرهم ’قلت : لا إذن تغبنّى يا رسول الله ’ قال : فبدرهمين ؟ قلت لا فلم يزل يرفع لى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ثمنه حتى بلغ الأوقية ’ فقلت : أفقد رضيت يا رسول الله ؟ قال : نعم ’ قلت : فهو لك ’ قال : قد أخذته .... ثم قال : يا جابر هل تزوجت بعد ؟ قلت : نعم يا رسول الله ’ قال : أثيباً أم بكراً ؟ قلت : بل ثيباً ’ قال : أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك ؟ قلت : يا رسول الله إن أبى أصيب يوم أحد وترك لى بنات سبعاً ’ فنكحت إمرأة جامعة ’ تجمع رؤسهن وتقوم عليهنّ ’ قال : أصبت إن شاء اله ’ أما إنا لو قد جئنا صراراً أمرنا بجزور فنحرت ’ وأقمنا عليها يومنا ذاك ’ وسمعت بنا فنفضت نمارقها ’ فقلت : والله يا رسول الله ما لنا من نمارق ! ’ قال : إنها ستكون ’ فإذا أنت قدمت فاعمل عملاً كيساً .
قال جابر : فلما جئنا صرارا ’ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بجزور فنحر ’ وأقمنا عليها ذلك اليوم ’ فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل ودخلنا المدينة .
قال جابر : فلما أصبحت أخذت برأس الجمل ’ فأقبلت به حتى أنخته على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ ثم جلست فى المسجد قريباً منه ’ فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى الجمل فقال : ما هذا ؟ قالوا : يا رسول الله هذا جمل جاء به جابر ’ قال : فأين جابر ؟ فدعيت له ’ فقال يا ابن أخى ’ خذ برأس جملك فهو لك ’ ودعا بلالاً فقال لأه : إذهب بجابر فأعطه أوقية ’ فذهب بى فأعطانى أوقية وزادنى شيئاً يسيراً ’ فوالله ما زال ينمو عندى ويرى مكانه من بيتنا .

العبر و العظات :
تحقيق فى تاريخ هذه الغزوة :
إتفق علماء المغازى و السير ’ كما أسلفنا ’ على أن غزوة ذات الرقاع كانت قبل خيبر ’ ثم رجّح معظمهم أنها كانت بعد غزوة بنى النضير فى العام الرابع للهجرة ’ وذهب بعضهم كإبن سعد وابن حبان الى أنها كانت فى العام الخامس .
غير أن الإمام البخارى نصً فى صحيحه على أنها كانت بعد خيبر ’ ولكنها جاءت مع ذلك فى ترتيب كتابة قبلها ! .. ورجح الحافظ ابن حجر ما ذهب إليه البخارى مستدلاً بأن صلاة الخوف كانت مشروعة فى ذات الرقاع مع أنه لم يصلها فى الخندق وقد فاتته فصلاها قضاءاً ’ كما إستدل بما روى فى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى يصف كيف نقبت أقدامهم فى ذات الرقاع حتى لفوا على أقدامهم الخرق فلذلك سميت بذات الرقاع وأبو موسى الأشعرى لم يعد من الحبشة إلا بعد غزوة خيبر ’ واستشكل ابن القيم الأمر على ضوء هذه الأدلة فقال : إن هذا يدل على أن غزوة ذات الرقاع ربما كانت بعد غزوة الخندق .
قلت : بل يتعين أن تكون غزوة ذات الرقاع هذه قبلها ’ إذ ثبت فى الصحيح أن جابراً رضى الله عنه إستأذن الرسول الى بيته فى غزوة الخندق وأخبر إمرأته بما رأى من جوع رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ وفيه قصة الطعام الذى دعا إليه النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه وفيه انه صلى الله عليه وسلم قال لزوجة جابر : كلى هذا واهدى فإن الناس أصابتهم مجاعة ’ وثبت فى الصحيحين أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل جابر فى غزوة ذات الرقاع هل تزوج أم لا ؟ قال : نعم يا رسول الله .... الحديث وقد مرّ تفصيل ذلك . أى فلم يكن قد علم صلى الله عليه وسلم بعد شيئاً عن زواجه .
فهذا يدل دلالة واضحة على أن ذات الرقاع كانت قبل الأحزاب فضلاً عن خيبر .
ولم أر مستدلاً بهذا على تأخر الأحزاب عن ذات الرقاع ’ ممن قال بذلك ’ ولا من أجاب عنه ممن قال بعكسه ولكنه على كل حال ’ دليل يكاد يكون قاطعا على ما نقول ’ أمّا ما استدل به الحافظ ابن حجر من أنه صلى الله عليه وسلم لم يصل صلاة الخوف فى الأحزاب وصلاها قضاء فيجاب عنه بأنه ربما كان سبب تأخير رسول الله صلى الله عليه وسلم لها إذ ذاك ’ إستمرار الرمى بين المشركين و المسلمين بحيث لم يدع مجالاً للإنصراف الى الصلاة ’ وربما كان العدو فى جهة القبلة وصلاة الخوف التى صلاها الرسول فى ذات الرقاع كان العدو فى غير جهة القبلة كما قد رأيت ’ أو ربما أخرها لبيان مشروعية قضاء الفائتة كيفما كانت ’ كما يجاب على الإستدلال بحديث أبى موسى الأشعرى بما ذكره كثير من علماء السير و المغازى من أن أبا موسى الأشعرى إنما قصد بها غزوة أخرى هى أيضاً سميت بذات الرقاع ’ بدليل أنه قال عنها : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى غزاة ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه ... الخ ’ وغزوة ذات الرقاع التى نتحدث عنها كان العدو أكثر من ذلك .
وقد حاول الحافظ ابن حجر رحمه الله أن يرد على هذا الكلام ولكن ليس ثمّة داع الى ذلك ’ خصوصاً وقد ثبت الدليل القاطع على ما ذهب إليه علماء السير و المغازى ’ مما ذكرناه من حديث جابر فى كل من الغزوتين ’ هذا ’ وسنفصل الحديث عن تأخير النبى صلى اله عليه وسلم الصلاة عن وقتها يوم الخندق وما يتعلق به من مسائل و الأحكام فى مناسبته إن شاء الله .
ثم إن غزوة ذات الرقاع لم يشتبك فيها المسلمون مع أحد من المشركين بقتال ’ كما رأيت من إستعراض خلاصتها ’ ولكنها مع ذلك تنطوى على مشاهد ذات دلالات مختلفة يجب دراستها و الإعتبار بها ’ ولقد ذكرنا منها خمسة مشاهد هى خلاصة أحداثها ’ فلنذكر ما يمكن أن يفهم من كل واحد منها :
أولاً:- فيما رواه الشيخان عن أبى موسى الأشعرى فى بيان سبب تسمية هذه الغزوة بهذا الإسم صورة واضحة عن مدى ما كان يتحمله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى تبليغ رسالة ربهم و الجهاد فى سبيله ’ لقد أوضحت الصورة أنهم كانوا فقراء لا يجدون حتى الظهر الذى يمتطونه لجهادهم و غزواتهم ’ فالستة أوالسبعة الذين كانوا يتعاقبون ركوب البعير الواحد فى قطع مسافة بعيدة شاقة ’ ولكن الفقر مع ذلك لم يستطع أن يعيقهم عن أداء رسالتهم : رسالة الدعوة الى الله و الجهاد فى سبيله ’ فقد تحملوا فى سبيل ذلك كل النتائج وكل ألوان المحن .... نقبت أقدامهم من طول سيرها على الوعثاء و القتاد ’ وتساقطت أظفارهم مما إصطدمت بالحجارة و الصخور ’ وتعرت أقدامهم فلم يجدوا إلا الخرق يلفونها عليها الواحدة فوق الأخرى !!..
ومع ذلك فما ضعفوا وما إستكانوا ’ واستهانوا بكل ذلك فى جنب عظم المسؤولية الإلهية الملقاة على أعناقهم منذ أن أصبحوا مسلمين ’ فقد كانوا يتمثلون قول الله تعالى إن الله إشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأن لهم الجنّة يقاتلون فى سبيل الله فيقتلون ويقتلون ) وهو نص البيعة التى واقعوا عليها وأخذوا أنفسهم بها .
ثم إنك ترى أن أبا موسى الأشعرى رضى الله عنه ’ كره من نفسه أنه أباح بهذا الخبر ’ بعد أن أفلت من فمه ’ عندما سألوه عن سبب تسمية هذه الغزوة بذات الرقاع ’ وإنما كره ذلك وندم عليه بسبب أنه أفشا شيئاً عمله الذى إحتسب أجره على الله غز وجل .
وهذا يدل كما يقول الإمام النووى ’ على أنه يستحب للمسلم أن يخفى ألأعماله الصالحة وما قد يكابد من المشاق فى سبيل الله وفى طاعته ’ وأن لا يتعمد إظهار شىء من ذلك إلا لمصلحة ’ مثل بيان حكم ذلك الشىء و التنبيه على الإقتداء به ونحو ذلك ’ وعلى مثل هذا يحمل ما وجد للسلف من الأخبار ببعض أعمالهم .
ثانياً:- الطريقة التى صلى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة مع أصضحابه فى هذه الغزوة هى الأساس الذى قامت عليه مشروعية صلاة الخوف .
ولصلاة الخوف كيفيتان ’ إحداهما خاصة بأن يكون العدو فى جهة القبلة ’ والثانية خاصة إذا كان العدو فى غير جهتها ’ والكيفية الثانية هى التى صلى بها الرسول صلى الله عليه وسلم فى غزوة ذات الرقاع فقد حان وقت الصلاة ’ وأشتات العدو من حولهم فى أكثر من جهة القبلة وحدها ويخشى أنهم يراقبون المسلمين من بعد ’ حتى إذا رأوهم أدبروا عنهم جميعاً وانشغلوا بصلاتهم غدروا بهم وانحطوا فيهم بسيوفهم ’ فبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة مع فرقة من أصحابه ’وإخوانهم يراقبون العدو فى جهاته المختلفة ’ حتى إذا أتم الرسول صلى الله عليه وسلم من صلاته نصفها ’ أى ركعة واحدة ’ فارقه من كانوا يصلون خلفه وأسرعوا فأتموا الركعة الثانية وخدهم ’ والرسول واقف فى صدر ركعته الثانية ’ ثم ذهبوا ليرابطوا مكان إخوانهم ’ حيث جاء هؤلاء فاقتدوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بهم الركعة الثانية التى بقيت من صلاته ’ ثم قاموا فأتموا وحدهم الركعة الثانية لهم و النبى ينتظرهم جالساً ’ ثم سلموا عليه .
والذى إقتضى هذه الكيفية من الصلاة مع إمكان أدائهم الصلاة بجماعتين ’ سببان إثنان :
الأول : قصد إجتماعهم كلهم على الإقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وتلك فضيلة لا يصار الى غيرها عند إمكان تحقيقها.
الثانى : إستحباب وحدة الجماعة قدر الإمكان ’ فتجزئة القوم أنفسهم الى عدة جماعات تتوالى لأداء فريضة من الفرائض مكروه بدون ضرورة .
ولم يلاحظ السادة الحنفية إلا السبب الأول لها ’ ولذلك ذهبوا الى أنه لا مسوغ لبقاء مشروعيتها بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم .
ثالثاً : قصة المشرك الذى أخذ سيف النبى صلى الله عليه وسلم وهو نائم تحت الشجرة .... الخ ’ قصة ثابتة وصحيحة كما رأيت ’ وهى تكشف عن مدى رعاية البارى جل جلاله وحفظه لنبيه صلى الله عليه وسلم ’ ثم هى تزيدك يقيناً بالخوارق التى أخضعها الله جل جلاله له عليه الصلاة و السلام مما يزيدك تبصراً ويقيناً بشخصيته النبوية ’ فقد كان من السهل الطبيعى بالنسبة لذلك المشرك - وقد أخذ السيف ورفعه فوق النبى صلىالله عليه وسلم وهو أعزل غارق فى غفلة النوم - أن يهوى به عليه فيقتله ’ وإنك لتلمس ذلك من المشرك هذا الإعتداد بنفسه و الزهو بالفرصة الذهبية التى أمكنته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ فى قوله من يمنعك منى !؟ ...... فما الذى طرأ بعد ذلك حتى عاقه عن القتل ؟ ... إن الذى طرأ .... هو ما لم يكن فى حساب المشرك وتقديره ’ ألا وهو عناية الله وحفظه لنبيه ورسوله ’ فقد كانت العناية الإلهية كافية لأن تملأ قلب المشرك بالرعب وأن تقذف فى ساعديه تياراً من الرجفة ’ فيسقط من يده السيف ...... ثم يجلس متأدباً مطرقاً بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ وأهم ما يجب أن تعلمه من هذه الحادثة أن هذا هو مصدق قوله تعالى والله يعصمك من الناس ) فليست العصمة المقصودة فى الآية ان لا يتعرض لأذى أو محنة من قومه ’ إذ تلك هى سنة الله فى عباده كما قد علمت ’ وإنما المراد من العصمة أن لا تطول إليه أى يد تحاول إغتياله وقتله لتغتال فيه الدعوة الإسلامية التى بعث لتبليغها .
رابعاً:- إنما ذكرنا قصة جابر ابن عبد الله وما كان بينه و بين الرسول صلى الله عليه وسلم من المحادثة فى طريق عودتهما الىالمدينة ’ مع أنها لا تتعلق بشىء من أمر الغزوة لما فيها من الصورة الكاملة الدقيقة لخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه ’ وما إنطوى عليه خلقه الكريم هذا من لطف المعاشرة ورقة فى الحديث و فكاهة فى المحاورة ومحبة شديدة لأصحابه .
فأنت إذا تأملت جيداً فى هذه القصة التى سردناها ’ علمت أن النبى صلى الله عليه وسلم كان متأثراً بالمحنة التى طافت على بيت جابر ابن عبد الله ’ فقد إستشهد والده فى غزوة أحد ’ فقام هو - وهو أكبر أولاد أبيه - على شأن الأسرة ورعاية الأطفال الكثيرين الذين خلفهم له والده من ورائه ’ وهو على ذلك رقيق الحال ليس له نصيب وافر من الدنيا .
وكأنما إستشعر الرسول صلى الله عليه وسلم فى تأخر جابر عن القوم بسبب جمله الضعيف الذى لا يملك غيره ’ مظهراً لحالته العامة هذه ... ( وقد كان من عادته صلى الله عليه وسلم إذا سار مع أصحابه فى طريق ’ أن يتفقد أصحابه كلهم ويطمئن عليهم بين كل فترة و أخرى ) ’ فانتهزها فرصة وتخلف حتى إلتقى معه وراح يواسيه بأسلوبه الرقيق الفكه الذى رأيت ’ فى طريق ليس معهما فيه ثالث .
عرض عليه صلى الله عليه وسلم شراء بعيره ’ وهو إنما يريد أن يجعل ذلك ذريعة ومناسبة لإكرامه ومساعدته على وضعه الذى هو فيه ’ ثم سأله عن زوجته و البيت ’ فى أسلوب فكه رقيق ’ وراح يطمئن الزوج الجديد ’ أنهم إذا وصلوا قريباً من المدينة أقاموا ساعات هناك ’ حتى يتسامع أهل المدينة بمقدمهم ’ فتسمع زوجته فتصلح من شأنها وتهىء له البيت بزينته ونمارقه ’ وينساق معه جابر فى الأسلوب نفسه فيقول : واله يا رسول الله ما لنا من نمارق ! ... فيجيبه صلى الله عليه وسلم قائلاً : إنها ستكون . صورة رائعة عن لطف معشره وأنس حديثه ’ والفكاهة الحلوة فى محاورته لأصحابه ’ لم يكتب لنا أن نراها ونسعد بها فى مجالسه صلى الله عليه وسلم وغزواته وأسفاره ’ ولكن ها نحن نستشفها من سيرته وأخباره العطرة فيهزنا الشوق الى رؤيته التى حرمناها و مجالسه التى سمعنا بها ولم نرها ’ وغزواته التى قرأناها ولم يكن لنا شرف الإشتراك فيها ’ اللهم عوضنا عن ذلك كله بلقاء معه فى جنان خلدك ’ وهيئنا لذلك بتوفيق من لدنك للتمسك بهديه واقتفاء أثره فى تحمل كل محنة وضيم فى سبيل دينك وتحقيق شريعتك .
خامساً :- لابد من أن يقف المسلم وقفة متأملة طويلة ’ أمام خبر ذينك الصحابيين ’ وهما يقومان على الثغر الذى أمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بحراسته ’ ليعلم طبيعة الجهاد الإسلامى وكيف كان يمارسه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ ولم يكن الجهاد عملاً حركياً يقوم على أساس المقاومة المادية المجردة ’ ولم يتصور واحد من المسلمين هذه الصورة الشوهاء له ولا فى لحظة واحدة ’ إنما الجهاد - كما علمه الرسول صلى الله لعيه وسلم لأصحابه وفهمه الصحابة منه - عبادة كبرى يتعلق فيها كيان المسلم كله بخالقه جل جلاله خاشعاً مستغيثاً متبتلاً ’ وما ساعة يكون فيها المؤمن أقرب الى ربه جل جلاله من تلك الساعة التى يستدبر فيها الدنيا ويستقبل بوجهه شطر الموت والإستشهاد .
ولذلك كان من الطبيعى جداً بالنسبة لذلك الأنصارى ’ ( عباد ابن بشر ) رضى الله عنه ’ أن يشغل شطر حراسته من الليل بركعات خاشعة يقف فيها بين يدى ربه عز وجل وقد إنصرفت مشاعره كلها الى مناجاته بآيات من كتابه الكريم .
وكان من الطبيعى جداً أن لا يبالى بذلك السهم الذى أسرع فانحط فى جسده ’ ولا بالسهم الثانى الذى تبعه ’ لأن بشريته كلها إنما كانت فى تلك الساعة مطوية ضمن مشاعره المنصرفة الى ربه جل جلاله وقد غمرتها لذة المناجاة بين العبد و خالقه ’ ولما إرتد شعوره إليه وأخذ يهتم بما قد أصابه ’ لم يكن ذلك لمزيد من الألم بدأ يشعر به ’وإنما للمسؤولية المنوطة به مخافة أن يضيعها بضياع حياته واستمرار سكوته ’ فكان ذلك هو الذى إضطره الى أن يلتفت فيوقظ صاحبه ليستلم منه أمانة الثغر الذى أنيط بهما حفظه .
وتأمل يا أخى المسلم فى قوله رضى الله عنه : وأيم اله ’ لولا أن أضيع ثغراً أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه ’ لقطع نفسى قبل أن أقطعها أو أنفذها ( أى الصلاة ) .
تلك هى طبيعة الجهاد الذى تكفل الله لأربابه بالنصر و الفوز ’ مهما كانت القوة المتألبة عليهم المتجمعة من حولهم ’ فقارن - ليتقطع منك الكبد حسرة وأسى - بين ذلك الجهاد و ( الجهاد ) الآخر الذى نفخر باسمه و شعاراته اليوم .
قارن ’ لتقف على مدى عدالة الله فى الأرض ’ ولتعلم أن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون ’ ثم إرفع يديك الى السماء متوسلا أن لا يهلكنا الله بما فعل المبطلون ’ واجتهد ا، تسكب قطرات حارة من دمع عينيك فيهما ’ فلعل فى ذل العبودية إذ نتسربل به صادقين أمام الله ما يرد عنا نقمة حقت علينا بتقصيرنا وما جنيناه من سىء الأعمال على نفوسنا .

__________________

هجرة الرسول الى الطائف
هجرة الرسول الى الطائف
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 05-04-2010, 02:57 AM
الصورة الرمزية اميــرة الاحســاس
اميــرة الاحســاس اميــرة الاحســاس غير متواجد حالياً
ميداليه ماسيه
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
الدولة: egypt
المشاركات: 11,472
افتراضي غزوة بنى المصطلق وتسمى غزوة المريسيع

غزوة بنى المصطلق وتسمى غزوة المريسيع
ذكر ابن إسحاق وبعض علماء السيرة أنها كانت فى العام السادس من الهجرة ’ والصحيح الذى ذهب إليه عامة المحققين أنها كانت فى شعبان من العام الخامس للهجرة ’ ومن أبرز أدلة ذلك أن ابن سعد ابن معاذ كان حياً فى هذه الغزوة ’ وله ذكر فى قصة الإفك التى سياتى تفصيلها إن شاء الله تعالى ’ وقد توفى سعد ابن معاذ فى غزوة بنى قريظة متأثراص بجرحه الذى أصيب به فى الخندق ’ وقد كانت غزوة بنى قريظة سنة خمس من الهجرة كما سيأتى بيان ذلك ’ فكيف يكون سعداً حياً بعد عام من وفاته ؟
وسببها ما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن بنى المصطلق يجمعون له وقائدهم الحارث ابن ضرار ’ فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم خرج إليهم حتى لقيهم عند ماء يقال له ( (المريسيع ) فتزاحم الناس واقتتلوا فهزم الله بنى المصطلق وقتل من قتل منهم ’وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة اخماس الغنيمة على المقاتلين للراجل سهم وللفارس سهمان .
وخرج مع المسلمين فى هذه الغزوة عدد كبير من المنافقين ’ كان يغلب عليهم التخلف فى الغزوات السابقة ’ وذلك لما رأوا من إضطراد نصر المسلمين وطمعاً فى الغنيمة .
وقد روى البخارى ومسلم من طريقين مختلفين أن بعض الصحابة إستفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى شأن العزل فى هذه الغزوة - وذلك عندما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم السبى - فقال لهم : ما عليكم ألا تفعلوا ’ ما من نسمة كائنة الى يوم القيامة إلا وهى كائنة .
وروى ابن سعد فى طبقاته وابن هشام فى سيرته ’ أن غلاما لعمر ابن الخطاب رضى الله عنه إسمه جهجاه ابن سعيد الغفارى تنازع مع سنان ابن وبر الجهنى ’ وهما مع جمع عند ماء المريسيع أثناء مقام الرسول صلى الله عليه وسلم هناك ’ وكادا يقتتلان ’ فصرخ الجهنى : يا معشر الأنصار ’ وصرخ جهجاه : يا معشر المهاجرين ’ فسمع بالأمر عبد الله ابن أبى ابن سلول ’ فغضب وقال للرهط ممن معه ’ أو فعلوها ؟ قد نافرونا وكاثرونا فى ديارنا والله ما أعدنا وجلابيب قريش ( يقصد المسلمين ) إلا كما قالوا : سمّن كلبك يأكلك أما والله لئن رجعنا الى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل .
وكان ممن سمع كلامه زيد ابن أرقم ’ فمشى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره الأمر ’ وكان عنده عمر رضى الله عنه ’ فقال يا رسول الله مر به عباد ابن بشر فليقتله ’ فقال عليه الصلاة و السلام : فكيف ياعمر إذا تحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه ؟ لا ولكن أذّن بالرحيل ’ وذلك فى ساعة لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتحل فيها ’ فارتحل الناس .
ومشى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس يومهم ذلك حتى أمسى ’ وليلتهم حتى أصبح ’ وصدر يومهم حتى آذتهم الشمس ’ ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياماً ’وإنما فعل رسولالله صلى الله عليه وسلم ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذى كان بالأمس من حديث عبد الله ابن أبى ابن سلول ’ ونزلت سورة المنافقين تصديقاً لقول زيد ابن أرقم عن عبد الله ابن أبى ’ وفيها يقول الله تعالى يقولون لئن رجعنا الى المدينة ليخرجنّ الأعز منها الأذل ’ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون ) .
وجاء عبد الله ابن عبد الله ابن أبى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم - بعد أن رجعوا الى المدينة - فقال : إنه بلغنى أنك تريد قتل أبى فيما بلغك عنه ’ فإن كنت لابد فاعلاً ’ فمرنى فأنا أحمل إليك رأسه ’ فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبربوالده منى وإنى أخشى أن تأمر غيرى فيقتله فلا تدعنى نفسى أنظر الى قاتل عبد الله ابن أبى يمشى فى الناس ’ فأقتله فأقتل رجلاً مؤمنا بكافر فأدخل النار ’ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقى معنا .
وجعل بعد ذلك إذا حدّث عبد الله ابن أبى بعد ذلك حديثاً كان قومه هم الذين يعاتبونه ويعنفونه ’ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر ابن الخطاب : كيف ترى ياعمر ؟ أما والله لو قتلته يوم قلت لى اقتله لأرعدت له آنف ’ لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته ’ فقال عمر : قد والله علمت أن لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم بركة من أمرى .
خبر الإفك
وفى منصرف المسلمين من هذه الغزوة كان حديث عائشة وقول أهل الإفك فيها ’ ونحن نسوق لك خلاصة ما جاء فى الصحيحين من خبر ذلك :
فقد روت رضى الله عنها أنها خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى هذه الغزوة ... قالت : فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته وقفل ’ آذن ليلة بالرحيل ’ فقمت الى بعض شأنى ’ فلما رجعت الى الرحل ’ لمست صدرى فإذا عقدى قد إنقطع ’ فرجعت فالتمسته فحبسنى إبتغاؤه قالت وأقبل الرهط الذين كانوا يرحّلونى فاحتملوا هودجى - وكان ذلك بعد نزول آية الحجاب - فرحلوه على بعيرى الذى كنت أركب عليه ’ وهم يحسبون أنى فيه ..... فبعثوا الجمل فساروا ’ ووجدت عقدى بعدما إستمر الجيش ’ فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب ’ فيممت منزلى الذى كنت به و ظننت أنهم سيفقدوننى فيرجعون الى ’ وكان صفوان ابن المعطل من وراء الجيش فأصبح عند منزلى ’ فرأى سواد إنسان ’ فعرفنى حين رآنى ’ وكان رآنى قبل الحجاب ’ وكنت قد غلبتنى عيناى فنمت ’ فاستيقظت باسترجاعه حين عرفنى ’ فخمرت وجهى بجلبابى ’ ووالله ما تكلمنا بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير إسترجاعه ’ وهوى حتى أناخ راحلته فقمت عليها فركبتها ’ فانطلق يقود بى الراحلة حتى أتينا الجيش موغرين فى نحر الظهيرة ’ وهم نزول ’ فهلك من هلك فى شأنى ’ وكان الذى تولى كبر الإفك عبد الله ابن أبى ابن سلول .
قالت : واشتكيت حين قدمنا المدينة شهراً ’ والناس يفيضون فى قول الإفك ولا اشعر بشىء من ذلك غير أنى لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذى كنت أرى منه حين اشتكى ’ إنما يدخل فيسلم ثم يقول : كيف تيكم ؟ فلما نقهت خرجت ذات ليلة مع أم مسطح لقضاء حاجة - ولم نكن قد إتخذنا الكنف - فلما رجعنا عثرت أم مسطح فى مرطها ’ فقالت تعس مسطح ’ فقلت لها بئس ما قلت ’ أتسبين رجلا قد شهد بدراً ؟! .. قالت أو لم تسمعى ما قال ؟ قالت فأخبرتنى بخبر الإفك فازددت مرضاً الى مرضى ... وبكيت تلك الليلة حتى أصبحت ’ لا يرقأ لى دمع ولا أكتحل بنوم ’ وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يستشير بعض أصحابه فى الأمر وفى فراق أهله ’ فمنهم من يقول يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلا خيراً ’ ومنهم من يقول : لم يضيق الله عليك النساء كثير واسأل الجارية - يعنى بريرة - تصدقك ’ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة ’ وسألها : هل رأيت من شىء يريبك من عائشة ؟ فأخبرته أنها لم تعلم عنها إلا الخير ’ فقام عليه الصلاة و السلام على المنبر فقال : يا معشر المسلمين ’ من يعذرنى من رجل قد بلغ أذاه فى أهل بيتى ؟ فوالله ما علمت على أهل بيتى إلا خيراً ’ ولقد ذكروا لى رجل ما علمت عليه إلا خيراً ’ فقام سعد ابن معاذ ’ فقال أنا أعذرك منه يا رسول الله ’ إن كان من الأوس ضربنا عنقه ’ وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك ’ فتلاغط الناس فى المسجد حتى أسكتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ثم دخل علىّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبواى عندى وهما يظنان أن البكاء فالق كبدى ’ ولم يجلس عندى منذ قيل ما قيل ’ وقد لبثت شهراً لا يوحى إليه فى شأنى بشىء ’ قالت : فتشهد حين جلس ’ ثم قال : أما بعد ياعائشة فإنه قد بلغنى عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله ’ وإن كنت الممت بذنب فاستغفرى الله وتوبى إليه ’ قالت : فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته ’ قلص دمعى حتى ما أحس منه قطرة ’ فقلت لأبى : أجب عنى رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ فقال : والله ما أدرى ما أقول ’ فقلت لأمى : أجيبى عنى ’ فقالت : والله ما أدرى ما أقول ’ فقلت : والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى إستقر فى نفوسكم وصدقتم به ’ فإن قلت لكم إنى بريئة - والله يعلم أنى بريئة - لا تصدقونى فى ذلك ’ ولئن إعترفت لكم بأمر - والله يعلم أنى بريئة - لتصدقننى ’ إنى والله ما أجد لى ولكم مثلاً إلا كما قال أبو يوسف فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ) قالت : ثم تحولت فاضطجعت على فراشى . قالت فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه ’ ولا خرج من أهل البيت أحد ’ حتى أنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم : فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحى حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق فى اليوم الشات من ثقل القول الذى أنزل عليه ’ قالت : فسرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك ’ فكانت أول كلمة تكلم بها أن قال : أبشرى يا عائشة أما الله فقد برأك ’ فقالت أمى : قومى إليه ( أى إشكريه ) فقلت : لا والله لا أقوم إليه ولا أحمد أحداً إلا الله هو الذى أنزل براءتى ’ قالت : فأنزل الله عز وجل إن الذين جاؤا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شر اً لكم بل هو خير لكم لكل إمرىء منهم ما إكتسب من الإثم ’ والذى تولى كبره منهم له عذاب عظيم ) الى آخر عشرة آيات .
قالت : وكان أبى ينفق على مسطح لقرابته وفقره ’ فقال : والله لا أنفق عليه شيئاً أبداً بعد الذى قال لعائشة ’ فأنزل الله عز وجل ( ولا يأتل أولوا الفضل منكم و السعة أن يؤتوا أولى القر بى ) الى قوله تعالى ( ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم ) ’ فقال أبو بكر : بلى والله إنى لأحب أن يغفر الله لى ’فرجع الى مسطح النفقة التى كان ينفقها عليه .
ثم خرج صلى الله عليه وسلم الى الناس فخطبهم ’ وتلا عليهم ما أنزل الله تعالى من القرآن فى ذلك’ ثم أمر بمسطح ابن أثاثة ’ وحسان ابن ثابت ’ وحمنة بنت جحش وكانوا ممن أفصح بالفاحشة فضربوا حدهم .

العبر و الدلالات :
نأخذ من هذه الغزوة ما يلى :
أولاً:- مشروعية تقسيم الغنائم بين المقاتلين ’ بعد إستثناء السلب و الخمس من الغنيمة ’ فأما السلب فهو ما يكون مع المقتول من سلاح ونحوه ’ فيجوز أن يأخذه القاتل لقوله صلى الله عليه وسلم : من قتل قتيلاً فله سلبه وأما الخمس فهو لمن ذكرهم الله تعالى فى كتابه واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه و للرسول ولذى القربى و اليتامى والمساكين وابن السبيل ) ’ وأما الأخماس الأربعة فتوزع على المقاتلين كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهذا متفق عليه بين الأئمة فى الأموال المنقولة ’ أما الأرض فقد وقع الخلاف فى أمر تقسيمها كما عرضنا له عند الحديث عن أمر بنى النضير ’ .

ثانياً :- حكم العزل عند الجماع وتحديد النسل
ويتبع ذلك إسقاط النطفة أو العلقة قبل نفخ الروح فيها ’ كما يتبع ذلك عموم ما يسمى اليوم بتحديد النسل .
والحديث الذى ذكرناه فى هذا صريح بجواز العزل ’ فقد قال لهم حينما إستفتوه فى ذلك : ما عليكم ألا تفعلوا ’ ( وفى رواية لمسلم : لا عليكم أن لا تفعلوا ما من نسمة كائنة الى يوم القيامة إلا وهى كائنة ) أى ليس عليكم أن تتركوا العزل ’ لأن ما قد قدر الله واقع لا ريب فيه ’ فلا يمكن أن يمتنع المقدر بعملكم . وأصرح من هذا الحديث ما رواه الشيخان عن جابر رضى الله عنه أنه قال : كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم و القرآن ينزل .
وقد ذهب جمهور الأئمة بناءاً على هذا الى جواز ممارسة العزل ’ ولكنهم إشترطوا لذلك موافقة الزوجة ’ لما قد يكون من الضرر بها ’ غير أنه يكره ذلك إذا كان سببه خشية النفقة وقلة ذات اليد .
وخالف ابن حزم الجمهور ’ فذهب الى حرمة العزل مطلقاً ’ مستدلاً بما رواه مسلم أن النبى صلى الله عليه وسلم سئل عن العزل ’ فقال : ذلك الوأد الخفى ’ واستدل بأحاديث أخرى كلها موقوفة على الصحابة ’ فمن ذلك ما رواه بسنده عن نافع عن ابن عمر كان لا يعزل ’ وقال لو علمت أحداً من ولدى يعزل لنكلته ’ ومنه ما رواه من طريق الحجاج ابن منهال أن علىّ ابن أبى طالب كان يكره العزل .
وأجاب ابن حزم عن حديث جابر الذى غستدل به الجمهور بأنه منسوخ .
وذكر ابن حجر فى فتح البارى رأى ابن حزم ثم قال : وهذا معارض بحديثين أحدهما أخرجه الترمذى والنسائى وصححه من طريق معمر عن يحى ابن كثير عن جابر قال : كانت لنا جوارى وكنا نعزل ’ فقالت اليهود إن تلك المؤودة الصغرى ’ فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : كذبت اليهود ’ لو أراد الله خلقه لم تستطع رده ’ قال : و الحديث الثانى فى النسائى من وجه آخر عن محمد ابن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة .
أقول : وواضح أن قول الرسول صلى الله عليه وسلم عن العزل : الوأد الخفى ’ لا يعنى التحريم ’ بل الأظهر أن يحمل كلامه هذا - على ضوء الأحاديث الثابتة الأخرى - على النهى التنزيهى كما ذهب الى ذلك الجمهور. ودعوى ابن حزم أن الأحاديث المبيحة للعزل منسوخة ’ يردها ما رواه الستة خلا ابا داود من حديث جابر : كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم و القرآن ينزل زاد مسلم : فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فلم ينهنا فلولا أن حكم إباحة العزل ظل مستمراً الى وفاته صلى الله عليه وسلم ’ لما قال جابر رضى الله عنه ذلك ’ ولأوضح آخر ما إستقر عليه الحكم الشرعى .
وحكم إسقاط النطفة قبل نفخ الروح فيها يتبع ما ذكرنا من حكم العزل ’ إلا أن بعضاً من الجماهير الذين أفتوا بالعزل حرموا الإسقاط ’ ولعلهم تحرجوا عن القياس فى ذلك ’ واعتبروا المضغة أقرب الى التخليق بالذات الإنسانية من النطفة قبل العلوق ’ وهو تحرج لا يتضح سببه ’ اللهم إلا أن يكون ضرراً صحياً للحامل .
إذا علمت هذا ’ علمت الحكم الشرعى الذى يتعلق بتحديد النسل وهو إتباع وسيلة علاجية لمنع الحمل بدلاً من العزل فهو جائز إذا إتبعت الوسائل التى أجازها جمهور الأئمة ’ بشرط أن لا يظن فيه أى ضرر للزوجة وبشرط أن يكون ذلك برغبة متفقة من الزوجين ’ ولست أعلم ما يخالف هذا الحكم عند أحد من الأئمة الفقهاء رحمهم الله ’ إلا ما روى من ذلك الحافظ ولى الدين العراقى ’ عن الشيخ عماد الدين ابن يوسف و الشيخ عز الدين ابن عبد السلام ’ فقد روى عنهما القول بحرمة إستعمال المرأة دواء ما من شأنه أن يمنع الحمل ’ قال ابن يونس : ولو رضى به الزوج .
أقول وهذا الرأى محجوج بمقتضى دلالة السنة ’ وبما ذهب إليه بناء على ذلك الجمهور .
غير أن من أهم ما ينبغى تعلمه فى هذا الصدد ’ أن الحكم بإباحة العزل وعموم ما يسمى اليوم بتحديد النسل ’ منوط برضى الزوجين أنفسهما دون أن يكون عليهما سلطان أو توجيه من الخارج . إذ أن ما يجوز ممارسته للفرد صاحب العلاقة ’ قد لا يجوز تشريعه بشكل إلزامى للجماعة ’ وهذه قاعدة من القواعد الفقهية المتفق عليها .
فالطلاق مما يجوز للفرد المتزوج ممارسته عند الحاجة أو المصلحة التى يراها ’ ولكن ليس للحاكم أن يأمر الناس أمراً إلزامياً أو أدبياً أو توجيهياً ’ بأن يمارسوا هذا الحق فيطلقوا زوجاتهم ’ وتحديد النسل شأنه فى ذلك شأن الطلاق تماماً وهذه القاعدة الهامة لابد من أن تعيها وتفهمها جيداً ’ كى لا يلبس عليك أحد ممن يحترفون اليوم صناعة الفتوى قائلين : لقد أباحت السنة تحديد تانسل ’وهذا دليل على أن للدولة أن تحمل الناس - بما تراه من السبل - على ذلك .
و الحقيقة أنه لا علاقة إطلاقاً بين ذلك الدليل وهذا المدلول إلا علاقة التلبيس و التمويه .
فالخلاصة أن أمر العزل أو تحديد النسل ’ إذا نظر غليه من حيث علاقة الزوجين ببعضهما وما تشيع بينهما من حقوق ويجمعهما من مصالح ’ أمر سهل لا مشكلة فيه كما قد رأيت .
ولكنه إذا نظر إليه على أساس أن يكون مبدأ يدعى إليه دعوة عامة ويغرى الناس به بناءاً على فلسفة توجيهية تنشط وسائل الإعلام والتوجيه فى بثها ’ فإنه يغدوا حينئذ من المسلمين أن ينشطوا فى محاربته محاربة واعية فعالة : تقوم على أساس فهم الخطط الماكرة المختلفة التى يبيتها أعداء المسلمين للإجهاز عليهم ’ وعليهم أن لا ينخدعوا بما يشاع من مشاكل الإنتاج و الإقتصاد فذلك جزء من التخطيط نفسه .
ثالثاً :- تدلنا معالجة النبى صلى الله عليه وسلم للمشكلة التى إستغلها عبد الله ابن أبى ابن سلول بالشكل الذى رأيناه ’ على مدى ما قد آتاه الله من براعة فائقة فى سياسة الأمور و تربية الناس و التغلب على مشاكلهم ’ لقد كان ما سمعه صلى الله عليه وسلم من كلام ابن أبى مسوغاً كافياً لأن يأمر بقتله بحسب الظاهر ’ ولكنه صلىالله عليه وسلم استقبل الأمر بصدر أرحب من ذلك ’ وسمع عن اللغط الذى جرى و التناوش الذى وقع و الجيش فيه عدد كبير من المنافقين الذين يبحثون عن شىء مثل هذا ليقوموا ويقعدوا به ’ فلم يعالج الأمر بعاطفة متاثرة ’ وإنما ترك الحكمة وحدها هى التى تدبر ’ فكان أن أمر القوم بالمسير فى وقت لم يكونوا يعتادونه ’ حتى يشغلهم السير عن الإجتماع و المحادثة و الكلام ’ وظل يسير بهم بقية اليوم و الليل كله وصدر اليوم التالى ’ لا يدع لهم مجالاً يفرغ فيه المنافقون للخوض فيما يريدونه من باطل ’ فلما إنحطوا بعد ذلك على الأرض لم يدع لهم التعب فرصة الحديث عن شىء ’ وذهب الجميع فى سبات عميق .
وانتظر الناس أن يجدوا من الرسول صلى الله عليه وسلم إذا وصل المدينة شدة على المنافقين لا ريب أنها تتجلى فى قتل عبد الله ابن أبى ابن سلول فلذلك جاءه ابنه عبد الله رضى الله عنه يعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتولى هو قتل أبيه إذا كان الرسول يريد أن يحكم بذلك ولكنه فوجىء من رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لم يكن متوقعاً حينما قال : بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقى معنا ’ وانظر الى التعليل فيما قاله لعمر رضى الله عنه : فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه ؟
ولقد كان من نتيجة هذه الحكمة أن إنحسر عبد الله ابن أبى ابن سلول قومه فكانوا هم الذين يعنّفونه ويفضحون أمره إذا ما أراد أن يحدث شيئاً ’ وأنت خبير أن المنافق يعتبر فى الأحكام القضائية الدنيوية مسلماً مع وجوب الحيطة و الحذر منه.
وقبل أن تستغرق فى التأمل فيما كان يتصف به صلى الله عليه وسلم من البراعة فى الحكمة و السياسة وتدبير الأمور ’ ينبغى أن أذكرك مرة أخرى بأن كل هذه الصفات إنما تأتى من وراء صفة النبوة فيه ’ فهى كلها متفرعة عن كونه نبياً ورسولاً الى الناس ’ ومن الخطأ الفادح أن يعمد باحث فيحلل مثل هذه الصفات فى حياته صلى الله عليه وسلم دون أن يربطها بمصدره الأساسى الأول وهو نبوته صلى الله عليه وسلم ورسالته .
وتلك خطة - كما بينا ذلك سابقاً - يختارها محترفوا الغزو الفكرى لشغل المسلمين عن التأمل فى نبوته عليه الصلاة و السلام ويتلقفها منهم أولئك الذين فاقوا حتى القردة فى إتقان فن التقليد الأعمى .

رابعاً:- وأما قصة الإفك فإنها حلقة فريدة من سلسلة فنون الإيذاء و المحن التى لقيها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعداء الدين ’ ولقد كانت هذه الأذية أشد فى وقعها على نفسه صلى الله عليه وسلم من كل تلك المحن السابقة ’ وتلك هى طبيعة الشر الذى يصدر من المنافقين ’ فهو دائما يكون أقسى من غيره و أبلغ فى المكيدة و الضرر ’ إذ تكون الفرص و الأسباب الخاضعة لهم أكثر من غيرهم ’ وخبر الإفك صورة فريدة للأذى الذى تفرد به المنافقون .
وإنما كانت هذه القصة أبلغ من غيرها فى إيذاء النبى صلى الله عليه وسلم لأن كل ما كان قد كابده قبل ذلك من المحن التى تحدثنا عن طرف منها ’ أمور كان يتوقعها ’ قد وطن نفسه لقبولها وتحملها وليس إلتقاؤه بها فى طريق الدعوة مفاجأة له ’ أما هذه فقد فوجىء بها ... لأنها ليس مما قد إعتاده ’ أو توقعه . إنها اليوم شىء آخر .... إنها شائعة ’ لو صحت لكانت طعنة نجلاء فى أخص ما يعتز به إنسان ’ أخص ما يتصف به الشرف و الكرامة وما الذى أدراه إنها شائعة صحيحة أو باطلة ؟ ... من هنا كانت هذه الأذية أبلغ فى تأثيرها من كل ما عداها ’ لأنها جاءت لتلقى بشعوره النفسى فى إضطراب مثير لا مناص منه . ومع ذلك فلو أن الوحى سارع الى كشف الحقيقة وفضح إفك المنافقين لكان فى ذلك مخلص من هذا الإضطراب و الشكوك المثيرة ’ ولكن الوحى تلبث أكثر من شهر لا يعلّق على ذلك ’ فكان ذلك مصدراً آخر للقلق و الشكوك .
ومع ذلك فإن محنة الإفك هذه ’ جاءت منطوية على حكمة إلهية إستهدفت إبراز شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم ’ وإظهارها صافية مميزة عن كل ما قد يتلبس بها . إن معنى النبوة فى حياته صلى الله عليه وسلم كان من المحتمل أن يبقى مشوباً فى وهم بعض المؤمنين به ’ والكافرين على السواء لو لم تأت حادثة الإفك هذه لتهز شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم هزا قوياً يفصل إنسانيته العادية عن معنى النبوة الصافية فيه ’ ثم لتجلى معنى النبوة و الوحى تجلية تامة امام الأنظار و الأفكار ’ حتى لا يبقى أى مجال التباس بينه و بين أى معنى من المعانى النفسية أو الشعورية الأخرى .
لقد فاجأت هذه الشائعة سمع النبى صلى الله لعيه وسلم ’ وهو فى طور من إنسانيته العادية ة يتصرف ويتأمل ويفكر كأى أحد من الناس ضمن حدود العصمة المعروفة للأنبياء ’ و المرسلين ’ فاستقبلها كما يستقبل مثلها أى بشر عادى من الناس ’ ليس له إضطلاع على غيب مكنون ولا ضمير مجهول ’ ولا على قصد ملفق كاذب ’ فاضطرب كما يضطربون ’ وشك كما يشكون ’ وأخذ يقلب الرأى على وجوهه ’ ويستنجد فى ذلك بمشورة أولى الرأى من أصحابه .

وكان من مقتضى الحكمة الإلهية فى إبراز هذا الجانب الإنسانى المجرد فيه صلى الله عليه وسلم ’ أن يتأخر الوحى كل هذه الفترة التى تأخرها كى تتجلى للناس حقيقتان كل منهما على غاية من الأهمية :
أما الحقيقة الأولى : فهى أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يخرج بنبوته ورسالته عن كونه بشراً من الناس ’ فلا ينبغى لمن آمن به أن يتصور أن النبوة قد تجاوزت به حدود البشرية ’ فينسب إليه من الأمور و التأثير فى الأشياء ما لا يجوز نسبته إلا لله تعالى وحده .
وأما الحقيقة الثانية : فهى أن الوحى الإلهى ليس شعوراً نفسياً ينبثق من كيان النبى صلى الله عليه وسلم ’ كما أنه شيئاً ليس خاضعاً لإرادته أو تطلعاته وأمنياته . إذ لو كان كذلك ’ لكان من السهل عليه أن ينه هذه المشكلة من يوم ميلادها ويريح نفسه من ذيولها و نتائجها ’ ويجعل مما يعتقد من الخير و الإستقامة فى أهله قرآناً يطمئن به أصحابه المؤمنين ’ ويسكت الآخرين من أصحاب الفضول ’ ولكنه لم يفعل ’ لأنه لا يملك ذلك .
ولننقل لك ما يقوله فى بيان هذه الحقيقة الدكتور / محمد عبد الله دراز فى كتابه ( النبأ العظيم ) يقول : ( ألم يرجف المنافقون فى المدينة بحديث الإفك عن زوجه عائشة رضى الله عنها ’ وأبطأ الوحى وطال الأمر والناس يخوضون ’ حتى بلغت القلوب الحناجر ’ وهو لا يستطيع إلا أن يقول بكل تحفظ واحتراس ( إنى لا أعلم عنها إلا خيراً ) ثم إنه بعد أن بذل جهده فى التحرى و السؤال واستشارة الأصحاب ومضى شهراً بأكمله والكل يقولون : ما علمنا عليها من سوء ’ لم يزد على أن قال لها آخر الأمر : يا عائشة أما إنه قد بلغنى كذا وكذا ’ فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفرى الله ) .
هذا كلامه بوحى ضميره ’ وهو كما ترى كلام البشر الذى لا يعلم الغيب ’ وكلام الصديق المتثبت الذى لا يتبع الظنون ولا يقول ما ليس له به علم ’ على أنه لم يغادر مكانه بعد أن قال هذه الكلمات حتى نزل صدر سورة النور معلناً براءتها ومصدراً الحكم المبرم بشرفها وطهارتها .
فماذا كان يمنعه - لو أن أمر القرآن إليه - أن يتقول هذه الكلمات الحاسمة من قبل ليحمى بها عرضه ويذب بها عن عرينه وينسبها الى الوحى السماوى ’ لتنقطع ألسنة التخرصّين ؟ ولكنه ما كان ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله ولو تقول علينا بعض الأقاويل ’ لأخذنا منه باليمين ’ ثم لقطعنا منه الوتين ’ فما منكم من أحد عنه حاجزين )
ولقد كانت السيدة عائشة رضى الله عنها ’ اول من تجلت لها هاتان الحقيقتان ’ حتى ذهبت فى توحيدها وعبوديتها لله وحده مذهباً أنساها ما سواه ومن سواه ’ فلذلك أجابت أمها حينما طلبت إليها أن تشكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلة : لا أقوم إليه ولا احمد إلا الله هو الذى أنزل براءتى .
إن هذا الكلام من السيدة عائشة رضى الله عنها قد يبدو وكأن فيه شيئاً من عدم اللباقة تجاه النبى صلى الله عليه وسلم ’ غير ان الظروف والحالة هما اللذان أمليا عليها هذا الكلام ’فهى إنما إنساقت بوحى الحالة التى كونتها الخكمةالإلهية تثبيتاً لعقيدة المؤمنين ’ وقطعاً لإفك المنافقين و الملحدين وإظهاراً لمعنى التوحيد و العبودية الشاملة لله وحده .
وهكذا فقد إنطوت قصة الإفك على حكمةإلهية باهرة إستهدفت تثبيت العقيدة الإسلامية ’ ورد ما قد يعرض من شبهة عليها ’ وتلك هى الخيرية التى عبر الله عنها بقوله : لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم .
خامساً :- فى قصة الإفك هذه ’ ما يدلنا على مشروعية حد القذف فقد رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بأولئك الذين تفوهوا بصريح القذف ’ فضربوا حد القذف وهو ثمانون جلدة وليس فى هذا من إشكال .
إنما الإشكال فى أن ينجو من الحد الذى تولى كبر هذه الشائعة وتسييرها بين الناس وهو عبد الله ابن أبى ابن سلول ’ والسبب كما قال ابن القيم ’ أنه كان يعالج الحديث من الإفك بين الناس بخبث ’ فكان يستوشى الكلام فيه ويجمعه ويحكيه فى قوالب من لا ينسب إليه ’ وأنت خبير أن حد القذف إنما يقع على من يتفوّه به بصريح القول .
هذا ولنختم الحديث عن قصة الإفك ودروسها بذكر الآيات العشر التى نزلت ببراءة أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها ’ وإدانة المنافقين و الخاطئين ’ يقول الله تعالى إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم لكل إمرىء منهم ما إكتسب من الإثم و الذى تولى كبره منهم له عذاب عظيم ’ لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون بأنفسهم خيراً وقالوا هذا إفك مبين ’ لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء ’ فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون ’ ولولا فضل عليكم ورحمته فى الدنيا و الآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم ’ إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هيّناً وهو عند الله عظيم ’ ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا ’ سبحانك هذا بهتان عظيم ’ يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين ’ ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم ’ إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة فى الذين آمنوا لهم عذاب أليم فى الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون ’ ولولا فضل الله عليكم ورخمته وأن الله رؤوف رحيم ).

__________________

هجرة الرسول الى الطائف
هجرة الرسول الى الطائف
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 05-04-2010, 03:00 AM
الصورة الرمزية اميــرة الاحســاس
اميــرة الاحســاس اميــرة الاحســاس غير متواجد حالياً
ميداليه ماسيه
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
الدولة: egypt
المشاركات: 11,472
افتراضي غزوة بنى قريظة

غزوة بنى قريظة
جاء فى الصحيحين أن النبى صلى الله عليه وسلم لما رجع من الخندق ووضع السلاح واغتسل ’ أتاه جبريل عليه الصلاة و السلام ’ فقال : قد وضعت السلاح ؟ والله ما وضعناها ’ فاخرج إليهم قال : فإلى أين ؟ قال : ههنا ’وأشار الى بنى قريظة ’ فخرج النبى صلى الله عليه وسلم إليهم .
ونادى صلى الله عليه وسلم فى المسلمين ألا لا يصلين احد العصر إلا فى بنى قريظة ’ فسار الناس ’ فأدرك بعضهم العصر فى الطريق ’ فقال بعضهم : لا نصلى حتى نأتيها ’ وقال بعضهم : بل نصلى ولم يرد منا ذلك فذكروا ذلك للنبى صلى الله لعيه وسلم فلم يعنف واحداً منهم .
وحاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى قريظة ( وهم متحصنون فى حصونهم ) خمساً وعشرين ليلة وقيل خمسة عشر يوماً حتى جهدهم الحصار وقذف الله فى قلوبهم الرعب .
روى ابن هشام أن كعب ابن أسد قال لليهود : لما رأى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير منصرف عنهم : يا معشر يهود : قد نزل بكم من الأمر ما ترون ’ وإنى عارض عليكم خلالاً ثلاثاً فخذوا أيها شئتم : قالوا فما هى ؟ قال : نتابع هذا الرجل ونصدقه ’ فوالله لقد تبين لكم أنه لنبى مرسل ’ وأنه للذى تجدونه فى كتابكم ’ فتأمنون على دمائكم وأبنائكم ونسائكم ’ قالوا لا نفارق حكم التوراة أبداً ’ قال : فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ’ ثم نخرج الى محمد وأصحابه رجالاً مصلتين بالسيوف ’ لم نترك وراءنا ثقلاً حتى يحكم الله بيننا وبين محمد فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلاً نخشى عليه ’ قالوا فما ذنب المساكين ؟ قال : فإن أبيتم هذه أيضاً فإن الليلة ليلة السبت ’ وأنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنونا فيها ’ فانزلوا لعلنا نصيب منهم غرة ’ فأبوا ذلك أيضاً .
ثم إنهم نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم - وقد كانت بنو قريظة حلفاء للأوس- فأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكل الحكم عليهم الى واحد من رؤساء الأوسيين ’ فجعل الحكم فيهم الى سعد ابن معاذ ’ وكان قد أصيب بسهم فى الخندق فكان يداوى فى خيمة هناك ’ فلما حكّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بنى قريظة وأرسل إليه بذلك ’ أتى على حمار ’ فلما دنا من المسجد ’ قال للأنصار : قوموا الى سيدكم أو خيركم : ثم قال إن هؤلاء نزلوا على حكمك ’ قال تقتل مقاتلهم ’ وتسبى ذريتهم ’ فقال له النبى صلى الله عليه وسلم : قضيت فيهم بحكم الله تعالى .
ثم قال سعد ابن معاذ رضى الله عنه : اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحبّ إلىّ أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك صلى الله عليه وسلم وأخرجوه ’ اللهم فإنى أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم ’ فإن كان بقى من حرب قريش شىء فأبقنى له حتى أجاهدهم فيك ’ وإن كنت وضعت الحرب فافجرها ’ واجعل موتى فيها ’ فانفجرت من لبّته ’ فلم يرعهم وفى المسجد خيمة من بنى غفار إلا الدم يسيل إليهم ’ فقالوا ياأهل الخيمة ما هذا الذى يأتينا من قبلكم ؟ فإذا سعد يغذو جرحه دماً فمات منها رضى الله عنه ’ وفى رواية أحمد أن جرحه حينما إنفجر كان قد برىء إلا مثل الخرص ( حلى يوضع فى الأذن ) أى إلا شىء يسير قد بقى منه .
ثم إستنزل اليهود من حصنهم فسيقوا الى الخنادق فى المدينة ’ فقتل مقاتلهم ( أى رجالهم ) وسبى ذراريهم ’ وكان من جملة من سيق الى القتل فقتل : حيى ابن أخطب الذى كان قد سعى حتى أقنع بنى قريظة بالغدر ونقض العهد . روى ابن إسحاق أنه جىء به الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويداه مجموعتان الى عنقه بحبل ’ فلما نظر الى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أما والله ما لمت نفسى فى عداوتك ’ ولكنه من يخذل الله يخذل ’ ثم جلس فضربت عنقه .

العبر و العظات :
إستنبط علماء الحديث و السيرة من قصة بنى قريظة هذه أحكاماً هامة نجملها فيما يلى :

أولاً:- جواز قتال من نقض العهد
وقد جعل الإمام مسلم رحمه الله هذا الحكم عنواناً لغزوة بنى قريظة ’ فالصلح و المعاهدة والإستئمان بين المسلمين وغيرهم ’ كل ذلك ينبغى إحترامه والتزامه علىالمسلمين ’ ما لم ينقض الآخرون العهد أو الصلح أو الأمان ’ وحينئذ يجوز للمسلمين قتالهم إن رأوا المصلحة فى ذلك .
ثانياً:- جواز التحكيم فى أمور المسلمين ومهامهم :
قال النووى رحمه الله : فيه جواز التحكيم فى أمور المسلمين وفى مهامهم العظام و الرجوع فى ذلك الى حكم مسلم عادل صالح للحكم ’ وقد أجمع العلماء عليه فى شأن الخوارج ’ فإنهم أنكروا على علىّ التحكيم وأقام الحجة عليهم ’ وفيه جواز مصالحة أهل قرية أو حصن على حكم حاكم مسلم عدل صالح للحكم أمين على هذا الأمر ’ وعليه الحكم بما فيه مصلحة المسلمين ’ وإذا حكم بشىء لزم حكمه و لا يجوز للإمام ولا لهم الرجوع ’ ولهم الرجوع قبل الحكم .

ثالثاً:- مشروعية الإجتهاد فى الفروع وضرورة وقوع الخلاف فيها :
وفى إختلاف الصحابة فى فهم كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا لا يصلين أحد العصر إلا فى بنى قريظة ) على النحو الذى روينا ’ مع عدم تعنيف النبى صلى الله عليه وسلم أحداً منهم أو معاتبته - دلالة هامة على أصل من الأصول الشرعية الكبرى ’ وهو تقرير مبدأ الخلاف فى المسائل الفرعية ’ واعتبار كل من المتخالفين معذوراً ومثاباً ’ سواء قلنا أن المصيب واحد أو متعدد ’ كما أن فيه تقريراً لمبدأ الإجتهاد و الإستنباط للأحكام الشرعية ’ وفيه ما يدل على إستئصال الخلاف فى مسائل الفروع التى تنبع من دلالات ظنية ’ أمر لايمكن أن يتصور أو يتم ’ فالله سبحانه وتعالى تعبد عباده بنوعين من التكاليف :
أحدهما :- تطبيق أوامر معينة واضحة تتعلق بالعقيدة أو السلوك .
ثانيهما :- البحث وبذل الجهد إبتغاء فهم المبادىء و الأحكام الفرعية من ادلتها العامة المختلفة ’ فليس المطلوب ممن أدركته الصلاة فى بادية إلتبست عليه جهة القبلة فيها أكثر من أن تتجلى عبوديته لله تعالى فى أن يبذل كل ما لديه من وسع لمعرفة جهة القبلة حسب فهمه وما يبدو له من أدلة ’ حتة إذا سكنت نفسه الى جهة ما ’ إستقبلها فصلى إليها .
ثم إن هنالك حكماً باهرة لمجىء كثير من الأدلة و النصوص الشرعية ظنية الدلالة غير قطعية من أبرزها ’ أن تكون الإجتهادات المختلفة فى مسألة ما ’ كلها وثيقة الصلة بالأدلة المعتبرة شرعاً ’ حتى يكون للمسلمين متسع فى الأخذ بأيها شاؤا حسبما تقتضيه ظروفهم ومصالحهم المعتبرة وتلك من أجلى مظاهر رحمة الله بعباده ’ فى كل عصر وزمن .
وإذا تأملت هذا ’ علمت أن السعى فى محاولةالقضاء على الخلاف فى مسائل الفروع معاندة للحكمةالربانية و التدبير الإلهى فى تشريعه ’ عدا أنه ضرب من العبث الباطل ’ إذ كيف تضمن إنتزاع الخلاف فى مسألة ما ما دام دليلها ظنياً محتملاً ؟ ... لو أمكن ذلك أن يتم فى عصر ما ’ لكان أولى العصور به عصر النبى صلى الله عليه وسلم ’ ولكان أولى الناس بأن لا يختلفوا هم أصحابه ’ فما بالهم إختلفوا مع ذلك كما قد رأيت ؟ .

رابعاً: - تأكد اليهود من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم :
لقد رأيت من مجرى كلام كعب ابن اسد مع إخوانه اليهود ’ أنهم كانو ا على يقين من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعلى إطلاع تام على ما أثبتته التوراة من الحديث عنه صلى الله عليه وسلم وعن علاماته وبعثته ’ ولكنهم كانوا عبيداً لعصبيتهم وتكبرهم ’ وذلك هو سبب الكفر عند كثير ممن يتظاهر بعدم الإيمان و الفهم ’ وذلك هو الدليل البين على أن الإسلام فى عقيدته وعامة أحكامه إنما هو دين الفطرة البشرية الصافية ’ ينسجم فى فى تشريعاته و أحكامه مع حاجات الإنسان و مصالحه فلن تجد من عاقل سمع باسم الإسلام وألمّ بحقيقته وجوهره ثم كفر به كفراً عقلياً صادقاً ’ إنما هو أحد شيئين : إما أنه لم يسمع بالإسلام على حقيقته وإنما قيل له عنه كلام زائف باطل ’ وإما أنه وقف على حقيقته واطلع على جوهره ’ فهو يأباه إباءً نفسياً لحقد على المسلمين أو غرض هوى يخشى فواته .

خامساً :- حكم القيام إكراماً للقادم :
أمر النبى صلى الله عليه وسلم الأنصار حينما أقبل نحوهم سعد ابن معاذ راكباً دابته أن يقوموا إليه تكريماً له ’ ودلّ على هذا التعليل قوله : لسيدكم أو خيركم ’ وقد إستدل العلماء بهذا وغيره على مشروعية إكرام الصالحين و العلماء بالقيام إليهم فى المناسبات الداعية الى ذلك عرفاً .
يقول الإمام النووى فى تعليق على هذا الحديث فيه إكرام أهل الفضل وتلقيهم بالقيام لهم إذا أقبلوا ’ هكذا إحتج به جماهير العلماء لإستحباب القيام ’ قال القاضى : وليس هذا من القيام المنهى عنه ’ وإنما ذلك فيمن يقومون عليه وهو جالس ويمثلون قياماً طول جلوسه ’ قلت القيام للقادم من أهل الفضل مستحب ’ وقد جاء فيه أحاديث ’ ولم يصح فى النهى عنه شىء صريح ) .
ومن الأحاديث الثابتة الدالة أيضاً على ذلك ’ ما جاء فى حديث كعب ابن مالك المتفق عليه ’ وهو يقص خبر تخلفه عن غزوة تبوك ’ قال : فانطلقت أتأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ فتلقانى الناس فوجاً فوجاً يهنئونى بالتوبة ’ ويقولون لى لتهنك توبة الله عليك ’ حتى دخلت المسجد ’ فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس ’ فقام إلىّ طلحة ابن عبيد الله رضى الله عنه يهرول حتى صافحنى وهنأنى ’ والله ما قام رجل من المهاجرين غيره - فكان كعب لا ينساها لطلحة -.
ومن ذلك أيضاً ما رواه الترمذى وأبو داود و البخارى فى الأدب المفرد عن عائشة رضى الله عنها قالت : ما رأيت احداً من النس كان أشبه بالنبى صلى الله عليه وسلم كلاماً ولا حديثاً ولا جلسة من فاطمة ’ قالت : وكان النبى صلى الله عليه وسلم إذا رآها أقبلت رحب بها ثم قام إليها فقبلها ’ ثم أخذ بيدها فجاء بها حتى يجلسها فى مكانه ’ وكانت إذا أتاها النبى صلى الله عليه وسلم رحبت به ثم قامت إليه فقبلته .
واعلم أن هذا الكلام لا يتنافى مع ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : من أحبّ أن يتمثل له الناس قياماً فليتبوأ مقعده من النار . لأن مشروعية إكرام الفضلاء وتوقيرهم لا تستدعى السعى منهم الى ذلك أو تعلق قلوبهم بمحبته ’ بل إن من أبرز صفات الصالحين و الفضلاء أن يكونوا متواضعين لإخوانهم زهّاداً فى طلب هذا الشىء . أرأيت الى الفقير المحتاج ؟ إن الأدب الإسلامى يوصيه ويعلمه الترفع عن المسألة وإظهار الفاقة و الحاجة للناس ’ ولكن هذا الأدب الإسلامى نفسه يوصى الأغنياء بالبحث عن هؤلاء الفقراء المتعففين ويأمرهم بإكرامهم و إعطائهم من فضول أموالهم .
فلكل أدب ووظيفة ’ ولا ينبغى أن نخلط بينهما ’ أو ننسخ الواحد بالآخر فإن ذلك من اسوأ مظاهر التسرع و الجهل . غير أن من أهم ما ينبغى أن تعلمه فى هذا الصدد أن لهذا الإكرام المشروع حدوداً إذا تجاوزها إنقلب الأمر محرماً ’ واشترك فى الإثم كل من مقترفه و الساكت عليه .

فمن ذلك ما قد تجده فى مجالس بعض المتصوفة من وقوف المريدين وهم جلوس ’ يقف الواحد منهم أمام شيخه فى إنكسار وذل مطرقاً لا يطرف إلى أن يأذن له بالجلوس ’ ومنه ما يفعله بعضهم من السجود على ركبة الشيخ أو يده عند قدومه عليه ’ أو ما يفعله من الحبو إليه عندما يغشى المجلس .... ولا يخدعنّك ما قد يقال فى تسويغ ذلك من أنه أسلوب من التربية للمريد ! ... فالإسلام قد شرع مناهج وأساليب للتربية وحظر على المسلمين الخروج عليها ’ وليس بعد الأسلوب النبوى فى التربية من أسلوب يقرّ أو يعاج عليه .

سادساً :- مزايا خاصة لسعد ابن معاذ :
وإنك لتقف خلال إطلاعك على هذه الغزوة ’ على مزية كبرى لسيدنا سعد ابن معاذ رضى الله عنه ’ فإنك لتجد ذلك أولا فى إعطاء النبى صلى الله عليه وسلم له صلاحية الحكم بما يشاء على بنى قريظة ’ وجعل موقفه منه - وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم - موقف الموافق و المؤيد لكل ما سيحكم به ’ ونجد ذلك ثانياً فى أمر النبى صلى الله عليه وسلم للأنصار بالقيام إليه حينما أقبل إليهم ’ وتلك مزية كبرى لسعد حينما يكون هذا الأمر صادراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ثم تجد ذلك فى قصة الجرح الذى كان قد أصابه فى كاحله فى غزوة الخندق ’ لقد رفع يديه يدعو الله تعالى يوم أن أصابه هذا الجرح قائلاً: ( اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إلىّ أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك صلى الله عليه وسلم ’ وأخرجوه ’ اللهم فإن بقى من حرب قريش شىء فأبقنى له حتى أجاهدهم فيك ) وقد استجيب دعاء سعد ابن معاذ فتحجر جرحه وتماثل للشفاء ’ حتى كانت غزوة بنى قريظة ’ وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم فيهم إليه ’ وكفى الله المؤمنين شر اليهود وتطهرت المدينة من أرجاسهم ’ رفع سعد يده يدعو الله ثانية يقول اللهم فإنى أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا و بينهم ( يعنى قريشاً و المشركين ) فإن كنت قد وضعت الحرب بيننا و بينهم فافجرها واجعل موتى فيها ) ’ وقد إستجيب دعاؤه فانفجر جرحه تلك الليلة ومات رحمه الله تعالى .
قال ابن حجر فى الفتح : و الذى يظهر لى أن ظن سعد كان مصيباً وأن دعاءه فى هذه القصة كان مجاباً ’ وذلك أنه لم يقع بين المسلمين و بين قريش من بعد وقعة الخندق حرب يكون إبتداء القصد فيها من المشركين ’ فإنه صلى الله عليه وسلم تجهز للعمرة فصدوه عن دخول مكة ’ وكادت الحرب أن تقع بينهم فلم تقع كما قال تعالى هو الذى كفّ أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم ) ثم وقعت الهدنة ’ واعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من قابل ’ واستمر ذلك الى أن نقضوا العهد ’ فتوجه إليهم غازياً ففتحت مكة .

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى منصرفه عن غزوة الأحزاب ’ فيما رواه البخارى : الآن نغزوهم هم ولا يغزوننا ’ نحن نسير إليهم ’ وأخرج البزار بإسناد حسن من حديث جابر أنه صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب ’ وقد جمعوا له جموعاً كثيرة ’ لا يغزونكم بعد هذا أبداً ولكن أنتم تغزونهم .
وأخيراً ’ فإن قصة سعد هذه بملابساتها التى ذكرناها ’ تذكرك بما كنا قد قررناه سابقاً من أن الحرب الدفاعية فى الإسلام ما كانت إلا مرحلة من مراحل الدعوة التى سار فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ وقد جاءت من بعدها مرحلة دعوة الناس كلهم الى الإسلام بحيث لا يقبل من الملاحدة و المشركين إلا الإسلام ’ ولا يقبل من أهل الكتاب إلا الدخول فيه والخضوع تحت حكمه العام ’ مع قتال كل من وقف دون هذه السبيل ’ ما دام ذلك ممكناً ’ وبعد إستنفاد وسائل الدعوة السلمية المعروفة .
وليس بعد تكامل الحكم الإسلامى فيما يتعلق بالجهاد والدعوة ’ أى معنى لما يسمى بالحرب الدفاعية التى شاعت أخيراً على ألسنة بعض الباحثين وإلا فما معنى قوله عليه

__________________

هجرة الرسول الى الطائف
هجرة الرسول الى الطائف
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 05-04-2010, 03:01 AM
الصورة الرمزية اميــرة الاحســاس
اميــرة الاحســاس اميــرة الاحســاس غير متواجد حالياً
ميداليه ماسيه
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
الدولة: egypt
المشاركات: 11,472
افتراضي صلح الحديبية

صلح الحديبية
كان فى شهر ذى القعدة ’ آخر سنة ست للهجرة وسببها أن النبى صلى الله عليه وسلم أعلن فى المسلمين أنه متوجهاً الى مكة معتمراً ’ فتبعه جمع كبير من المهاجرين و الأنصار بلغ عددهم ألف وأربعمائة تقريباً . وأحرم النبى صلى الله عليه وسلم بالعمرة فى الطريق ’ وساق معه الهدى ليأمن الناس من حربه وليعلموا أنه إنما خرج زائراً البيت معظماً له . وأرسل صلى الله عليه وسلم وهو عند ذى الحليفة عيناً له من قبيلة خزاعة إسمه بشر ابن سفيان ليأتيه بخبر أهل مكة ’ وسار النبى صلى الله عليه وسلم حتى وصل الى غدير الأشطاط ’ فأتاه العين الذى كان قد أرسله ’ فقال له : إن قريشاً قد جمعت لك جموعاً ’ وقد جمعوا لك الأحابيش ’ وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك ’ فقال : أشيروا أيها الناس .... فقال له أبو بكر : يا رسول الله خرجت عامداً لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد ’ فتوجه له فمن صدنا قاتلناه ’ قال : إمضوا على إسم الله .
ثم قال : من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التى هم بها ؟ فقال له رجل من بنى أسلم : أنا يا رسول الله . فسلك بهم طريقاً وعراً بين الشعاب ’ وسار النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى إذا كانوا فى ثنية المرار ( وهى طريق فى الجبل تشرف على الحديبيةبركت به راحلته ’
فقال للناس : حل ’حل ( اسم كانوا يزجرون به الجمال ) فلم تتحرك ’ فقالوا : خلأت القصواء ’ فقال صلى الله عليه وسلم : ما خلأت ’ وما ذاك لها بخلق ’ ولكن حبسها حابس الفيل ’ ثم قال : و الذى نفسى بيده ’ لا يسألوننى خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ’ ثم زجرها فوثبت ’ فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية على حفيرة قليلة الماء ’ فلم يلبث الناس أن نزحوه ’ وشكوا الى رسول الله العطش ’ فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيها ’ فوالله ما زال يجيش لهم بالرى حتى صدروا عنه ’فبينما هم كذلك إذ جاء بديل ابن ورقاء الخزاعى فى نفر معه ’ فقال : إنى تركت كعب ابن لؤى وعامر ابن لؤى نزلوا مياه الحديبية ’ ومعهم العوذ المطافيل ’ وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ’ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنا لم نجىء لقتال أحد ’ ولكن جئنا معتمرين ’ وإن قريشاً قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم ’ فإن شاؤا ماددتهم مدة ويخلّوا بينى وبين الناس ’ فإن أظهر فإن شاؤا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جمّوا ( إستراحوا ) وإن هم أبوا فوالذى نفسى بيده لأقاتلنهم على أمرى هذا حتى تنفرد سالفتى ’ ولينفذنّ الله أمره ’ فقال بديل : سأبلغهم ما تقول ’ فانطلق بديل فحدّث قريشاً بما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ فقام عروة ابن مسعود يعرض على المشركين أن يأتى النبى صلى الله عليه وسلم فيكلمه فى تفصيل ما جاء به بديل ابن ورقاء ’ فقالوا له : دونك فاذهب .

فذهب ’ فكلمه صلى الله عليه وسلم بمثل ما كلم به بديلاً ’ فقال له عروة ابن مسعود : أرأيت إن إستأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب إجتاح أهله قبلك ’ وإن تكن الأخرى ’فإنى والله لا أرى وجوهاً ’وإنى لأرى أشواباً من الناس ( أى أخلاطاً منهم ) خليقاً أن يفروا ويدعوك ’ فقال له أبو بكر رضى الله عنه : أمصص بظر اللات أنحن نفر عنه وندعه ! ....
فالتفت قائلاً : من ذا ؟ قالوا : أبو بكر ’ فقال : أما إنه لولا يد كانت لك عندى لم أجزك بها ’ لأجبتك ’ فجعل يكلم النبى صلى الله عليه وسلم فكلما تكلم أخذ بلحيته ’ والمغيرة ابن شعبة قائم على رأس النبى صلى الله عليه وسلم ومعه السيف وعليه المغفر ’ فكلما هوى عروة بيده الى لحية النبى صلى الله عليه وسلم ’ ضرب يده بنعل السيف ’ وقال له أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ فرفع عروة رأسه فقال : من هذا ؟ قال : المغيرة ابن شعبة ’ فقال : أى غدر وهل غسلت سوأتك إلا بالأمس ؟
ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم بعينيه ’ قال : والله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت فى كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده ’ وإذا أمرهم إبتدروا أمره ’ وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ’ وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ’ وما يحدّون النظر إليه تعظيماً له . فرجع عروة الى أصحابه فقال : أى قوم والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى و النجاشى ’ والله ما رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم محمداً ! .... وأنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها .

ثم إنهم أرسلوا إليه سهيل ابن عمرو ممثلاً عنهم ليكتب بينهم وبين المسلمين كتاب الصلح ’ فلما جلس الى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : هات أكتب بيننا وبينك كتاباً ’ فدعا النبى صلى الله عليه وسلم الكاتب ( وكان الكاتب علياً رضى الله عنه - فيما رواه مسلم ) فقال النبى صلى الله عليه وسلم : أكتب ( بسم الله الرحمن الرحيم ) فقال سهيل : أما ( الرحمن ) فوالله ما أدرى ما هى ’ ولكن أكتب باسمك اللهم ’ فقال المسلمون : والله لا نكتب إلا بسم الله الرحمن الرحيم ’ فقال النبى صلى الله عليه وسلم : أكتب باسمك اللهم ’ ثم قال : هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ’ فقال سهيل : والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ’ ولكن أكتب ( محمد ابن عبد الله ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والله إنى لرسول الله وإن كذبتمونى ) ! ... أكتب محمد ابن عبد الله . ( وفى روايم مسلم : فأمر علياً أن يمحوها ’ فقال علىّ لا والله لا أمحوها ’ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرنى مكانها ’ فأراه مكانها فمحاها ) ’ فقال له النبى صلى الله عليه وسلم على أن تخلّوا بيننا وبين البيت فنطوف به ’ فقال سهيل : والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة ’ ولكن ذلك من العام القادم وليس مع المسلمين إلا السيوف فى قرابها ’ فكتب ’ فقال سهيل : وعلى أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا ’ ومن جاء منكم لم نرده عليك ’ فقال المسلمون : سبحان الله ’ كيف يرد الى المشركين وقد جاء مسلماً ؟! ( والتفتوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه : أكتب هذا يا رسول الله ؟ّ قال : نعم ’ إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله ’ ومن جاءنا منهم فسيجعل الله له فرجاً ومخرجاً ) ’ وكانت مدة الصلح بناءاً على هذه الشروط - على ما رواه ابن اسحاق وابن سعد و الحاكم - عشر سنين لا إسلال فيها ولا إغلال ( أى لا سرقة ولا خيانة ) ’ وأنه من أحب أن يدخل فى عقد قر يش و عهدهم دخل فيه . فتواثبت خزاعة فقالوا نحن فى عقد محمد وعهده ’ وتواثبت بنو بكر فقالوا نحن فى عقد قريش وعهدهم .
ولما فرغ من الصلح و الكتابة ’ أشهد على الكتاب رجالاً من المسلمين ورجالاً من المشركين .
وفى الصحيحن أن عمر رضى الله عنه قال : فأتيت النبى صلى الله عليه وسلم ’ فقلت : ألست نبى الله حقاً ؟ قال : بلى ’ قلت : ألست على حق وعدونا على باطل ؟ قال : بلى ’ قلت : أليس قتلانا فى الجنّة وقتلاهم فى النار ؟ قال : بلى ’ قلت : ففيم نعطى الدنيّة فى ديننا إذن ؟ ’ قال : إنى رسول الله ولست أعصيه وهو ناصرى . قلت : أولست كنت تحدثنا أنّا سنأتى البيت فنطوف به ؟ قال : بلى ’ أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا ؟ قلت : لا ’ قال : فإنك آتيه ومطوف به ’ فلم يصبر عمر حتى أتى أبا بكر رضى الله عنه فسأله مثل ما سأل النبى صلى الله عليه وسلم ’ فقال له : يابن الخطاب إنه رسول الله ولن يعصى ربه ولن يضيعه الله أبداً ’ فما هو إلا أن نزلت سورة الفتح على رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ فأرسل الى عمر فأقرأه إياها ’ فقال : يارسول الله ’ أو فتح هو ؟! ... قال : نعم ’ فطابت نفسه .
ثم إن النبى صلى الله عليه وسلم أقبل على أصحابه فقال لهم قوموا فانحروا ثم إحلقوا - وكرر ذلك ثلاثاً - فوجم جميعهم وما قام منهم أحد ’ فدخل على زوجته أم سلمة ’ وذكر لها ما لقى من الناس ’ فقالت له : يا رسول الله أتحب ذلك ؟ أخرج لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك ’ فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك : نحر بدنه ’ ودعا حالقه فحلقه ’ فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعض ’ حتى كاد بعضهم يقتل الآخر لفرط الغم .
ثم جاء نسوة مؤمنات ( بعد إنصرافه الى المدينة ) مهاجرات بدينهن ’ بينهن أم كلثوم بنت عقبة ’ فأنزل الله تعالى قوله يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن ’ الله أعلم بإيمانهن ’ فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهنّ الى الكفار ’ لا هنّ حل لهم ولاهم يحلون لهنّ ) فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يردهنّ بدينهنّ الى الكفار .

بيعة الرضوان
وكان قد أرسل النبى صلى الله عليه وسلم عثمان ابن عفان رضى الله عنه الى قريش قبل كتابة الصلح ليكلمهم فى الأمر ’ فاحتبسته قريش عندها مدة ’ وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ذاك أن عثمان ابن عفان قد قتل ’ فقال لا نبرح حتى نناجز القوم ’ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الى البيعة ’ فكانت بيعة الرضوان تحت شجرة هنالك .
فكان صلى الله عليه وسلم يأخذ بيد أصحابه الواحد تلو الآخر يبايعونه على أن لا يفروا ’وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد نفسه ’ وقال : هذه عن عثمان .
ولما تمت البيعة ’إنتهى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذى بلغه من مقتل عثمان باطل .

العبر و العظات :

كلمة وجيزة عن حكمة هذا الصلح :
قبل أن نخوض فى تفصيل ما ينبغى أن نقف عليه من دروس صلح الحديبية وعظاتها وأحكامها ’ نقول فى كلمة وجيزة : إن أمر هذا الصلح كان مظهراً لتدبير إلهى محض تجلى فيه عمل النبوة وأثرها كما لم يتجل فى أى عمل أو تدبير آخر ’ فقد كان نجاحه سراً مرتبطاً بمكنون الغيب المطوى فى علم الله وحده ’ ولذلك إنتزع - كما قد رأيت - دهشة المسلمين أكثر مما إعتمد على فكرهم وتدبيرهم ’ ومن هنا ’ فإنا نعتبر أمر هذا الصلح ’ بمقدماته ومضمونه ونتائجه ’ من الأسس الهامة فى تقويم العقيدة الإسلامية وتثبيتها .
ولنتحدث أولاً عن طرف من الحكم الإلهية العظيمة التى تضمنها هذا الصلح ’ والتى تجلت للعيان فيما بعد ’ حتى أضحت آية من آيات الله الباهرة ’ ثم نتحدث بعد ذلك عن الأحكام الشرعية التى تضمنتها وقائع هذا الصلح .
فمن الحكم الباهرة : أن صلح الحديبية كان مقدمة بين يدى فتح مكة ’ فقد كانت هذه الهدنة - كما يقول ابن القيم - باباً له ومفتاحاً وتلك هى عادة الله سبحانه وتعالى ’ يوطىء بين يدى الأمور التى تعلقت إرادته إنجازها ’ مقدمات تؤذن بها وتدل عليها .
ولئن لم يكن المسلمون قد تنبهوا لهذا فى حينه ’ فذلك لأن المستقبل غائب عنهم ’ فأنى لهم أن يفهموا علاقة الواقع الذى رأوه بالغيب الذى لم يتصوروه بعد ؟
ولكن ما إن مضت فترة من الزمن ’ حتى أخذ المسلمون يستشفون أهمية هذه الهدنة وعظيم ما قد إنطوت عليه من خير ’ فالناس قد أمن بعضهم بعضاً ’ واختلط المسلمون بالكفار ونادوهم بالدعوة ’ وأسمعوهم القرآن ’ وناظروهم على الإسلام جهرة آمنين ’ وظهر من كان متخفياً بالإسلام .
روى ابن هشام عن ابن اسحاق و الزهرى قال : ما فتح فى الإسلام فتح قبله كان أعظم منه ( أى من صلح الحديبية ) إنما كان القتال حيث إلتقى الناس ’ فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب ’ وأمن الناس بعضهم بعضاً ’ والتفوا فتفاوضوا فى الحديث و المنازعة ’ فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئاً إلا دخل فيه ’ ولقد دخل فى تينك السنتين مثل من كان فى الإسلام قبل ذلك أو أكثر .
ولذلك أطلق القرآن إسم الفتح على هذا الصلح ’ وذلك فى قوله تعالى لقد صدق الله رسول الرؤيا بالحق لتدخلنّ المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون ’ فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً ).
ومن الحكم الجليلة أيضاً : إن الله جل جلاله أراد بذلك أن يبرز الفرق واضحاً بين وحى النبوة وتدبير الفكر البشرى ’ بين توفيق النبى المرسبل وتصرف العبقرى المفكر ’ بين الإلهام الإلهى الذى يأتى من فوق دنيا الأسباب و مظاهرها ’ والإنسياق وراء إشارة هذه الأسباب وحكمها ’ أراد الله عز وجل أن ينصر نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أمام بصيرة كل متأمل عاقل ’ ولعل هذا من بعض تفسير قوله تعالى : وينصرك الله نصراً عزيزاً ’ أى نصراً فريداً فى بابه من شأنه أن ينبه الأفكار السادرة و العقول الغافلة . فمن هنا أعطى المشركين كل ما سألوه من الشروط ’ وتساهل معهم فى أمور لم يجد أحد من الصحابة ما يسوغ التساهل فيها ’ ولقد رأيت كيف إستبد الضيق و القلق بعمر ابن الخطاب رضى الله عنه ’ حتى أنه قال عن نفسه فيما بعد - فيما رواه أحمد وغيره - : ما زلت أصوم وأصلى وأتصدق وأعتق من الذى صنعت مخافة كلامى الذى تكلمت به يومئذ ’ ولقد رأيت كيف ساد الوجوم القوم حينما أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالحلق و النحر ’ ليعودوا الى المدينة ’ رغم أنه كرر عليهم ثلاثاً مرات الأمر ’ لقد كان السر فى ذلك أن الصحابة رضى الله عنهم إنما كانوا يتأملون فى تصرفات النبى صلى الله عليه وسلم ’ وهم يقفون على أرض من البشرية العادية ’ فلا يتبصرونها إلا بمقدار ولا يفهمون منها إلا ما تفهمه عقولهم البشرية القائمة على الخبرات المحسوسة ’ على حين كان النبى صلى الله عليه وسلم واقفاً من تصرفاته هذه فوق مستوى البشرية وخبراتها وأسبابها ’ كانت النبوة المطلقة هى التىتوجهه وتلهمه وتوحى إليه ’ وكان تنفيذ الأمر الإلهى هو وحده الماثل أمام عينيه .
يتضح لك هذا من جوابه صلى الله عليه وسلم لعمر ابن الخطاب حينما أقبل إليه سائلاً ومتعجباص ’ بل وربما مستنكراً ’ فقد قال له : إنى رسول الله ولست أعصيه وهو ناصرى . ويتضح لك هذا أيضاً من وصيته صلى الله عليه وسلم لعثمان حينما أرسله الى مكة ليكلم قريشاً فيما جاء له النبى صلى الله عليه وسلم فقد أمره أيضاً أن يأتى رجالاً بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات فيدخل عليهم ويبشرهم بالفتح ويخبرهم أن الله عز وجل مظهر دينه بمكة ’ حتى لا يستخفى فيها بالإيمان .
فلا غرو أن يدهش المسلمون لموقف رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى تمخض عن المفاهيم البشرية ومقاييسها فى تلك الآونة .ولكن سرعان ما انتهت الدهشة وزال الغم واتصح المبهم ’ حينما تلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم سورة الفتح التى تنزلت عليه عقب الفراغ من امر الصلح ’ وتجلى للصحابة رضى الله عنهم أن إحتمالهملتلك الشروط كان عين النصر لهم ’ وأن المشركين ذلوا من حيث من حيث تأملوا العز ’ وقهروا من حيث أظهروا القدرة و الغلبة وظهر من وراء ذلك كله النصر العظيم لرسوله و المؤمنين دون أن يكون فى ذلك أى إقتراح للعقول و الأفكار .
فهل فى أدلة العقيدة دليل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أبلغ من هذا الدليل وأظهر ؟ ....
ولقد تضايق المسلمون بادىء الأمر من موافقة النبى صلى الله عليه وسلم على الشرط الذى أملاه سهيل ابن عمرو : من أتى محمداً من قريش بغير إذن وليه رده عليهم ’ ومن جاء قريشاً ممن مع محمد لم يرده عليه ’ وازداد ضيقهم لما أقبل أبو جندل ( ابن سهيل ابن عمرو ) فاراً من المشركين يرسف فى الحديد ’ فقام إليه أبوه آخذاً بتلابيبه وهو يقول : يا محمد ’ لقد لجت القضية بينى وبينك قبل أن يأتيك هذا ’ قال : صدقت ’ فجعل ينتره ويجره ليرده الى قريش ’ وأبو جندل يصرخ بأعلى صوته يا معشر المسلمين أأرد الى المشركين يفتنونى فى دينى ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا ابا جندل ’ إصبر واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً ’ إنا أعطينا القوم عهوداً ’ وإنا لا نغدر بهم .
ولقد أخذ الصحابة ينظرون الى هذا الأمر ’ و قد داخلهم من ذلك همَّ عظيم ’ ولكن ’ فما الذى تم بعد ذلك ؟ لقد جاء الى النبى صلى الله عليه وسلم بعد ذهابه الى المدينة رجل آخر قد أسلم من قريش
اسمه : أبو بصير ’ فأرسلوا ىف طلبه رجلين من المشركين ليستردوه فسلمه الرسول صلى الله عليه وسلم إليهما ’ فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة ’ فغافل أبو بصير أحد حارسيه وأخذ منه سيفه فقتله ’ ففر الآخر ’ ثم عاد أبو بصير الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : يا نبى الله ’ قد والله أوفى الله ذمتك ’ قد رددتنى إليهم فأنجانى الله منهم ’ ثم غنه خرج حتى أتى سيف البحر ’ وتفلت أبو جندل ’ فلحق به هناك ’ وأصبح ذلك المكان مثابة للمسلمين من أهل مكة ’ فلا يخرج من قريش رجل أسلم إلا لحق بأبى بصير و إخوانه ’ فما كانوا يسمعون بعير لقريش خرجت الى الشام إلا إعترضوا لها فقتلوا المشركين وأخذوا أموالهم ’ فأرسلت قريش الى رسول الله صلى الله عليه وسلم تناشده الله و الرحم أن يقبلهم عنده ويضمهم إليه فجاؤوا الى المدينة .

ولما كان فتح مكة ’ كان أبو جندل هذا هو الذى استأمن لأبيه وعاش رضى الله عنه حتى استشهد فى وقعة اليمامة .
وهكذا صحا أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم من همّهم ذاك على مزيد من الإيمان و الحكمة الإلهية ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم ’ روى فى الصحيح أن سهل ابن سعد رضى الله نعه قال يوم صفين أيها الناس إتهموا رأيكم ’ لقد رأيتنى يوم أبى جندل ’ ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددته ! .....
ومرة أخرى نكرر القول : هل فى أدلة العقيدة دليل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أبلغ من هذا الدليل و أظهر ؟ .
ومن الحكم الجليلة : أن الله جلت قدرته إنما أراد أن يجعل فتح مكة لنبيه فتح مرحمة وسلم ’ لا فتح ملحمة وقتال فتحا يسارع الناس فيه الى دين الله أفواجاً ’ ويقبل فيه أولئك الذين آذوه وأخرجوه ’ يلقون إليه السلم ويخضعون له الجانب مؤمنين ىيبين موحدين ’ فجعل من دون ذلك هذا التمهيد ’ تؤوب فيه قريش الى صحوها وتحاسب فيه نفسها وضميرها وتشترك هى الأخرى مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى أخذ العبرة من أمر هذا الصلح ومقدماته ونتائجه ’ فتنضج الآراء فى الرؤوس و تتهيأ لقبول الحق الذى لا ثانى له .
وهكذا كان الأمر ’ كما ستعلم تفصيله فى مكانه إن شاء الله تعالى .
الأحكام المتعلقة بذلك :
هذا عن بعض الحكم الإلهية المتعلقة بأمر صلح الحديبية ’ أما ما يتعلق بذلك من الدلالات و الأحكام فإنه كثير ’ وسنقتصر فى ذلك على ما يلى :

أولاً:- الإستعانة بغير المسلمين فيما دون القتال :
قلنا أن النبى صلى الله عليه وسلم أرسل بشر ابن سفيان عيناً الى قريش ليأتيه بأخبارها ’ وبشر ابن سفيان كان مشركاً من قبيلة خزاعة ’ وفى هذا تأكيد لما كنا قد ذكرناه سابقاً من أن أمر الإستعانة بغير المسلم يتبع ظرف وحالة الشخص الذى يستعان به ’ فإن كان ممن يطمأن غليه ولا تخشى منه بادرة غدر أو خديعة جازت ’ وإلا فلا ’ وعلى كل فإن النبى صلى الله عليه وسلم فى كل الحالات إنما إستعان بغير المسلمين بما دون القتال ’ كإرساله عيناً على الأعداء أو إستعارة أسلحة منهم وما شابه ذلك’ والذى يبدو أن الإستعانة بغير المسلمين فىالقضايا السلمية أشبه بالجواز منها فى أعمال القتال و الحرب .

ثانياً : - طبيعة الشورى فى الإسلام
لقد رأينا فى عامة تصرفات النبى صلى الله عليه وسلم ما يدل على مشروعية الشورى وضرورة التمسك بها للحاكم ’ وعمل النبى صلى الله عليه وسلم هنا ’ يدل على طبيعة هذه الشورى و المعنى الذى شرعت من أجله : فالشورى فى الشريعة الإسلامية مشروعة ولكنها ليست ملزمة ’ وإنما الحكمة منها إستخراج وجوه الرأى عند المسلمين ’ والبحث عن مصلحة قد يختص بعلمها بعضهم دون بعض ’ أو إستطابة نفوسهم ’ فإذا وجد الحاكم فى ىرائهم ما سكنت نفسه إليه على ضوء دلالة الشريعة الإسلامية وأحكامها ’ أخذ به ’ وإلا كان له أن يأخذ بما شاء بشرط أن لا يخالف نصاً فى كتاب الله ولا سنّة ولا إجماعاً للمسلمين ’ ولقد وجدنا أن النبى صلى الله عليه وسلم استشار أصحابه فى الحديبية ’ وأشار عليه أبو بكر بما قد علمت ’ قال له ك إنك يا رسول الله خرجت عامداً هذا البيت ’ فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه .
ولقد وافقه النبى صلى الله عليه وسلم فى بادىء الأمر ’ ومضى مع أصحابه متجهاً الى مكة حتى إذا بركت ناقته ’ وعلم أ نها ممنوعة .... ترك الرأى الذى كان قد أشير عليه به ’وأعلن قائلاً : والذى نفسى بيده لا يسألوننى خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ’ وحينئذ تحول العمل عن ذلك الرأى الذى أبداه ابو بكر ’ الى أمر الصلح و الموافقة على شروط المشركين ’ دون أن يستشير فى ذلك أحداً ’ بل ودون أن يصيخ الى إستعظام واستنكار المستنكرين كما قد رأيت .
فهذا يعنى أن أمر الشورى يأتى من وراء حكم الوحى الذى هو اليوم : الكتاب و السنة وإجماع الأئمة ’ رضوان الله عليهم ’ كما يدلنا أيضاً على أن الشورى إنما شرعت للتبصر بها لا للإلتزام أو التصويت على أساسها .

ثالثاً:- التوسل و التبرك بآثار النبى صلى الله عليه وسلم :
قلنا إن عروة ابن مسعود ’ جعل يرمق أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم بعينيه ’ قال : فوالله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت فى كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده ’وإذا أمرهم ابتدروا أمره ’ وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ’ وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده ’ ما يحدّون النظر إليه تعظيماً إليه .
إنها لصورة بارزة حية أوضحها عروة ابن مسعود لمدى محبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم له وإن فيها لدلالات هامة يجب أن يقف عندها كل مسلم ’ إنها تدل أولاً: على أنه لا إيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم بدون محبة له ’ وليست المحبة له معنى عقلانياً مجرداً ’ وإنما هى الأثر الذى يستحوذ على القلب فيطبع صاحبه بمثل الطابع الذى وصف به عروة ابن مسعود أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ وهى تدل ثانياً: على أن التبرك بآثار النبى صلى الله عليه وسلم أمر مندوب إليه ومشروع ’ ولقد وردت أحاديث صحيحة ثابتة عن التبرك بشعر النبى وعرقه ووضوئه وبصاقه و القدح الذى كان يشرب فيه صلى الله عليه وسلم ’ وقد ذكرنا تفصيل بعض هذه الأحاديث فيما مضى .
وإذا علمت أن التبرك بالشىء إنما هو طلب الخير بواسطته ووسيلته علمت أن التوسل بآثار النبى صلى الله عليه وسلم أمر مندوب إليه ومشروع ’ فضلاً عن التوسل بذاته الشريفة .
وليس ثمّة فرق بين أن يكون ذلك فى حياته صلى الله عليه وسلم أو بعد وفاته ’ فآثار النبى صلى الله عليه وسلم وفضلاته ’ لا تتصف بالحياة مطلقاً ’ سواء تعلق التبرك و التوسل بها فى حياته أو بعد مماته كما ثبت ذلك فى صحيح البخارى فى باب شيب النبى صلى الله عليه وسلم .
ومع ذلك فقد ضل قوم لم تشعر أفئدتهم بمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وراحوا يستنكرون التوسل بذاته صلى الله عليه وسلم بعد وفاته بحجة أن تأثير النبى صلى الله عليه وسلم قد إنقطع بعد وفاته ’ فالتوسل به إنما هو توسل بشىء لا تأثير له البتة ! وهذه حجة - كما ترى - تدل على جهل عجيب جدا ... ! ’ فهل ثبت لرسول الله صلى الله عليه وسلم تأثير ذاتى فى الأشياء فى حال حياته ’ حتى نبحث عن مصير هذا التأثير بعد وفاته ؟ ! إن أحداً من المسلمين لا يستطيع أن ينسب أى تأثير ذاتى فى الأشياء لغير الله الواحد الأحد جل جلاله ’ ومن إعتقد خلاف هذا يكفر بإجماع المسلمين كلهم ’ فمناط التبرك و التوسل بآثار النبى صلى الله عليه وسلم وبه ليس هو إسناد أى تأثير إليه ’ والعياذ بالله ’ وإنما المناط كونه صلى الله عليه وسلم أفضل الخلائق عند الله على الإطلاق وكونه رحمة من الله على العباد فهو التوسل بقربه صلى الله عليه وسلم الى ربه ’ وبرحمته الكبرى للخلق ’ وبهذا المعنى توسل الأعمى به صلى الله عليه وسلم فى أن يرد عليه بصره ’ فرده الله عليه ’ وبهذا المعنى كان الصحابة يتوسلون بآثاره وفضلاته دون أن يجدوا منه أى إنكار ’ وقد مرّ فى الكتاب بيان الإستشفاع بأهل الصلاح و التقوى وأهل بيت النبوة فى الإستسقاء وغيره ’ وأن ذلك مما أجمع عليه جمهور الأئمة و الفقهاء بما فيهم الشوكانى وابن قدامة الحنبلى ’ والصنعانى وغيرهم .
والفرق بعد هذا بين حياته وموته صلى الله عليه وسلم خلط عجيب وغريب فى البحث لا مسوّغ له .

رابعاً:- حكم الوقوف على الإنسان وهو قاعد :

لقد علمت مما سبق أن المغيرة ابن شعبة رضى الله عنه ’ كان واقفاً على رأس النبى صلى الله عليه وسلم ومعه السيف ’ وكلما أهوى عروة ابن مسعود بيده الى لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنصل السيف ’ قائلاً : أخر يدك عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقد كنا ذكرنا فيما مضى عند الحديث عن غزوة بنى قريظة - أنه لا يشرع القيام على رأس أحد وهو قاعد ’ وأن ذلك من مظاهر التعظيم الذى تعافه الأعاجم فيما بينهم وأنكره الإسلام ’ وإنما التمثل الذى نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم فى قوله من أحب أن يتمثل له الناس قياماً فليتبوأ مقعده من النار ) فكيف كان الأمر على خلاف ذلك هنا ؟
و الجواب أنه يستثنى من عموم المنع مثل هذه الحالة بخصوصها ’ أى فى حالة قدوم رسل العدو الى الإمام أو الخليفة ’ فلا بأس حينئذ من قيام حرس أو جند على رأسه ’ إظهاراً للعزة الإسلامية ’ وتعظيماً للإمام ووقاية له مما قد يفاجأ به من سوء ’ أما فى أعم الأحوال فلا يجوز ذلك لمخالفته مقتضى التوحيد و العقيدة الإسلامية ’ دون أى ضرورة إليه ’ ويشبه هذا ’ ما مر بيانه عند الحديث عن أبى دجانة فى غزوة أحد فقد قلنا : إن كل ما يدل على التكبر و التجبر فى المشى ممنوع شرعاً ولكنه جائز فى حالة الحرب بخصوصها بدليل قوله صلى الله عليه وسلم عن مشية أبى دجانة : إنها مشية يكرهها الله إلا فى هذا الموضع .

خامساً :- مشروعية الهدنة بين المسلمين وأعدائهم :
استدل العلماء و الأئمة بصلح الحديبية على جواز عقد هدنة بين المسلمين وأهل الحرب من أعدائهم الى مدة معلومة ’ سواء كان ذلك بعوض يأخذونه منهم أم بغير عوض ’ أما بدون عوض فلأن هدنة الحديبية كانت كذلك ’ وأما بعوض فبقياس الأولى لأنها إذا جازت بدون عوض ’ فلأن تجوز بعوض أقرب وأوجه .
وأما إذا كانت المصالحة على مال يبذله المسلمون ’ فهذا غير جائز عند جمهور العلماء لما فيه من الصغار لهم ’ ولأنه لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فى كتاب الله تعالى ’ قالوا : إلا أن دعت إليه ضرورة لا محيص عنها وهو أن يخاف المسلمون الهلاك والأسر فيجوز ’ كما يجوز للأسير فداء نفسه بالمال.


سادساً:- ذهب الشافعى وأحمد وكثير من الأئمة الى أن الصلح لا ينبغى أن يكون إلا إلى مدة معلومة ’ وأنه لا تجوز أن تزيد المدة على عشر سنوات مهما طالت ’ لأنها هى المدة التى صالح النبى صلى الله عليه وسلم قريش عليها عام الحديبية .

سابعاً:-الشروط فى عقد الهدنة تنقسم الى صحيحة وباطلة ’ فالصحيح : كل شرط لا يخالف نصاً فى كتاب الله أو سنة رسول الله ’ مثل أن يشترط عليهم مالاً أو معونة للمسلمين عند الحاجة ’ أو أن يشترط لهم أن يرد من جاءه من الرجال مسلماً أو بأمان ’ ولقد أطلق الأئمة صحة هذا الشرط الخير ’ ما عدا الشافعى رضى الله عنه ’ فقد شرط لذلك أن تكون له عشيرة تحميه بين الكافرين ’ وحمل على ذلك موافقة النبى صلى الله عليه وسلم على هذا الشرط لقريش .
والباطل : كل شرط فيه معارضة لحكم شرعى ثابت ’ ومنه أن يشترط ردّ النساء المسلمات أو مهورهنّ إليهم ’ أو إعطائهم شيئاً من سلاح المسلمين أو أموالهم ’ وأساس الإستدلال على هذا عدم رد النبى صلى الله عليه وسلم النساء الاتى جئن هاربات بدينهنّ ’ ونهى القرآن صراحة عن ذلك ’ كما مرّ بيانه فى حينه . ولعلك تقول : أفلم يخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك عهداً قطعه على نفسه’ وذلك إذ وافق على رد كل ما أتاه مسلماً من مكة ؟ ... والجواب أن ذلك ليس نصاً فى خصوص النساء ’ بل يحتمل أنه لا ينحط إلا على الرجال وحدهم ’ ومهما يكن فقد علمت فيما سبق أن تصرفات النبى صلى الله عليه وسلم لا تكتسب قوة الحكم الشرعى إلا إذا أقرها الكتاب بالسكوت عليها أو التأكيد لها ’ ولقد أقر الكتاب كل بنود المصالحة ’ إلا ما يتعلق برد النساء الى بلد الكفر فلم يقره - وذلك على فرض دخوله فى بنود الإتفاقية وشروطها .

ثامناً:- حكم الإحصار فى العمرة و الحج :
ودل عمل الرسول صلى الله عليه وسلم بعد الفراغ من أمر الصلح ’ من التحلل والنحر والحلق ’ على أن المحصر يجوز له أن يتحلل ’ وذلك بأن يذبح شاة حيث أحصر أو ما يقوم مقامها ويحلق ثم ينوى التحلل مما كان قد أهلّ به ’ سواء كان حجاً أو عمرة .
كما دل ذلك على أن المتحلل لا يلزم بقضاء الحج أو العمرة إذا كان متطوعاً ’ وخالف الحنفية فرأوا أن القضاء بعد المباشرة واجب ’ على أن جميع الذين خرجوا معه صلى الله عليه وسلم فى صلح الحديبية خرجوا معه فى عمرة القضاء التى سيأتى ذكرها ’ إلا من توفى واستشهد منهم فى غزوة خيبر .

__________________

هجرة الرسول الى الطائف
هجرة الرسول الى الطائف
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 05-04-2010, 03:02 AM
الصورة الرمزية اميــرة الاحســاس
اميــرة الاحســاس اميــرة الاحســاس غير متواجد حالياً
ميداليه ماسيه
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
الدولة: egypt
المشاركات: 11,472
افتراضي غزوة خيبر

غزوة خيبر
ثم سارالنبى صلى الله عليه وسلم الى خيبر ’ فى أواخر المحرم للسنة السابعة من الهجرة ’ وخيبر مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع تقع على بعد مائة ميل شمال المدينة جهة الشام .
وكان مع النبى صلى الله عليه وسلم فى هذه الغزوة ألف و أربعمائة مقاتل ما بين فارس وراجل ’ قال ابن هشام : فلما أشرف النبى صلى الله عليه وسلم على خيبر قال لأصحابه قفوا ’ ثم قال : ( اللهم رب السموات السبع وما أظللن ’ ورب الأرضين السبع وما أقللن ’ ورب الشياطين وما أضللن ’ ورب الرياح وما أذرين ’ فإنا نسألك من خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها ’ ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها ’ أقدموا باسم الله )
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا قوماً لم يغر عليهم حتى يصبح ’ فإن سمع أذاناً أمسك وإن لم يسمع أذاناً أغار ’ فبات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل فرآه عمال خيبر وقد خرجوا بمساحيهم وفئوسهم ومكاتلهم ’ يقصدون مزارعهم ’ فلما رأوه صاحوا : محمد و الخميس ’ ثم ولوا هاربين ’ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الله أكبر خربت خيبر ’ إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين . قال ابن سعد : فوعظ رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ’ وفرق بينهم الرايات ’ وابتدأت المعارك بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل خيبر - وقد تحصنوا بحصونهم - وأخذ المسلمون يفتحونها حصناً حصناً : إ لا الحصنين الأخيرين : الوطيح والسلالم ’ فقد حاصرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بضع عشرة ليلة .
روى أحمد و النسائى وابن حبان و الحاكم من حديث بيردة ابن الخطيب ’ قال : لما كان يوم خيبر أخذ أبو بكر اللواء ’ فرجع ولم يفتح ’ فلما كان الغداة أخذه عمر ’ فرجع ولم يفتح ’ فقال النبى صلى الله عليه وسلم : لأدفعنّ لوائى غداً الى رجل يفتح الله على يديه ’ يحب الله ورسوله ’ قال : فبات الناس يدوكون ليلتهم ( أى يتساءلون ويختلفون ) أيهم يعطاها ’ فلما أصبح الناس ’ غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو أن يعطاها ’ فقال : أين علىّ ابن أبى طالب ؟ فقيل هو يا رسول الله يشتكى عينيه ’ قال : فأرسلوا إليه ’ فأتى به ’ فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم فى عينيه ودعا ’ فبرأ ’ حتى كأن لم يكن به وجع ’ فأعطاه الراية ’ فقال علىّ يا رسول الله ’ أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا (أىمسلمين) ؟ فقال عليه الصلاة و السلام : أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ’ ثم أدعهم الى الإسلام ’ وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه ’ فوالله لأن يهدى الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم ’ ثم خرج فقاتل ’ فكان الفتح على يديه ’ وغنم المسلمون كل ما فى تلك الحصون من أموال .
أما ذانك الحصنان ’ فقد ظل المسلمون يحاصرونهما ’ حتى إذا أيقن من فيه بالهلاك سألوه صلى الله عليه وسلم أن يخرجهم ويجليهم ويحقن دماءهم ويتركوا له الأموال ’ فوافقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك ’ ثم إنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تبقى خيبر تحت أيديهم يعملون فيها ويزرعونها لأنهم أعرف بأراضيهم وأعمر لها ولهم شطر ما يخرج منها ’ فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك ’ وقال لهم : على أنا إن شئنا أن نخركم أخرجناكم .
قال ابن اسحاق : فلما إطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ أهدت له زينب بنت الحارث إمرأة سلام ابن مشكم ’ شاة مصلية ( مشوية) وكانت قد سألت أى عضو من الشاة أحبّ الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقيل لها الذراع ’ فأكثرت فيها من السم ’ ثم سمت سائر الشاة ’ ثم جاءت بها ’ فلما وضعتها بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ تناول الذراعفلاك منها مضغة فلم يسغها ’ ومعه بشر ابن البراء ابن معرور ’ قد أخذ منها كما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأما بشر فأساغها ’وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلفظها ’ ثم قال : إن هذا العظم ليخبرنى أنه مسموم ’ ثم دعا بها فاعترفت ’ فقال ما حملك على ذلك ؟ قالت : بلغت من قومى ما لم يخف عليك ’ فقلت : إن كان ملكاً استرحت منه ’ وإن كان نبياً فسيخبر فتجاوز عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ ومات بشر من أكلته .
والذى جزم به الزهرى وسليمان التيمى فى مغازيه أنها أسلمت ’ واختلفوا بعد ذلك ’ هل قتلها النبى صلى الله عليه وسلم قصاصاً عن بشر أم لا ؟ ’ فأخرج ابن سعد بأسانيد متعددة أنه صلى الله عليه وسلم دفعها الى أولياء بشر فقتلوها ’ غير أن الصحيح ما رواه مسلم أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لها : ما كان الله ليسلطك على ذاك ( أى على قتلى ) قالوا : ألا نقتلها يا رسول الله ؟ قال : لا .
وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم خيبر بين المسلمين ’ للراجل سهم وللفرس سهمان وفسر ذلك نافع رضى الله عنه ’ فيما رواه البخارى ’ بأنه إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة اسهم ’ فإن لم يكن ’ فله سهم واحد ’ وكانت صفية بنت حيى ابن أخطب - زعيم اليهود - بين من أسر من نساء خيبر ’ فأعتقها رسول الله صلى الله عليه وسلم - بعد أن اسلمت - وتزوجها ’ وجعل مهرها عتقها .

قدوم جعفر ابن أبى طالب من الحبشة
وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحبشة وهو فى خيبر جعفر ابن أبى طالب ومن معه وهم ستة عشر رجلاً وامرأة وجمع آخر كانوا فى اليمن فأسهم لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغنائم ’ بعد أن إستأذن فى ذلك المسلمين .
قال ابن هشام : فلما قدم جعفر ابن ابى طالب على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبّل رسول الله بين عينيه والتزمه ’وقال : ما أدرى بأيهما اسرّ ’ بفتح خيبر أم بقدوم جعفر .
ولما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم عائداً الى المدينة استعمل على خيبر رجلاً من الأنصار قيل غنه :سوّاد ابن غزية من بنى عدى ’ فجاءه منها بتمر جنيب ’ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكلّ تم خيبر هكذا ؟ فقال : لا والله يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين بالثلاثة ’ فقال : لا تفعل ’ بع الجمع بالدراهم ثم إبتع بالدراهم جنيباً .

العبر و العظات :
أول ما ينبغى أن يسترعى إنتباهنا من أمر هذه الغزوة ’ ملاحظة الفرق بين طبيعتها وطبيعةالغزوات السابقة التى تحدثنا عنها .
لقد كانت الغزوات السابقة كلها قائمة على أسباب دفاعية ’ إقتضت المسلمين أن يدافعوا بها عن وجودهم ’ وأن يردوا بها هجمات أعدائهم ’ كما قد رأيت لدى بيان سبب كل غزوة منها .
أما هذه الغزوة ’ وهى أول غزوة تأتى بعد وقعة بنى قريظة وصلح الحديبية ’ فإن لها وضع آخر ’ وإنها لتختلف إختلافاً جوهرياً عن تلك التى كانت من قبلها ’ وهى تدل بذلك على أن الدعوة الإسلامية قد دخلت مرحلة جديدة من بعد صلح الحديبية .
فغزوة خيبر أول غزوة بدأها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأغار فيها فجأة على اليهود الذين استوطنوا بقاع خيبر ’ دون أن يبدأوا المسلمين بأى محارة أو قتال .
لقد كان السبب الوحيد لها هو دعوة اليهود الى الإسلام ’ ومحاربتهم على كفرهم وعنادهم عن قبول الحق وأحقادهم المعتلجة فى صدورهم رغم الدعوة السلمية التى قامت مدة طويلة على الأدلة و البراهين ’ ولذلك بات رسول الله صلى الله عليه وسلم الليلة الأولى من وصوله الى خيبر دون أن يشعر أحداً بوجوده أو أن يقاتل أحد ’ وانتظر حتى أصبح ولم يسمع أذاناً الى الصلاة - وهى الشعيرة الإسلامية الكبرى - أغار عليهم وقاتلهم على ذلك ’ وقد قلنا إنه كان إذا غزا قوماً لم يغر عليهم حتى يصبح ’ فإن سمع أذاناً أمسك ’ وإن لم يسمع أذاناً أغار .
ويزداد هذا السبب وضوحاً إذا تأملت فى سؤال على رضى الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن أعطاه اللواء : أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا ؟ وفى جوابه صلى الله عليه وسلم إذ قال : أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم أدعهم الى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه .

ولقد استنبط العلماء من غزوة خيبر هذه الدلالات وأحكاماً كثيرة أخرى نذكر منها فيما يلى جملة :
أولها : جواز الإغارة على من بلغتهم الدعوة الإسلامية وحقيقتها ’ بدون إنذار مسبق أو دعوة مجددة :
وهو مذهب الشافعية وجمهور الفقهاء ’ فذلك ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فى إغارته على خيبر ’ وأما بلوغ الدعوة وتفهم الإسلام فهماً صحيحاً على وجهه فهو شرط بالإتفاق .

ثانيها : تقسيم الغنائم على الأساس الذى ورد ذكره :
وهو تقسيم أربعة أخماسها بين الغانمين يعطى للراجل سهم وللفارس ثلاثة أسهم : سهم له وسهمان للفرس ’ والخمس الباقى يوزع أخماساً على من نصت عليه الآية القرآنية واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه وللرسول ولذى القربى و اليتامى و المساكين وابن السبيل ) وسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الخمس يوزع من بعده على مصالح المسلمين كما ذهب الى ذلك الشافعية والحنفية ’ وقيل يختص به الخليفة فيصرفه فيما يراه ’ والقولان متقاربان .

ثالثها :- جواز إشراك غير المقاتلين فى الغنيمة ممن حضر مكان القتال :
وذلك بعد إستئذان أصحاب الحق فيها ’ فقد أشرك النبى صلى الله عليه وسلم جعفر ابن أبى طالب ومن معه فى الغنائم ’ بإذن من الصحابة حينما عادوا من الحبشة واليمن .
واعلم أن رواية البخارى فى هذا خالية عن التقييد بإستئذان المسلمين ’ ولكن زاد البيهقى فى روايته أن النبى صلى الله عليه وسلم قبل أن يقسم لهم كلّم المسلمين فأشركوهم ’ وزيادة العدل مقبولة والذى زاد من قيمة القيد الذى رواه البيهقى أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يسهم لأبان ابن سعيد ’ وقد كان أرسله على سرية قبل نجد فعاد منها الى خيبر بعد إنتهاء القتال ’ وقال له صلى الله عليه وسلم : إقسم لنا يا رسول الله ’ فلم يقسم له ’ وإنما يجمع بين الخبرين بحمل الأول منهما على إذن الجماعة فى القسمة ’ والثانى على عدمه .
ولعلك تسأل ما مصير حكم الغنائمهذا مع ما تطورت إليه اليوم حالة الحروب و الجند و سياسة عطاءاتهم ومرتباتهم ؟
و الجواب : أنك قد علمت مما سبق أن الأموال غير المنقولة من الغنائم لا توزع بين المحاربين عند مالك و الحنفية على نحو ما مرّ بيانه إلا إذا دعت المصلحة أو الضرورة ’ أما الأموال المنقولة منها فيجب أن توزع على الغانمين بنفس الطريقة التى كان يسلكها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ملاحظة ما تطورت إليه وسائل القتال وطرائقه فى تفاوت درجات المقاتلين .
ولا مانع من أن توزع عليهم حصصهم على شكل علاوات أو مرتبات متلاحقة إنما المهم أن الدولة لا يجوز لها أن تستملك شيئاً من هذه الأموال لنفسها .

رابعها :- مشروعية عقد المساقاة :
وهى أن يعامل مالك الأرض غيره على ما فيها من شجر ليتعهده بالسقاية و التربية على أن الثمار تكون بينهما ’ وقد ذهب مالك و الشافعى وأحمد رضى الله عنهم الى صحة هذا العقد مستدلين على ذلك بمعاملته صلى الله عليه وسلم أهالى خيبر ’ وانفرد أبو حنيفة رضى الله عنه فلم يجوّز ذلك ’ قال : ولا دليل فى الحديث ’ لأن خيبر فتحت عنوة فكان أهلها عبيداً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ’ فما أخذه فهو له وما تركه فهو له ’ وخالفه الصاحبان فاتفقا مع الجمهور على صحته ’ ثم إختلف العلماء : هل ينبغى أن يقال بصحة هذا العقد على كل أنواع الشجر أم هو خاص بالنخيل و العنب ’ وقوفاً عند مورد الدليل ’ إذا كانت عامة أشجار خيبر نخيلاً وعنباً ’ والذى ذهب إليه كثير من الفقهاء هو التعميم فى كل أنواع الشجر ’ أما المزارعة فقد منعها قسم كبير ممن صحح عقد المساقاة ’ منهم الشافعية ’ وهى أن يعامل مالك الأرض شخصاً آخر على أن يعمل فيها بالزراعة و الإستنبات بجزء مما ستخرجه الأرض ’ قال جمهور الشافعية هو غير صحيح ’ لما ثبت فى صحيح مسلم أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن المزارعة وأمر بالمؤاجرة ’ قالوا : إلا أ، يكون عقد المزارعة تبعاً للمساقاة أى بأن يكون بين الشجر بياض إتفق الطرفان على زراعته ضمن إتفاقهما على عقد المساقاة .
والراجح لدى التأمل فى مجموع الأدلة صحة كل من عقد المساقاة و المزارعة فقد قالوا فى بيانه أن النهى كان فى أول الأمر لحاجة الناس وكون المهاجرين ليست لهم أرض ’ فأمر النبى صلى الله عليه وسلم الأنصار بالتكرم بالمواساة ’ ويدل له ما أخرجه مسلم من حديث جابر قال : كان لرجال من الأنصار فضول أرض وكانوا يكرونها بالثلث و الربع فقال النبى صلى الله عليه وسلم : من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه ’ فإن أبى فليمسكها ’ ثم بعد توسع حال المسلمين زال الإحتياج فأبيحت لهم المزارعة وأن يتصرف المالك فى ملكه كما يشاء ’ ويدل على ذلك ما وقع من المزارعة و المؤاجرة فى عهده صلى الله عليه وسلم وعهد الخلفاء من بعده .

خامسها :- مشروعية تقبيل القادم والتزامه :
وهو مما لا نعلم فيه خلافاً معتداً به إذا كان قادما من سفر أو طال العهد به ’ واستدل العلماء فى ذلك بتقبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم جعفر ابن أبى طالب بين عينيه والتزامه إياه عند قدومه من الحبشة ’ والحديث رواه أبو داود بسند صحيح ’ وروى الترمذى عن عائشة رضى الله عنها قالت : قدم زيد ابن حارثة المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم فى بيتى فأتاه فقرع الباب ’ فقام إليه النبى صلى الله عليه وسلم يجر ثوبه ’ فاعتنقه وقبله .
ويشكل عليه فى الظاهر ما رواه الترمذى أيضاً عن أنس ابن مالك رضى الله عنه قال : قال رجل يا رسول الله ’ الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحنى له ؟ قال : لا ’ قال : أفيلتزمه ويقبله ؟ قال : لا قال : فيأخذ بيده و يصافحه ؟ قال : نعم .
وجواب الإشكال أن سؤال الرجل فى هذا الحديث عن اللقاءات العادية المتكررة بين الرجل و صاحبه ’ والتقبيل و الإلتزام أمر غير مرغوب فيه فى مثل هذه الحال ’ أما ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك بالنسبة الى جعفر وزيد فإنما كان ذلك - كما قد علمت - أثر قدوم من سفر فالحالتان مختلفتان .

سادسها :- حرمة ربا الفضل فى المطعومات :
وهو أن يتبادل إثنان مطعومين من جنس واحد مع تفاضل بينهما ’ وقد نهى النبى صلى الله عليه وسلم بأحاديث كثيرة صحيحة منها ما رواه مسلم عن عبادة ابن الصامت قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع الذهب بالذهب ’ والفضة بالفضة ’ والتمر بالتمر ’ والبر بالبر ’ والشعير بالشعير والملح بالملح إلا سواء بسواء عيناً بعين فمن زاد أو إستزاد فقد أربى . ومنها ما رويناه عن البخارى من نهى النبى صلى الله عليه وسلم عن مبادلة التمر الجيد بالتمر الردىء مفاضلة .
وليس هذا مجال البحث فى الحكمة من تحريم هذا التبادل واعتباره رباً محرماً ’ فمجال ذلك المطولات من كتب الفقه ’ ولكن الذى ينبغى التنبيه إليه هنا هو أن النبى صلى الله عليه وسلم أرشد من يريد أن يستبدل تمراً جيداً بردىء أو غيره من المطعومات بمثله الى وسيلة أخرى سائغة لا ربا فيها ’ وهى أن يبيع الردىء بالدراهم ثم يشترى بها الجيد الذى يبتغيه ’ ولا يضيره فى شىء إنه إنما يريد أن يتوسل بالبيع الى شىء آخر كان محرماً فى الأصل وأنه لا يقصد البيع لذاته لأن الرسول صلى الله عليه وسلم سوغ ذلك ’ وإنما المحرم ما قد نهى عنه الكتاب أو نهت عنه السنة نهياً جازماً .
و الحكم الذى يستنتج من هذا ’ أنه يجوز التوصل الى تحويل حكم لآخر بواسطة مشروعة لذلك ’ ولا يعتبر ذلك حيلة محرمة ’ فيجوز أن ينكح الرجل إمرأة مطلقة بقصد تحليلها لزوجها السابق إذا لم يشترط ذلك فى العقد ’ ويجوز أن يعطى صاحب الدين زكاة ماله للمدين الذى عجز عن إبراء ذمته نحوه ثم يسترده منه عن دينه .
ولا عبة لمخالفة ابن القيم فى هذا ’ محتجاً بأن الأعمال بمقاصدها ’ وأن الذى باع قاصداً شيئاً آخر غير ما شرع له البيع ’والذى نكح قاصداً غير الذى شرع له النكاح متلبسان بفعل باطل لأنهما حوّلا الحكم عن غايته الى غاية أخرى لم يشرع لها ذلك الحكم ’ نقول : لا عبرة لكلامه هذا ’ لأنه يناقض حديث البخارى الذى ذكرناه مناقضة صريحة ’ والقواعد الفقهية إنما تأتى من وراء النصوص لا من فوقها ’ ولأن ابن القيم ناقض نفسه مناقضة فى منتهى الغرابة و العجب بصدد هذا البحث فى كتابه إعلام الموقعين
فقد أطال فى ذم تحريم بعض الصور التى سمّاها حيلاً محرمة وأطنب فى تفنيد آراء الأئمة القائلين بصحتها ’ وتوعد بأن لهم مواقف عصيبة بين يدى الله يوم القيامة ’ ثم ما لبث بعد بضع صفحات أن راح يسوّغها ويضرب بها المثل للحيل الشرعية الصحيحة ’ وكأنه ليس هو الذى أطنب قبل قليل فى تفنيدها و التحذير منها .

ثم إن ىف هذه الغزوة حادثتين ’ كل منهما ثابت بالحديث الصحيح ’ تعدان من الخوارق العظيمة التى أيّد الله بها محمد صلى الله عليه وسلم :
أولاهما:- أنه صلى الله عليه وسلم تفل فى عين علىّ ابن أبى طالب رضى الله عنه وقد كان يشتكى منها فبرأت فى الوقت نفسه حتى كأن لم يكن به وجع .
الثانية :- ما أوحى الله إليه من أمر الشاة المسمومة عندما أراد الأكل منها ’ ولأمر ما سبق قضاء الله تعالى فابتلع بشر ابن البراء لقمته قبل أن ينطق رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها مسمومة فكان قضاؤه فى ذلك ’ ولعل فى ذلك مزيداً من بيان ما إختص الله تعالى به نبيه صلى الله عليه وسلم من الحفظ و العصمة من أيدى الناس و كيدهم ’ تنفيذاً لوعده جل جلاله : والله يعصمك من الناس .
ولقد ذكرنا أن الرواة إختلفوا : هل أسلمت المرأة اليهودية أم لا ؟ ’ و الذى يغلب - على ما جزم به الزهرى - أنها أسلمت ’ ولذلك لم يقتلها النبى صلى الله عليه وسلم على ما ذكره مسلم .
لا يقال إن القصاص كان يقتضى قتلها ’ لأن القاعدة المتفق عليها : أن الإسلام يجب ما قبله ’ فالقتل الذى يستوجب القصاص هو ما كان واقعاً بعد إسلام القاتل أما ما قبله فالأمر فى ذلك راجع الى الحرابة ’ ومعلوم أن الحرابة تنتهى بالدخول فى الإسلام .
ثم إن يهود خيبر مكثوا يزرعون الأرض على النصف من نتاجها ’ الى أن كانت خلافة عمر رضى الله عنه ’ فقتلوا أحد الأنصار وعدوا على عبد الله ابن عمر فقدعت يداه ’ فقال رضى الله عنه للناس : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عامل يهود خيبر على أن يخرجهم إذا شئنا ’ وقد عدوا على عبد الله ابن عمر فقدعو يديه كما قد بلغكم ’ مع عدوهم على الأنصارى من قبل ’ لا نشك أنهم أصحابه ’ ليس لنا عدو غيرهم فمن كان له مال بخيبر فليلحق به ’ فإنى مخرج يهود .
وهكذا تم إخراج اليهود من الجزيرة العربية ’ ولولا بغيهم وعدوانهم واستكبارهم على الحق لما طوردوا ولما أخرجوا ’ ولكن الأرض يرثها من يشاء من عباده ’ والعاقبة للمتقين .

__________________

هجرة الرسول الى الطائف
هجرة الرسول الى الطائف
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 05-04-2010, 03:03 AM
الصورة الرمزية اميــرة الاحســاس
اميــرة الاحســاس اميــرة الاحســاس غير متواجد حالياً
ميداليه ماسيه
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
الدولة: egypt
المشاركات: 11,472
افتراضي سرايا الى القبائل .... وكتب الى الملوك

سرايا الى القبائل .... وكتب الى الملوك
ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث السرايا من أصحابه الى مختلف قبائل الأعراب المنتشرة فى الجزيرة العربية لتقوم بوظيفة الدعوة الى الإسلام فإن لم يستجيبوا قاتلوهم على ذلك .
ولقد كانت هذه السرايا خلال العام السابع للهجرة ’ وتبلغ عدتها عشرة سرايا أرسلها النبى صلى الله عليه وسلم بإمرة مختلف الصحابة .
وفى هذه الفترة نفسها ’ بدأ النبى صلى الله عليه وسلم يبعث كتباً الى مختلف ملوك ورؤساء العالم يدعوهم فيها الى الإسلام ونبذ ما هم عليه من الأديان الباطلة .
روى ابن سعد فى طبقاته : أنه صلى الله عليه وسلم لما رجع من الحديبية فى ذى الحجة سنة ست ’ أرسل الرسل الى الملوك يدعوهم الى الإسلام ’ وكتب إليهم كتباً ’ فقيل يا رسول الله ’ إن الملوك لا يقرأون كتاباً إلا مختوماً ’ فاتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ خاتماً من فضة نقشه ثلاثة أسطر : محمد رسول الله ’ وختم به الكتب ’ فخرج ستة نفر من يوم واحد ’ وذلك فى المحرم سنة سبع ’ وكان كل رجل منهم يتكلم بلسان القوم الذين بعث إليهم .
فكان أول رسول بعثه صلى الله عليه وسلم عمرو ابن أمية الضمرى الى النجاشى فأخذ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه على عينيه ونزل من سريره ’ فجلس على الأرض تواضعاً ثم أسلم وشهد شهادة الحق ’ وقال : لو كنت أستطيع أن آتيه لأتيته .
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم دحية ابن خليفة الكلى الى هرقل ملك الروم ’ فدفع دحية بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الى عظيم بصرى ’ فدفعه عظيم بصرى الى هرقل ’ فقرأه وكان فيه بسم الله الرحمن الرحيم ’ من محمد رسول الله الى هرقل عظيم الروم ’ سلام على من إتبع الهدى أما بعد ’ فإنى أدعوك بدعاية الإسلام ’ أسلم تسلم ’ وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين ’ وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين ’ ويا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله ’ فإن تولوا فقولوا إشهدوا بأنا مسلمون ) .
قال ابن سعد فى طبقاته : فقال هرقل بعد أن قرأ الكتاب لجمع من عظمائه وحاشيته : يا معشر الروم هل لكم فى الفلاح و الرشد وأن يثبت لكم ملككم وتتبعون ما قال عيسى ابن مريم ’ قالت الروم : وما ذاك أيها الملك ؟ قال : تتبعون هذا النبى العربى ’ قالوا فحاصوا حيصة الحمر الوحش ’ وتناجزوا ورفعوا الصليب ’ فلما رأى هرقل ذلك منهم يئس من إسلامهم وخاف على نفسه وملكه ’ فسكتهم ثم قال : إنما قلت لكم ما قلت لأختبركم لأنظر كيف صلابتكم فى دينكم ’ فقد رأيت منكم الذى أحب ’ فسجدوا له .
وبعث رسول الله صلى اله عليه وسلم عبد الله ابن حذاقة السهمى الى كسرى يدعوه الى الإسلام ’وأرسل معه إليه كتاباً ’ قال فدفعت إليه الكتاب ’ فقرىء عليه ’ ثم أخذه فمزقه ’ فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : مزقالله ملكه ’ وكتب كسرى الى باذان عامله على اليمن أن إبعث من عندك برجلين جلدين الى هذا الرجل فليأتينى به ’ فبعث إليه برجلين جلدين وكتب إليه معهما كتاباً ’ فقدما المدينة ودفعا كتاب باذان الى النبى صلى الله عليه وسلم ’ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : إرجعا عنى يومكما هذا حتى تأتيانى الغد فأخبركما بما أريد ’ فجاءاه من الغد فقال لهما : ( أبلغا صاحبكما أن ربى قد قتل ربه كسرى فى هذه الليلة لسبع ساعات مضت منها ) - قال ابن سعد - وهى ليلة الثلاثاء لعشر ليال مضين من جمادى الأولى سنة سبع ( وأن الله تعالى سلط عليه إبنه شيرويه فقتله ) ’ فرجعا الى باذان بذلك ’ فأسلم هو و الأبناء الذين باليمن .
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الحارث ابن عمير الأزدى الى عظيم بصرى من قبل الروم شرحبيل ابن عمرو الغسانى ’ فأوثقه رباطاً وقتله ’ قالوا ولم يقتل لرسول الله صلى الله عليه وسلم رسول غيره .
وبعث صلى الله عليه وسلم برسل وكتب أخرى كثيرة الى كثير من الأمراء العرب المتفرقين من مختلف الجهات تعلن إسلامها وتدخل فى دين الله تعالى ’ وممن أسلم فى هذه الفترة من كبار العرب وقادتهم : خالد ابن الوليد وعمرو ابن العاص .
روى ابن إسحاق عن عمرو ابن العاص قال : خرجت عامداً الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيت خالد ابن الوليد ’ وذلك قبل الفتح ’ وهو مقبل من مكة فقلت : أين تريد يا أبا سليمان ؟ قال : أذهب والله لأسلم ’ فحتى متى ؟ قلت له : وما جئت إلا لأسلم ’ فقدمنا جميعاً ’ فتقدم خالد فأسلم وبلغ ’ ثم دنوت فبايعته .

العبر و العظات :
معالم المرحلة الجديدة : حديث هذه الساريا التى بعثها الرسول صلى الله عليه وسلم منتشرة فى القبائل ’ والكتب التى أرسلها الى مختلف ملوك ورؤساء العالم ’ جزء من المظاهر التى تميز هذه المرحلة من الدعوة فى حياته صلى الله عليه وسلم ’ عن المرحلة السابقة .
لقد كانت المرحلة التى تسير فيها الدعوة من بدء الهجرة الى صلح الحديبية ’ مرحلة دفاعية كما قلنا ’ الى جانب القيام بمهام الدعوة السلمية ’ فلم يحدث أن أرسل سرية الى قبيلة ما ليدعوهم الى الإسلام ’ فإن أبوا قاتلوهم عليه .
فلما أبرم صلح الحديبية بين المشركين من قريش و المسلمين فى المدينة ’ واطمأنت أفئدة المسلمين واستراحوا من متاعب قريش ومناوشاتهم - تفرغ النبى صلى الله عليه وسلم للدخول فى مرحلة جديدة لابد منها فى حكم الشريعة افسلامية التى بعث لتبليغها و تطبيقها ’ ألا وهى مرحلة قتال أولئك الذين بلغتهم الدعوة فوعوها وفهموها ’ ولكنهم إستكبروا عن الإيمان بها والإذعان لها حقداً وعدواناً .
إنها المرحلة التى بها أنجز رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوة ربه ’ وهى المرحلة التى أصبحت - بعمله وقوله - خكماً شرعياً باتفاق المسلمين فى كل عصر الى يوم القيامة ’ وهى المرحلةالتى يحاول محترفوا الغزو الفكرى أن يطمسوا عليها ويغيبوها عن أعين المسلمين ’ بزعم أن كل ما يتعلق بالجهاد فى الشريعة الإسلامية إنما هو قائم على أساس الحرب الدفاعية ورد العدوان ’ وها هى ذى هيأة الأمم قامت لتتولى الدفاع ورد العدوان عن المستضعفين ’ فلا حاجة الى إستبقاء مبدأ الحرب الدفاعية أيضاً .
وليس سراً خافياً أن الأمر الذى يدعوهم الى هذا الكيد و التضليل فى البحث ’ إنما هو الخوف الشديد لدى الدول الجنبية - غربيها وشرقيها على السواء - من أن يعود فيستيقظ فى نفس المسلمين معنى الجهاد فى سبيل الله ’ ثم يتصل هذا المعنى بجذوة الإيمان فى قلوبهم ! .... فلئن تم هذا ’ فسيتم عندئذ لا محالة إنهيار الحضارة الأوروبية مهما تطاول بنيانها .
ولقد نضجت عقلية الرجل الأوروبى لمعانقة الإسلام بمجرد أن يسمع دعوة خالصة إليه ’ فكيف بالدعوة الخالصة تتلوها تضحية و جهاد ؟ ! ..

حكمة مشروعية هذه المرحلة :
ولعلك تسال الآن : فما هى الحكمة من أن يساق المشرك أو الملحد الى الإسلام سوقاً ؟ وكيف يمكن أن تفهم عقلية القرن العشرين مثل هذه الشرعية ؟!..
والجواب أنا نتساءل : فما الحكمة من أن يحمل الفرد الواحد من الدولة حملاً على الخضوع لنظامها وفلسفتها ’ رغم ما يملكه من الحرية الحقيقية وما يتمتع به من حقيقة المساواة مع غيره من عامة أفراد الدولة حكاماً ورعايا ؟
إن الإنسان إنما خلق فوق هذه الأرض ليقيم عليها دولة الله تعالى وحكمه فتلك هى الحكمة من وجوده وهى المعنى المقصود بالخلافة فى الأرض فى قوله تعالى وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة ) وفلسفة هذه الدولة قائمة على حقيقة العبودية لله تعالى وحده ’ ونظامها قائم على الإذعان بأن الحاكمية هى لله وحده ’ لأنه وحده مالك الإنسان ومالك كل شىء ’ ولأنه وحده هو قيوم السموات والأرض ’ فكيف يعقل أن يكون لدولة يقوم عليها عبيد مملوكون لله ’ حق إلزام رعاياهم بالخضوع لما يرونه من النظم و المبادىء و الأحكام ’ ثم لا يكون لخالق هؤلاء كلهم الحق فى أن يلزمهم بالخضوع لسلطانه و التحول عن كل عقيدة ودين الى دينه ؟! وإذا كان الإنسان هو خليفة الله تعالى فى تطبيق أوامره وأحكامه فى الأرض ’ فهل يكون الإلزام بالخضوع لسلطانه وحكمه إلا بواسطة الإنسان’ إذ يدخل فى دينه ويبايع الله تعالى على بذل النفس و المال فى سبيل إقامة المجتمع الإسلامى الذى إنما خلق الإنسان لإقامته ’ وليس من المهم أن تفهم هذا ’ أن يكون فى القرن العشرين عقولا لاتريد أن تستسيغ هذا أو تفهمه ’ لأن من الطبيعى أن تكون ثمّة عقول من هذا النوع ’ ما دام أن هناك أمشاجاً و أخلاطاً من الناس يحترفون مهمة الغزو الفكرى بغية حقن الشعور الإسلامى فى العالم بالحقن المتوالية المخدرة والمنومة ’ وهم ليسوا مشفقين على الحرية الإنسانية بمقدار ما يتربصون بها .
وليت شعرى أى قيمة توجد للحرية عند أولئك الذين يظلون يكذبون على أنفسهم وعلى شعوبهم ’ إذ يصورون لهم الإسلام بالصور الكاذبة المنفرة ’ ويصورون لهم المسلمين همجاً من الناس لا يزالون يعيشون فى البوادى مع الإبل و الأغنام ’ كى يصدوا بذلك تطلعاتهم الفكرية الى فهم الإسلام ويحبسوا دوافع البحث عندهم ضمن خيوط عنكبوتية حقيرة حتى لا يطلعوا على حقيقة الإسلام فيؤمنوا به ’ فيدخلوا فيه ’ فتدول بذلك دولة البغى علىالإنسان فى أتعس أشكاله القذرة .
على أنه لا ينبغى أن يفوتك أن الدعوة السلمية بالحكمة و المناقشة و الموعظة الحسنة فى كل مجال ومكان ’ أمر لابد منه الى أمد طويل قبل ذلك وحينما ينفذ المسلمون أمر هذه الدعوة على حقيقتها ستزداد يقيناً بأن الإسلام دين الفطرة وأن الناس - من أى قوم كانوا - سيجدون فى هذا الدين ضالتهم المنشودة ’ ولن يستمر على التخلف عنه إلا الحاقدون ’ وذلك أكبر دليل على عدوان مبيت فى نفوسهم على الإسلام ودعاته .
كما ينبغى أن لا يفوتك أن أمر هذا الإلزام الذى ذكرناه ’ إنما هو خاص بالملحدين و المشركين و الوثنيين ومن لف لفهم ’ أما أهل الكتاب فلا يلزمون - كما تعلم - إلا بالخضوع لنظام المجتمع الإسلامى ’ إعتماداً على أن إيمانهم بالله تعالى مع إحتكاكهم بالمسلمين ومعايشتهم سينبههم الى جادة الصواب ويحملهم على تقويم العقيدة .

ثم إن قصة الكتب التى أرسلها الرسول صلى الله عليه وسلم الى الملوك و الرؤساء دلالات وأحكاماً كثيرة نجملها فيما يلى :
أولاً :- أن الدعوة التى بعث بها النبى صلى الله عليه وسلم إنما بعث بها الى الناس كافة ’ لا إلى قوم بأعينهم ’ وأن رسالته إنما هى إنسانية شاملة ليس لها طابع عنصرية أو قومية أو جماعية معينة .
لذلك إتجه صلى الله عليه وسلم بدعوته يبلغها الى كل حكام الأرض وملوكها ’ روى عن أنس رضى الله عنه أن النبىصلى الله عليه وسلم كتب الى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشى والى كل جبار يدعوهم الى الله تعالى .


ثانياً:- يدلك موقف هرقل مع أتباعه الذين كانوا يزعمون أنهم كانوا على دين عيسى عليه الصلاة و السلام على مدى التكبر على الحق و التعنت فى الباطل عند كثير من أهل الكتاب ’ وهم الذين تحول الدين فى تصورهم الى تقاليد و عصبية ’ فلا ينظرون إليه إلا من حيث أنه حق أو باطل بمقدار ما يتمسكون به من حيث أنه جزء من تقاليدهم ومظهر لعصبيتهم وشخصيتهم وليكن بعد ذلك إذا شاء حقاً أو باطلاً ’ ولقد بدى موقف هرقل بادىء الأمر فى مظهر المتدبر المقدر لحقائق الأمور ’ ولكن يبدو أنه كان يسوس بذلك رعيته وحاشيته ويجس نبضهم ’ ليطمئن الى ما ينبغى أن يفعله حفظاً على ملكه وسلطانه حيال هذا الأمر .

ثالثاً :- دل عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا على مشروعية إتخاذ الخاتم ’ وكان خاتمه صلى الله عليه وسلم من فضة ’ كما دل على مشروعية نقش إسم صاحبه عليه ’ وقد إستدل كثير من العلماء بذلك على استحباب وضع الخاتم من الفضة فى الإصبع التى كان صلى الله عليه وسلم يضع خاتمه فيه ’ وهى إصبع الخنصر .

رابعاً:- ويدل أيضاً عمله صلى الله عليه وسلم على أنه ينبغى على المسلمين أن يهيؤوا للدعوة الإسلامية فى كل أرجاء الأرض وسائلها و أسبابها ’ ومن أهم أسباب ذلك ’ المعرفة بلغة الأمم و الأقوام الذين يقومون بدعوتهم الى الإسلام ’ وتعريفهم بمبادئه و أحكامه ’ فقد رأينا أنه صلى الله عليه وسلم بعث ستة رجال من أصحابه فى يوم واحد ليتفرقوا الى الملوك الذين أرسلهم النبى صلى الله عليه وسلم إليهم وكان كل واحد منهم يتقن لغة القوم الذين بعثه إليهم .

خامساً :- يدل عمله صلى الله عليه وسلم هذا ’ مع ملاحظة التوقيت الذى جاء فيه على أن على المسلمين أن يقوموا أولاً بمسئولية الدعوة فيما بينهم ’ وأن يصلحوا من أنفسهم ’ حتى إذا قطعوا من ذلك شوطاً كبيراً وفرغوا من تطبيق نظام الإسلام على حياتهم وسلوكهم ’ آن لهم حينئذ أن يقوموا بهذا الواجب الثانى ’ وقد كان النبى صلى الله عليه وسلم قادراً على أن يرسل عدداً من الصحابة الى هؤلاء الرؤساء و الملوك قبل هذا التاريخ بكثير ’ غير أن ذلك ينطوى على الإخلال بهذا الواجب الذى ذكرناه ’ وينبغى أن نعلم أن إصلاح المسلمين أنفسهم هو بنفسه جزء عظيم من دعوة غيرهم الى الإسلام ’ فالناس كانوا ولا يزالون يبحثون عن المثل الصالح فى السلوك و الخلق ’ ليقتفوا أثره ويتبعوه ’ ولو أن المسلمين اليوم كانوا معتزين بإسلامهم مطبقين مبادئه وأحكامه لرأيت ذلك الشعاع الهادى متوغلاً بضيائه فى مجاهل أفريقيا وأقاصى أوروبا .
هذا وقد كان زمن إرسال هذه الرسائل و الكتب ’ خلال العام السابع للهجرة ’ كما ذكرنا ’ أى قبل الفتح وذلك هو الحين الذى أجمع عليه عامة علماء السيرة ’ ولا يخل بذلك ما دل عليه صنيع الإمام البخارى فى صحيحه ’ فقد أورد خبر كتبه صلى الله عليه وسلم بعد غزوة تبوك ’ وذلك يدل على أنه إنما كان فى العام التاسع .
قال ابن حجر : إن الجمع بين القولين أنه صلى الله عليه وسلم ’ كاتب قيصر مرتين وهذه الثانية قد وقع التصريح بها فى مسند الإمام أحمد ’ وكاتب النجاشى الذى أسلم وصلى عليه لما مات ’ ثم كاتب النجاشى الذى ولى بعده ’ وكان كافر

__________________

هجرة الرسول الى الطائف
هجرة الرسول الى الطائف
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 05-04-2010, 03:05 AM
الصورة الرمزية اميــرة الاحســاس
اميــرة الاحســاس اميــرة الاحســاس غير متواجد حالياً
ميداليه ماسيه
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
الدولة: egypt
المشاركات: 11,472
افتراضي عمرة القضاء

عمرة القضاء
ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم خرج فى ذى القعدة من السنة السابعة قاصداً مكة ’ وهو الشهر الذى صده فيه المشركون عن دخولها ’ فاعتمر عمرة القضاء ’ وذكر ابن سعد فى طبقاته أن المعتمرين معه عليه الصلاة و السلام كانوا ألفين ’ وهم أهل الحديبية ومن إنضم إليهم ولم يتخلف عنها من أهل الحديبية إلا من مات أو استشهد بخيبر .
قال ابن اسحاق : وتحدثت قريش بينها أن محمداً وأصحابه فى عسرة وجهد وشدة ’ قال : فصفّ له المشركون عند دار الندوة ’ لينظروا إليه والى أصحابه ’ فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد اضطبع بردائه ’ واخرج عضده اليمنى ثم قال : رحم الله إمرأ أراهم اليوم من نفسه قوة ’ ثم استلم الركن وخرج يهرول ويهرول أصحابه معه ’ حتى هرول ثلاثة أطواف ومشى سائرها ’ قال : فكان ابن عباس يقول : كان الناس يظنون أنها ليست عليهم ( أى ليست سنة عامة ) وذلك أن الرسول إنما صنعها لهذا الحى من قريش للذى بلغه عنهم ’ حتى إذا حج حجة الوداع فلزمها ’ فمضت السنة بها .
وتزوج صلى الله عليه وسلم بميمونة بنت الحارث ’ فقيل إنه تزوجها وهو محرم ( عقد نكاحه فقط ) وقيل بل عقد عليها بعد التحلل وكان الذى زوجه إياها العباس ابن عبد المطلب زوج أختها أم الفضل .
ولما مضى من دخوله صلى الله عليه وسلم مكة ثلاثة أيام ( وهى المدة التى قاضى قريشاً على الإقامة بها ) أتوا علياً رضى الله عنه فقالوا : قل لصاحبك أخرج عنا فقد مضى الأجل ’ فخرج النبى صلى الله عليه وسلم
وبنى عليه الصلاة و السلام بميمونة فى طريقه الى المدينة فى مكان اسمه ( سرف ) قرب التنعيم ’ ثم انصرف الى المدينة فى ذى الحجة .


العبر و العظات :
هذه العمرة تعتبر تصديقاً إلهياً لما وعد بهالنبى صلى الله عليه وسلم أصحابه من دخولهم مكة و الطواف بالبيت ’ وقد رأيت كيف سأل عمر ابن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أثناء الحديبية أولست كنت تحدثنا أنا سنأتى البيت فنطوف به ؟ فأجابه : بلى أفاخبرتك أنك تأتيه عامك هذا ؟ قال : لا فإنك آتيه ومطوّف به .
فهذا هو مصدق وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ وقد نبه الله عز وجل عباده الى هذا التصديق فى قوله لقد صدق الله رسوله الرؤيا ابلحق لتدخلنّ المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون ’ فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً ) .
ثم إن العمرة إنطوت على معنى تمهيدى للفتح الكبير الذى جاء من بعده ’ فقد كان لمرآى ذلك العدد الوفير من المهاجرين و الأنصار وهم محدقون برسول الله صلى الله عليه وسلم فى طوافهم وسعيهم وسائر مناسكهم ’ فى حماس ونشاط غير مأمولين منهم فيما كان يتصوره المشركون - كان لذلك أثر بعيد فى نفوسهم ’ فقد داخلتها الرهبة منهم إذ فوجئوا بعكس ما كانوا يتصورون فيهم من الضعف و الخمول بسبب ما قد يحتمل أن يكونوا قد أصيبوا به من حمى يثرب وسوء مناخها .
روى الإمام مسلم عن ابن عباس أن المشركين لما رأوا رمل المسلمين حول الكعبة وفى المسعى قالوا لبعضهم : هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد أوهنتهم ؟ هؤلاء أجلد من كذا وكذا .
لا جرم أن كان لهذه العمرة إذاً - بالشكل الذى تمت به - أثر بالغ فى نفوس المشركين مهذ لفتح مكة فتحاً سلمياً كما سترى فيما بعد .

ثم إننا نأخذ من عمرة القضاء ما يلى :
أولاً : استحباب الإضطباع والهرولة فى طواف الأشواط الثلاثة الأولى ’ إتباعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى ذلك ’ وإنما يستحب ذلك فى طواف يعقبه سعى لأن الطواف الذى رمل فيه النبى صلى الله عليه وسلم كان كذلك ’ والإضطباع هو جعل الرجل وسط ردائه تحت منكبه الأيمن وطرفيه على منكبه الأيسر ’ ويسن ان يفعل ذلك أيضاً بين الميلين عند السعى بين الصفا و المروة للإتباع .
غير أن شيئاً من ذلك لا يستحب للمرأة .

ثانياً:- ذهب بعض الفقهاء الى جواز عقد النكاح حالة الإحرام بحج أو عمرة ’ إعتماداً على الرواية التى نقلت أنه صلى الله عليه وسلم عقد على ميمونة أثناء إحرامه .
والذى عليه جمهور الفقهاء أنه لا يجوز للمحرم أنه لا يجوز للمحرم أن يعقد نكاحاً لا لنفسه ولا وكالة عن غيره مطلقاً ’ وذهبت الحنفية الى أنه يحرم للمحرم أن يتولى عقد النكاح لغيره ممن لم يكن محرماً .
هذا وقد اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمرات وحج حجة واحدة روى مسلم بسنده عن أنس رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إعتمر أربع عمر كلهنّ فى ذى القعدة إلا التى مع حجته : عمرة من الحديبية فى ذى القعدة ’ وعمرة من العام المقبل فى ذى القعدة ’ وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين فى ذى القعدة وعمرة حجته .

__________________

هجرة الرسول الى الطائف
هجرة الرسول الى الطائف
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 05-04-2010, 03:06 AM
الصورة الرمزية اميــرة الاحســاس
اميــرة الاحســاس اميــرة الاحســاس غير متواجد حالياً
ميداليه ماسيه
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
الدولة: egypt
المشاركات: 11,472
افتراضي غزوة مؤتة

غزوة مؤتة
وقد كانت فى شهر جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة ’ ومؤتة قرية على مشارف الشام وهى التى تسمى اليوم : الكرك .
وسببها ما ذكرناه من مقتل الحارث ابن عمير الأزدى ’ رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم الى ملك بصرى ’ ولم يقتل رسول لرسول الله غيره ’ فندب الناس للخروج الى الشام ’ وسرعان ما إجتمع المسلمون فى ثلاثة آلاف مقاتل قد تهيأوا للخروج الى مؤتة . ولم يخرج النبى صلى الله عليه وسلم معهم ’ وبذلك تعلم أنها فى الحقيقة ليست بغزوة ولكنها سرية ’ ولكن عامة علماء السيرة أطلقوا عليها اسم غزوة لكثرة عدد المسلمين فيها ولما كان لها من أهمية بالغة ’ وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمير الناس زيد ابن حارثة ’ فإن قتل فجعفر ابن أبى طالب ’ فإن قتل فعبد الله ابن رواحة ’ فإن قتل فليرتض المسلمون منهم رجلاً فليجعلوه عليهم ’ وأوصاهم صلى الله عليه وسلم أن يدعوا من هناك الى الإسلام ’ فإن أجابوا ’ وإلا استعانوا عليهم بالله وقاتلوهم .
قال ابن اسحاق : ودع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه المسلمين وأمراءهم عند خروجهم من المدينة ’ وفى تلك الأثناء بكى عبد الله ابن رواحة ’ فقالوا ما يبكيك ؟ قال : أما والل ما بى حب للدنيا ولا صبابة بكم ولكنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ آية من كتاب الله تعالى يذكر فيها النار وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً ) فلست أدرى كيف لى بالصدر بعد الورود .
وناداهم المسلمون وهم يسيرون : صحبكم الله ودفع عنكم وردكم إلينا صالحين فقال عبد الله ابن رواحة :

لكننى أسأل الرحمن مغفرة وضربة ذات قرع تقذف الزبدا
أو طعنة بيدى حران مجهزة بحربة تنفذ الأحشاء و الكبدا
حتى يقال إذا مروا على جدثى أرشده الله من غاز وقد رشدا
ولما فصلوا من المدينة سمع العدو بمسيرهم ’ فجمعوا لهم : جمع لهم هرقل اكثر من مائة ألف مقاتل من الروم ’ وجمع شرحبيل ابن عمرو مائة ألف آخرين من قبائل لخم وجذام والقين وبهراء ’ وسمع المسلمون بذلك فأقاموا فى معان ليلتين يفكرون فى أمرهم ’ وقالوا نكتب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره بعدد عدونا ’ فشجعهم عبد الله ابن رواحة وقال لهم : يا قوم والله إن التى تكرهون للتى خرجتم تطلبون الشهادة ’ وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ’ وما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذى أكرمنا الله ’ فانطلقوا فإنما هى إحدى الحسنيين : إما ظهور أو شهادة .
والتقى المسلمون بأعدائهم قبيل الكرك ’ وقد إجتمع منهم ما لا قبل لأحد به من العدد و السلاح والعتاد ’ فأخذ اللواد زيد ابن حارثة فقاتل وقاتل المسلمون معه حتى قتل رضى الله عنه طعنا بالرماح ’ ثم أخذ اللواد جعفر ابن أبى طالب فأبلى بلاء عظيماً حتى إذا ألحمه القتال نزل عن فرسه فعقرها ثم إنطلق يشتد فى قتال القوم وهو يرتجز :

يا حبذا لاجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها
والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها
علىّ إذ لاقيتها ضرابها
وظل يقاتل حتى قتل رضى الله عنه ’ ضربه رجل من الروم فقده نصفين ’ فوجد فى جسده خمسون طعنة ’ ليس منها شىء فى ظهره ! .... ثم أخذ اللواء عبد الله ابن رواحة وانطلق يرتجز قائلاً :

أقسمت يا نفس لتنزلنه لتنزلن أو لتكرهنه
إن أجلب الناس وشدّوا الرنة مالى أراك تكرهين الجنة
قد طال ما كنت مطمئنة هل أنت إلا نطفة فى شنّة
ولم يزل يقاتل حتى قتل رضى الله عنه ’ ثم إتفق الناس على إمرة خالد ابن الوليد فأخذ اللواء ’ وقاتل المشركين حتى إنهزموا ’ فانحاز بجيشه حينئذ عائداً الى المدينة .
روى البخارى عن أنس رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم نعى زيداً وجعفراً وعبد الله ابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم ’ فقال : أخذ الراية زيد فأصيب ’ ثم أخذ جعفر فأصيب ’ ثم أخذ ابن رواحة فأصيب - وعيناه تذرفان - حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله ’ حتى فتح الله عليهم .
وهذا الحديث يدل كما ترى على أن الله أيد المسلمين بالنصر اخيراً ’ وليس كما قال بعض الرواة للسيرة أن المسلمين انهزموا وتفرقوا ’ وعادوا بعد ذلك الى المدينة ولعل المقصود من الذين قالوا هذا ’ أن المسلمين لم يتبعوا الروم ومن معهم فى هزيمتهم ’ واكتفوا بانكشافهم عن مواقعهم ’ خوفاً على المسلمين ’ وانقلبوا عائدين الى المدينة ’ولا شك أنه تدبير حكيم من خالد ابن الوليد رضى الله عنه .
قال ابن حجر : وقع فى المغازى لموسى ابن عقبة - وهى أصح المغازى - قوله : ثم أخذه ( يعنى اللواء ) عبد الله ابن رواحة فقتل ’ ثم إصطلح المسلمون على خالد ابن الوليد ’ فهزم الله العدو وأظهر المسلمين ’ قال العماد ابن كثير : ويمكن الجمع بأن خالد ابن الوليد حاز المسلمين وبات ’ ثم أصبح وقد غير هيأة العسكر فجعل الميمنة ميسرة و الميسرة ميمنة ’ ليتوهم العدو أن مدداً قد جاء المسلمين ’ فحمل عليهم خالد فولوّا فلم يتبعوهم ورأى الرجوع بالمسلمين هى الغنيمة الكبرى .
ولما دنوا الى المدينة ’ تلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقيهم الصبيان يسرعون فقال : خذوا الصبيان فاحملوهم وأعطونى ابن جعفر ! فأتى بعبد الله فحمله بين يديه ... وجعل الناس يصيحون بالجيش : يا فرار ’ فررتم فى سبيل الله .... فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ليسوا الفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله .
العبر و العظات
أهم ما يثير الدهشة فى هذه الغزوة تلك النسبة الكبيرة من الفرق بين عدد المسلمين فيها وعدد مقاتليهم من الروم و المشركين العرب ! ... لقد رأيت أن عدد المشركين ومن معهم من الروم قد بلغ مائتين ألف مقاتل ! ... وذلك على ما رواه ابن اسحاق وابن سعد وعامة كتاب السيرة على حين أن عدد المسلمين لم يتجاوز ثلاثة آلاف مقاتل ’ ومعنى ذلك أن عدد المشركين والروم قد بلغوا ما لا يقل عن خمسين ضعف من عدد المسلمين !.
وهى نسبة إذا ما تصورتها ’ تجعل رقعة الجيش الإسلامىأمام حشود الروم و المشركين ’ أشبه ما تكون بساقية ماء صغيرة بالنسبة الى بحر خضم مائج ’ هذا الى ما كان قد جهز به جيش الأعداء من العدة و الذخيرة و السلاح ومظاهر الأبهة و البذخ ’ على حين أن المسلمين كانوا يعانون من ذلك القلة والفقر ! .
ومكان الدهشة فى الأمر ’ أن تجد المسلمين بعد هذا كله - وهم سرية ليس فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم - مقبلين غير مدبرين ’ لا يقيمون لكل هذه الحشود الهائلة أمامهم وزناً ’ مع أ،ها فيما يبدو ويظهر لو إلتفت من حولهم وطوقتهم من جهاتهم ’ لانقلبوا الى ما يشبه نواة صغيرة فى جوف قطعة أرض سوداء ! ..

ثم إن مكان الدهشة بعد ذلك ’ أن يصمد المسلمون لقتال هذا اليم المتلاطم ’ يقتل أميرهم الأول ’ ثم الثانى ’ ثم الثالث ’ وهم يقتحمون أبواب الشهادة فى نشوة بالغة وإقبال عجيب ’ حتى يدخل الرعب الإلهى فى أفئدة كثير من المشركين ’ دون أن يكون له سبب ظاهر ’ فينكشفون عن مواقعهم ويدبر منهم الكثير ’ وتقتل منهم خلائق لا تكاد تحصى !..
ولكن الدهشة كلها تزول ’ والعجب ينتهى ’ إذا تذكرنا ما يفعله الإيمان بالله و الإعتماد عليه ’ واليقين بوعده . بل إن المدهش بالنسبة للمسلمين - إذا كانوا مسلمين - أن لا يكونوا كذلك و العجيب فيهم حقاً ’ أن يكونوا مسلمين ثم يكون لأرقام العدد و العدة حساب مع ذلك فى أفكارهم ’ الى جانب ما وعد الله به من نصر و تأييد ’ أو جنة ونعيم خالدين ! ... فالمسلمون كما قال عبد الله ابن رواحة رضى الله عنه - لا يقاتلون بعدد ولا قوة ولا كثرة ’ وإنما يقاتلون بهذا الدين الذى أكرمهم الله به . ثم إن هذه الغزوة تنطوى على عظات و دلالات باهرة كثيرة ’ نذكر منها ما يلى :
أولاً:- دلت توصية النبى صلى الله عليه وسلم على أنه يجوز للخليفة أو رئيس المسلمين أن يعلق إمارة أحد الناس بشرط وأن يولى المسلمين عدة أمراء بالترتيب كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم فى تولية زيد ثم جعفر ثم عبد الله ابن رواحه ’ قال العلماء : و الصحيح أنه إذا أمر الخليفة بذلك فإن ولاية الكل تنعقد بوقت واحد فى الحال ’ ولكنها لا تنفذ إلا مرتبة .
ثانياً:- دلت توصية الرسول صلى الله عليه وسلم أيضاً على مشروعية إجتهاد المسلمين فى إختيار أميرهم . إذا غاب أميرهم ’ أو وكل إليهم الخليفة إختيار من يرون ’ وقال الطحاوى : هذا أصل يؤخذ منه أن على المسلمين أن يقدموا رجلاً إذا غاب الإمام يقوم مقامه الى ان يحضر . كما دلت التوصية على مشروعية إجتهاد المسلمين فى حياة النبى صلى الله عليه وسلم .
ثالثاً:- لقد رأيت أن النبى صلى الله عليه وسلم نعى لأصحابه زيداً وجعفر وابن رواحة وعيناه تذرفان وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم مسافات بعيدة ’ وهذا يدل على أن الله تعالى قد زوى لرسوله الأرض فأصبح يرى من شأن المسلمين الذين يقاتلون على مشارف الشام ’ ما حدّث أصحابه به ’ وهى من جملة الخوارق الكثيرة التى أكرم الله بها حبيبه صلى الله عليه وسلم .
كما يدل هذا الحديث نفسه على مدى شفقته على أصحابه ’ فلم يكن شيئاً قليلاً أن يبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف فى أصحابه يحدثهم عن خبر هؤلاء الشهداء ’ وأنت خبير أن بكاءه صلى الله عليه وسلم عليهم لا يتنافى مع الرضى بقضاء الله تعالى وقدره فإن العين لتدمع و القلب ليحزن - كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم - وتلك رقة طبيعية ورحمة فطر الله الإنسان عليهما .
رابعاً:- وحديث نعيه صلى الله عليه وسلم لهؤلاء الشهداء الثلاثة ’ يسجل فضلاً خاصاً لخالد ابن الوليد رضى الله عنه ’ فقد قال لهم فى آخر حديثه : حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم . وتلك أول وقعة يحضرها خالد رضى الله عنه فى صف المسلمين ’ إذ لم يكن قد مضى على إسلامه إلا مدة يسيرة ’ ومن هنا تعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذى سجل لقب سيف الله ’ لخالد رضى الله عنه.ولقد أبلى خالد رضى الله عنه فى هذه الغزوة بلاء رائعاً ’ روى البخارى عنه رضى الله عنه قال : لقد إنقطعت فى يدى يوم مؤتة تسعة أسياف ’ فما بقى فى يدى إلا صفيحة يمانية ’ قال ابن حجر وهذا الحديث يدل على أن المسلمين قد قتلوا من المشركين كثيراً ’هذا ’ وأما سبب قول الناس للمسلمين بعد رجوعهم الى المدينة : يا فرار ’ فررتم فى سبيل الله ’ فهو أنهم لم يتبعوا الروم ومن معهم فى هزيمتهم ’ وتركوا الأرض التى قاتلوا فيها كما هى ولم يكن ذلك شأنهم فى الغزوات السابقة ’ واكتفى خالد بذلك فكرّ عائداً الى المدينة ’ ولكنه كما رايت تدبيراً حكيماً من خالد ابن الوليد رضى الله عنه حفظاً للمسلمين وهيبتهم التى إنطبعت فى أفئدة الروم ’ ولذلك رد النبى صلى الله عليه وسلم عليهم قائلاً : ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله .

__________________

هجرة الرسول الى الطائف
هجرة الرسول الى الطائف
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 05-04-2010, 03:06 AM
الصورة الرمزية اميــرة الاحســاس
اميــرة الاحســاس اميــرة الاحســاس غير متواجد حالياً
ميداليه ماسيه
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
الدولة: egypt
المشاركات: 11,472
افتراضي فتح مكــة

فتح مكــة
وكان ذلك فى رمضان سنة ثمان من هجرة النبى صلى الله عليه وسلم الى المدينة ’ وسببها أن أناساً من بنى بكر ’ كلموا أشراف قريش فى أن يعينوهم على خزاعة بالرجال و السلاح ( وخزاعة كانت قد دخلت فى عهد المسلمين ) فأجابوهم الى ذلك ’ وخرج حشد من قريش متنكرين كتنقبين فيهم صفوان ابن أمية ’ وحويطب ابن عبد العزى ومكرز ابن حفص ’ فالتقوا مع بنى بكر فى مكان إسمه ( الوتير ) و بيتوا خزاعة ليلاً وهم مطمئنون آمنون ’ فقتلوا منهم عشرين رجلاً ’ وعندئذ خرج عمرو ابن سالم الخزاعى فى أربعين راكباً من خزاعة ’ فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرونه بما أصابهم ’ فقام وهو يجر رداءه قائلاً لا نصرت إن لم أنصر بنى كعب ’ مما أنصر منه نفسى ) وقال إن هذا السحاب ليستهل بنصر بنى كعب ).
وندمت قريش على ما بدر منها فأرسلت أبا سفيان ابن حرب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجدد الهدنة ويماددها ’ وقدم أبو سفيان على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه فلم يرد عليه شيئاً فذهب الى أبى بكر فكلمه أن يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما أنا بفاعل .
ثم أتى عمر ابن الخطاب فكلمه فقال : أأشفع لكم الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوالله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به ( و الذر صغار النمل ) .
وانطلق أبو سفيان عائداً الى مكة خائباً ’ لم يأت بشىء ! ’ وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أخفى أمره ’ وقال اللهم خذ على أبصار قريش فلا يرونى إلا بغتة ) .
ولما أجمع النبى صلى الله عليه وسلم المسير كتب حاطب ابن أبى بلتعة الى قريش يحذرهم من غارة عليهم من المسلمين ’ قال علىّ رضى الله عنه : فبعثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا و الزبير ’ و المقداد فقال إنطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ ’ فإن بها ظعينة ( إمرأة ) معها كتاب فخذوه منها ’ قال فانطلقنا تعادى بنا خيلنا ’ حتى أتينا الروضة ’ فإذا نحن بالظعينة ’ قلنا لها أخرجى الكتاب ’ قالت : ما معى كتاب ’ فقلنا : لتخرجنّ الكتاب أو لنلقينّ الثياب ’ قال : فأخرجته من عقاصها ’ فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ فإذا فيه : من حاطب ابن أبى بلتعة الى ناس بمكة من المشركين يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا حاطب ما هذا ؟ قال : يا رسول الله لا تعجل علىّ ’ إنى كنت إمرأً ملصقاً فى قريش- أى كنت حليفاً لهم ولست منهم - وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم ’ فأحببت إذ فاتنى ذلك من النسب فيهم ’ أن أتخذ عندهم يداً يحمون قرابتى ’ ولم أفعله إرتداداً عن دينى ولا رضى بالكفر بعد الإسلام ’ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه قد صدقكم ’ فقال عمر : يا رسول الله دعنى أضرب عنق هذا المنافق ’ فقال : إنه قد شهد بدراً وما يدريك لعل الله إطلع على من شهد بدراً فقال : إعملوا ما شئتم قد غفرت لكم ’ فأنزل الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق ) الآيات الى قوله تعالى : فقد ضل سواء السبيل .
واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة كلثوم ابن حسين ’ وخرج يوم الأربعاء لعشر ليال خلون من شهر رمضان بعد العصر ’ وأرسل النبى صلى الله عليه وسلم الى من حوله من العرب : أسلم وغفار ومزينة ’ وجهينة وغيرهم ’ فالتقى كلهم فى الظهران - مكان بين مكة و المدينة - وقد بلغ عدد المسلمين عشرة آلاف ’ ولم تكن الأنباء قد وصلت قريشاً بعد ’ ولكنهم كانوا يتوقعون أمراً بسبب فشل أبى سفيان فيما جاء به الى المدينة ’ فأرسلوا أبا سفيان ’ وحكيم ابن حزام ’ وبديل ابن ورقاء ليلتمسوا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبلوا يسيرون ’ حتى دنوا الى مر الظهران فإذا هم بنيران عظيمة ’ فبينما هم يتساءلون فيما بينهم عن هذه النيران ’ إذ رآهم أناس من حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا بهم الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم أبو سفيان .
قال ابن اسحاق : يروى عن العباس تفصيل إيمان أبو سفيان : فلما أصبح غدوت به الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ويحك يا ابا سفيان ’ ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله ؟ قال : بأبى أنت وأمى ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ! ’ والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عنى شيئاً بعد ’ وقال : ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أنى رسول الله ؟ قال : بأبى أنت و أمى ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ’ أما هذه والله فإن فى النفس منها حتى الآن شيئاً ’ فقال له العباس : ويحك ّ ... أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله قبل أن تضرب عنقك ’ قال : فشهد شهادة الحق فأسلم .
قال العباس : فقلت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئاً ’ قال : نعم ’ من دخل بيت أبى سفيان فهو آمن ’ ومن أغلق بابه فهو آمن ’ ومن دخل المسجد فهو آمن .
فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم المسير مقبلاً الى مكة ’ قال للعباس : إحبس أبا سفيان بمضيق الوادى حتى تمر به جنود الله فيراها ’ قال : فخرجت حتى حبسته عند مضيق الوادى حيث أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحبسه ’ ومرت القبائل عليها راياتها ’ كلما مرت قبيلة قال يا عباس من هذه ؟ فأقول : سليم فيقول مالى وسليم ؟ ...وهكذا ’ حتى مرّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم فى كتيبة فيها المهاجرين و الأنصار لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد ’ فقال : سبحان الله يا عباس ’ من هؤلاء ؟ قلت هذا رسول الله فى المهاجرين و الأنصار ! ... قال : ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة ’ والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيماً ! .. فقال : يا أبا سفيان إنها النبوة ’ قال : فنعم إذن .
ثم قال له العباس : النجاة الى قومك ! .. فأسرع أبو سفيان حتى دخل مكة قبل أن يصلها رسول الله وصرخ بأعلى صوته : يا معشر قريش ’ هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به ’ فمن دخل دار أبى سفيان فهو آمن . فأقبلت إليه إمرأته هند بنت عتبة ’ فأخذت بشاربه وهى تقول : اقتلوا الحميت الدمس الأحمس ’ قبح من طليعة قوم ! فقال : ويلكم لاتغرنكم هذه من نفوسكم ’ فإنه قد جاءكم بما لا قبل لكم به ’ فمن دخل دار أبى سفيان فهو آمن ’ قالوا قاتلك الله ’ وما تغنى عنا دارك ؟ قال : ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ’ ومن دخل المسجد فهو آمن فتفرق الناس الى دورهم وإلى المسجد .
وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سعد ابن عبادة قال لأبى سفيان عندما رآه فى مضيق الوادى ’ اليوم يوم الملحمة ’ اليوم تستحل الكعبة ’ فلم يرض رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله هذا ’ وقال : بل اليوم يوم المرحمة ’ اليوم يعظم الله الكعبة ’ وأمر قادة جيوشه أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم ’ إلا ستة رجال وأربعة نسوة ’ أمر بقتلهم حيثما وجدوا ’ وهم : عكرمة ابن أبى جهل ’ وهبّار ابن الأسود ’ وعبد الله ابن أبى سرح ’ ومقيس ابن صبابة الليثى ’ والحويرث ابن نقيد ’ وعبد الله ابن هلال ’ وهند بنت عتبة ’ وسارة مولاة عمرو ابن هشام ’ وفرتنى وقرينة ( وكانتا جاريتين تتغنيان دائما بهجاء النبى صلى الله عليه وسلم ) .
ودخل النبى صلى الله عليه وسلم مكة من أعلاها ( كداء ) وأمر خالد ابن الوليد أن يدخل بمن معه من أسفلها ( كدى ) ’ فدخل المسلمون مكة من حيث أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ ولم يجد أحد منهم مقاومة ’ إلا خالد ابن الوليد فقد لقيه جمع من المشركين فيهم عكرمة ابن أبى جهل وصفوان ابن أمية ’ فقاتلهم خالد فقتل منهم أربعة وعشرين من قريش ’وأربعة نفر من هذيل ’ ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بارقة السيوف من بعيد ’ فأنكر ذلك ’ فقيل له : إنه خالد قوتل فقاتل ’ فقال : ( قضاء الله خير ) .
روى ابن اسحاق عن عبد الله ابن أبى بكر و الحاكم عن أنس ’ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما إنطوى الى ذى طوى وقف على راحلته معتجراً ( متعمماً ) بشقة بردة حبرة ’ وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضع رأسه تواضعاً لله ’ حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح ’ حتى إن عنثونه ليكاد يمس واسطة الرحل . وروى البخارى عن معاوية ابن قرة قال : سمعت عبد الله ابن مغفل يقول : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة على ناقته وهو يقرأ سورة الفتح ’ يرجع ’ وقال لولا أن يجتمع الناس حولى لرجعت كما رجع .
ودخل صلى الله عليه وسلم مكة متجهاً الى البيت ’ وحوله ثلاثمائة وستون صنماً ’ فجعل يطعنها الواحدة تلو الأخرى بعود فى يده ’ وهو يقول : جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ’ جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد . وكان فى جوف الكعبة ايضاً آلهة ’ فأبى أن يدخل وفيها الآلهة ’وأمر بها فأخرجت وأخرجت صور لإبراهيم وإسماعيل فى أيديهما الأزلام ’ فقال النبى صلى الله عليه وسلم ’ قاتلهم الله لقد علموا ما استقسما بها قط ’ ثم دخل البيت فكبر فى نواحى البيت وخرج ولم يصل فيه .
وكان قد أمر عثمان ابن طلحة ( وهو من حجبة البيت ) أن يأتيه بالمفتاح ’ فجاءه به ففتح البيت ’ ثم دخل النبى صلى الله عليه وسلم البيت ’ ثم خرج فدعا عثمان ابن طلحة فدفع إليه المفتاح ’ وقال : خذوها خالدة مخلدة ’ إنى لم أدفعها إليكم ( أى حجابة البيت ) ولكن الله دفعها إليكم ’ ولا ينزعها منكم إلا ظالم ’ يشير بذلك الى قوله تعالى ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات الى أهلها ) .
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يلالاً فصعد فوق ظهر الكعبة فأذن للصلاة ’ وأقبل الناس كلهم يدخلون فى دين الله أفواجاً .
قال ابن اسحاق : وأمسك النبى صلى الله عليه وسلم بعضادتى باب الكعبة وقد إجتمع الناس من حوله ما يعلمون ماذا يفعل بهم ’ فخطب فيهم قائلاً : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ’ صدق وعده ونصر عبده ’وهزم الأحزاب وحده ’ ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدّعى تحت قدمىّ هاتين ’ إلا سدانة البيت و سقاية الحاج ... ’ يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء ’ الناس من آدم ’ وآدم من تراب ’ وتلا قول الله تعالى يا ايها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ’ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) ’ ثم قال : يا معشر قريش : ما ترون أنى فاعل بكم ؟ قالوا : خيراً ’ أخ كريم وابن أخ كريم ’ فقال : إذهبوا فأنتم الطلقاء .
واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة كلثوم ابن حسين ’ وخرج يوم الأربعاء لعشر ليال خلون من شهر رمضان بعد العصر ’ وأرسل النبى صلى الله عليه وسلم الى من حوله من العرب : أسلم وغفار ومزينة ’ وجهينة وغيرهم ’ فالتقى كلهم فى الظهران - مكان بين مكة و المدينة - وقد بلغ عدد المسلمين عشرة آلاف ’ ولم تكن الأنباء قد وصلت قريشاً بعد ’ ولكنهم كانوا يتوقعون أمراً بسبب فشل أبى سفيان فيما جاء به الى المدينة ’ فأرسلوا أبا سفيان ’ وحكيم ابن حزام ’ وبديل ابن ورقاء ليلتمسوا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبلوا يسيرون ’ حتى دنوا الى مر الظهران فإذا هم بنيران عظيمة ’ فبينما هم يتساءلون فيما بينهم عن هذه النيران ’ إذ رآهم أناس من حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا بهم الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم أبو سفيان .
قال ابن اسحاق : يروى عن العباس تفصيل إيمان أبو سفيان : فلما أصبح غدوت به الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ويحك يا ابا سفيان ’ ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله ؟ قال : بأبى أنت وأمى ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ! ’ والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عنى شيئاً بعد ’ وقال : ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أنى رسول الله ؟ قال : بأبى أنت و أمى ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ’ أما هذه والله فإن فى النفس منها حتى الآن شيئاً ’ فقال له العباس : ويحك ّ ... أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله قبل أن تضرب عنقك ’ قال : فشهد شهادة الحق فأسلم .
قال العباس : فقلت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئاً ’ قال : نعم ’ من دخل بيت أبى سفيان فهو آمن ’ ومن أغلق بابه فهو آمن ’ ومن دخل المسجد فهو آمن .
فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم المسير مقبلاً الى مكة ’ قال للعباس : إحبس أبا سفيان بمضيق الوادى حتى تمر به جنود الله فيراها ’ قال : فخرجت حتى حبسته عند مضيق الوادى حيث أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحبسه ’ ومرت القبائل عليها راياتها ’ كلما مرت قبيلة قال يا عباس من هذه ؟ فأقول : سليم فيقول مالى وسليم ؟ ...وهكذا ’ حتى مرّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم فى كتيبة فيها المهاجرين و الأنصار لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد ’ فقال : سبحان الله يا عباس ’ من هؤلاء ؟ قلت هذا رسول الله فى المهاجرين و الأنصار ! ... قال : ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة ’ والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيماً ! .. فقال : يا أبا سفيان إنها النبوة ’ قال : فنعم إذن .
ثم قال له العباس : النجاة الى قومك ! .. فأسرع أبو سفيان حتى دخل مكة قبل أن يصلها رسول الله وصرخ بأعلى صوته : يا معشر قريش ’ هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به ’ فمن دخل دار أبى سفيان فهو آمن . فأقبلت إليه إمرأته هند بنت عتبة ’ فأخذت بشاربه وهى تقول : اقتلوا الحميت الدمس الأحمس ’ قبح من طليعة قوم ! فقال : ويلكم لاتغرنكم هذه من نفوسكم ’ فإنه قد جاءكم بما لا قبل لكم به ’ فمن دخل دار أبى سفيان فهو آمن ’ قالوا قاتلك الله ’ وما تغنى عنا دارك ؟ قال : ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ’ ومن دخل المسجد فهو آمن فتفرق الناس الى دورهم وإلى المسجد .
وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سعد ابن عبادة قال لأبى سفيان عندما رآه فى مضيق الوادى ’ اليوم يوم الملحمة ’ اليوم تستحل الكعبة ’ فلم يرض رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله هذا ’ وقال : بل اليوم يوم المرحمة ’ اليوم يعظم الله الكعبة ’ وأمر قادة جيوشه أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم ’ إلا ستة رجال وأربعة نسوة ’ أمر بقتلهم حيثما وجدوا ’ وهم : عكرمة ابن أبى جهل ’ وهبّار ابن الأسود ’ وعبد الله ابن أبى سرح ’ ومقيس ابن صبابة الليثى ’ والحويرث ابن نقيد ’ وعبد الله ابن هلال ’ وهند بنت عتبة ’ وسارة مولاة عمرو ابن هشام ’ وفرتنى وقرينة ( وكانتا جاريتين تتغنيان دائما بهجاء النبى صلى الله عليه وسلم ) .
ودخل النبى صلى الله عليه وسلم مكة من أعلاها ( كداء ) وأمر خالد ابن الوليد أن يدخل بمن معه من أسفلها ( كدى ) ’ فدخل المسلمون مكة من حيث أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ ولم يجد أحد منهم مقاومة ’ إلا خالد ابن الوليد فقد لقيه جمع من المشركين فيهم عكرمة ابن أبى جهل وصفوان ابن أمية ’ فقاتلهم خالد فقتل منهم أربعة وعشرين من قريش ’وأربعة نفر من هذيل ’ ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بارقة السيوف من بعيد ’ فأنكر ذلك ’ فقيل له : إنه خالد قوتل فقاتل ’ فقال : ( قضاء الله خير ) .
روى ابن اسحاق عن عبد الله ابن أبى بكر و الحاكم عن أنس ’ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما إنطوى الى ذى طوى وقف على راحلته معتجراً ( متعمماً ) بشقة بردة حبرة ’ وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضع رأسه تواضعاً لله ’ حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح ’ حتى إن عنثونه ليكاد يمس واسطة الرحل . وروى البخارى عن معاوية ابن قرة قال : سمعت عبد الله ابن مغفل يقول : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة على ناقته وهو يقرأ سورة الفتح ’ يرجع ’ وقال لولا أن يجتمع الناس حولى لرجعت كما رجع .
ودخل صلى الله عليه وسلم مكة متجهاً الى البيت ’ وحوله ثلاثمائة وستون صنماً ’ فجعل يطعنها الواحدة تلو الأخرى بعود فى يده ’ وهو يقول : جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ’ جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد . وكان فى جوف الكعبة ايضاً آلهة ’ فأبى أن يدخل وفيها الآلهة ’وأمر بها فأخرجت وأخرجت صور لإبراهيم وإسماعيل فى أيديهما الأزلام ’ فقال النبى صلى الله عليه وسلم ’ قاتلهم الله لقد علموا ما استقسما بها قط ’ ثم دخل البيت فكبر فى نواحى البيت وخرج ولم يصل فيه.
وكان قد أمر عثمان ابن طلحة ( وهو من حجبة البيت ) أن يأتيه بالمفتاح ’ فجاءه به ففتح البيت ’ ثم دخل النبى صلى الله عليه وسلم البيت ’ ثم خرج فدعا عثمان ابن طلحة فدفع إليه المفتاح ’ وقال : خذوها خالدة مخلدة ’ إنى لم أدفعها إليكم ( أى حجابة البيت ) ولكن الله دفعها إليكم ’ ولا ينزعها منكم إلا ظالم ’ يشير بذلك الى قوله تعالى ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات الى أهلها ) .
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يلالاً فصعد فوق ظهر الكعبة فأذن للصلاة ’ وأقبل الناس كلهم يدخلون فى دين الله أفواجاً .
قال ابن اسحاق : وأمسك النبى صلى الله عليه وسلم بعضادتى باب الكعبة وقد إجتمع الناس من حوله ما يعلمون ماذا يفعل بهم ’ فخطب فيهم قائلاً : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ’ صدق وعده ونصر عبده ’وهزم الأحزاب وحده ’ ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدّعى تحت قدمىّ هاتين ’ إلا سدانة البيت و سقاية الحاج ... ’ يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء ’ الناس من آدم ’ وآدم من تراب ’ وتلا قول الله تعالى يا ايها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ’ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) ’ ثم قال : يا معشر قريش : ما ترون أنى فاعل بكم ؟ قالوا : خيراً ’ أخ كريم وابن أخ كريم ’ فقال : إذهبوا فأنتم الطلقاء .

رابعاً:- تأملات فى كيفية دخوله صلى الله عليه وسلم الى مكة :
1- لقد رأينا فيما يرويه البخارى عن عبد الله ابن مغفل أنه صلى الله عليه وسلم كان وهو على مشارف مكة يقرأ سورة الفتح ’ يرجّع فى تلاوته لها ’ والترجيع كيفية فى القراءة يترنم بها القارىء ’ وهذا يدل كما نرى أنه صلى الله عليه وسلم كان مستغرقاً فى حالة شهود مع الله تعالى أثناء دخوله مكة ’ فما كانت لنشوة النصر و الظفر العظيم الى نفسه من سبيل ولم يكن شىء من التعاظم أو التجبر ليستولى على شىء من مشاعره ’ إنما هو الإنسجام التام مع شهود الله تعالى و الشكر على نصره وتأييده . ويزيد فى تصوير هذا المعنى ما رواه ابن اسحاق من أنه صلى الله عليه وسلم لما وصل الى ذى طوى كان يضع راسه تواضعاً لله ’ حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح ’ حتى أن عنثونه ليكاد يمس واسطة الرحل ’ وهذا يعنى أنه صلى الله عليه وسلم كان مندمجاً فى حالة من العبودية التامة لله تعالى إذ رأى ثمرة القيام بأمر ربه ’ ونظر الى نتيجة كل ما قد كان لقيه من العذاب من قومه ’ وكيف أن الله تعالى أعاده الى البلد التى أخرجته عزيزاً منصوراً مكرماً !.. إنها الساعة التى ينبغى أن تمتلىء بشكر الله تعالى وحده ’ و ينبغى أن يفيض الزمن كله بمعنى العبودية التامة لله تعالى .
وهكذا يجب أن تكون حال المسلمين دائماً : عبودية مطلقة لله فى السراء و الضراء ’فى الرخاء و الشدة ’ عند الضعف و القوة ’ وليس من شأن المسلين إطلاقاً ’ أن يتظاهروا بالذل لله تعالى كلما حاقت بهم مصيبةأو كرب ’ حتى إذا إنكشف الكرب وزال الضر ’ أسكرتهم الفرحة بل أسكرهم الطغيان عن كل شىء ’ ومرّوا من جانب أوامر اله تعالى وأحكامه ساهين لا هين ’ كأن لم يدعوه الى ويتذللوا غليه فى كشف ضر مسّهم !..
2- يدلنا أيضا هذا الذى رواه البخارى على مشروعية الترنم و التغنى بقراءة القرآن وهو المعنىى الذى عبر عنه عبد الله ابن المغفل بالترجيع ’ وهو الحق الذى عليه عامة العلماء من الشافعية و الحنفية وكثير من المالكية وغيرهم . ولقد حمل هؤلاء الأئمة ما روى عن كثير من الصحابة و التابعين مما يدل علىالنهى عن التطريب و التغنى فى تلاوة القرآن ’ على التطريب الذى يطغى على سلامة الأداء ويذهب بالحروف و الكلمات عن مخارجها العربية الصحيحة ’ إذ أن مثل هذه التلاوة غير جائزة بإتفاق .
3- لقد كان التدبير الحكيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ’ ما أمر به أصحابه من أن يتفرقوا فى مداخل مكة ’ فلا يدخلوها من طريق ومدخل واحد ’ وذلك بغية تفويت فرصة القتال على أهل مكة إن أرادوا ذلك إذ يضطرون الى تشتيت جماعاتهم وتبديد قواهم فى جهات مكة وأطرافها فتضعف لديهم أسباب المقاومة و مغرياتها .
وإنما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ’ حقناً للدماء ما أمكن ’ وحفظاً لمعنى السلامة والأمن فى البلدة الحرام ’ ومن أجل هذا أمر المسلمين أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم وأعلن أن من دخل داره وأغلق بابه فهو آمن .

خامساً :- ما اختص به الحرم المكى من الأحكام :
1- حرمة القتال فيه :
لقد رأينا أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى أصحابه عن قتال أحد ’ إلا أن يبدأ أناس المسلمين بالقتال ’ و إلا ستة أنفار أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلهم اينما وجدوا .
ولقد رأينا انه صلى الله عليه وسلم أنكر على خالد ابن الوليد قتاله لبعض اهل مكة حينما راى بارقة السيوف على بعد ’ فقيل له إنه قوتل فقاتل ’ فقال : قضاء الله خير ’ ولم يقع فيما عدا ذلك قتال فى مكة كما رأينا أنه صلى الله عليه وسلم قال فيما خطب به الناس يوم الفتح : إن مكة حرمها الله ’ ولم يحرمها الناس ’ لا يحل لإمرىء يؤمن بالله و اليوم الآخر أن يسفك بها دماً ولا يعضد به شجراً ’ فإن ترخص فى قتال فيها فقولوا : إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم ’ وإنما أذن له ساعة من نهار ’ وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس .
وقد أخذ العلماء من هذا أنه لا يجوز القتال فى مكة وما يتبعها من الحرم ’ وهو صريح أمر النبى صلى الله عليه وسلم فى خطبة يوم الفتح ’ ولكنهم بحثوا بعد هذا ’ فى كيفية تطبيق هذا الأمر ’ وسبيل التوفيق بينه وبين النصوص التى تأمر بقتال المشركين و البغاة وقتل من ثبت عليهم القصاص ’ فقالوا : أما المشركون و الملحدون فلا يتصور أن تقع المشكلة بالنسبة لقتالهم ’ فقد ثبت شرعاً أنه لا يجوز شرعاً تمكين أحد يدين بغير الإسلام من الإستيطان بمكة ’ بإتفاق الأئمة ’ بل ومن مجرد الدخول إليها عند الشافعية وكثير من المجتهدين ’ وذلك لقول الله تعالى إنما المشركون نجس فلا يدخلوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ) وعلى من فيها أن يقاتلوا هؤلاء قبل وصولهم إليها و الدخول فيها ’ هذا الى أن الله سبحانه وتعالى قد تكفل بحفظ حرمه من أن يدنس بإقامة أى كافر أو مشرك فيه ’ وذلك مظهر من مظاهر إعجاز هذا الدين الذى يتجلى فى صدق الوعد الذى جاء فى كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم .
وأما البغاة : - وهم الذين يعلنون البغى على الإمام الصالح - فقد ذهب جمهور من الفقهاء الى أنهم يقاتلون على بغيهم إذا لم يمكن ردّهم عن بغيهم إلا بالقتال ’ لأن قتال البغاة من حقوق الله تعالى التى لا يجوز إضاعتها ’ فحفظها أولى فى الحرم من إضاعتها ’ قال النووى : وهذا الذى نقل عن الجمهور هو الصواب وقد نص عليه الشافعى فى كتاب إختلاف الحديث .
قال الشافعى : ويجاب عما يقتضيه ظاهر الحديث من منع القتال مطلقاً ( أى حتى للبغاة ) بأن القتال المقصود بالتحريم إنما هو نصب القتال عليهم وقتالهم بما يعم كالمنجنيق وغيره ’ إذا أمكن إصلاح الحال بدون ذلك ’ وأما إذا تحصن الكفار فى بلد آخر فإنه يجوز قتالهم حينئذ على كل وجه وبكل شكل.
وذهب بعض الفقهاء الى أنه يحرم قتال البغاة بل يضيق عليهم فى كل الوجوه حتى يضطروا الى الخروج من الحرم أو الرجوع الى الطاعة .
وأما إقامة الحدود : فقد ذهب الإمام مالك و الشافعى إلى أن الحدود تقام فى الحرم المكى ’ لما رواه البخارى من أن النبى صلى الله عليه وسلم قال إن الحرم لا يعيذ عاصياً ولا فاراً بدم ولا فاراً بخربة ) .
وذهب ابو حنيفة - وهو رواية عن أحمد - إلى أنه آمن ما دام فى الحرم ولكن يضيق عليه ويضطر الى الخروج منه ’ حتى إذا خرج استوفى منه الحد أو القصاص ’ ودليل هؤلاء عموم ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال الزركشى : فوجه الخصوصية إذاً للحرم المكى ’ إن الكفار و البغاة لو تحصنوا بغير مكة من البلدان الأخرى جاز نصب حرب عامة شاملة عليهم على أى وجه وبأى شكل تقتضيه المصلحة ’ ولكنهم لو تحصنوا بها لم يجز قتالهم على ذلك الوجه ’ قلت : هذا الى جانب أن الله تعالى تعهد بأن يكون هذا الحرم موئلاً ومثابة للمسلمين وحدهم ’ وإذا كان الواقع كذلك ففيم يقوم سبب القتال فيه إذاً اللهم إلا إقامة الحدود ورد البغى وقد عرفت حكم كل منهما .

2- تحريم صيده :
وهذا ثابت بالإجماع لقوله صلى الله عليه وسلم فى الحديث المتفق عليه : لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ’ فإذا حرم التنفير فالإتلاف أولى ’ فإن أصاب صيداً فيه وجب عليه إرساله ’ وإن تلف فى يده ضمنه بالجزاء كالمحرم ’ ويستثنى من عموم الحيوانات خمسة أصناف استثناها رسول الله صلى الله عليه وسلم من عموم المنع وسماها الفواسق : الغراب و الحدأة ’ و العقرب ’ و الفأرة ’ و الكلب العقور ’ وقد قاس عليها العلماء ما يشاركها فى صفة الإيذاء من الحيوانات الأخرى كالحية و السباع الضارية .

3- تحريم قطع شىء من نباته :

ودليله قول الرسول صلى الله عليه وسلم فى الحديث السابق : لا يعضد شوكه ’ وضابط ذلك قطع كل نبات أنبته الله تعالى دون أن يغرسه أحد من الناس ما دام رطباً ’ فلا يحرم ما غرسه الآدميون ’ كما لا يحرم فيه ذبح الأنعام ’ واسترعاء خلاه ونباته وقطع ما يبس من أشجاره و أعشابه ’ وروى الزركشى عن أبى حنيفة وأحمد منع رعى البهائم فى الحرم ’ واستثنى الجمهور من عموم النباتات ما كان مؤذياً منها قياساً علىالفواسق الخمسة التى إستثناها صلى الله عليه وسلم ’ فهو من قبيل تخصيص النص بالقياس .

4- وجوب دخوله محرماً :
فمن قصد مكة - أو قصد شيئاً من حرمه كما قال النووى - وكان ممن لا يتكرر دخوله كالتجار و الحطابين ’ ومن تجبرهم مهنتهم على إستمرار الدخول الى الحرم و الخروج منه ’ أنه عليه أن لا يدخل إلا محرماً بحج أو عمرة . وقد إختلف العلماء هل يتعلق الطلب بذلك وجوباً أم ندباً ؟
المشهور عن الأئمة الثلاثة وهو المفتى به عند الحنفية و المروى عن ابن عباس أن الطلب على سبيل الوجوب ’ وذهب جمهور الشافعية إلى أنه على سبيل الندب . وسبب الخلاف أن النبى صلى الله عليه وسلم حينما دخل مكة يوم الفتح لم يكن محرماً بدليل ما رواه مسلم وغيره أنه صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء بغير إحرام .
فالذين قالوا إن الإحرام مندوب استدلوا بهذا الحديث ’ والذين صححوا الوجوب ’ قالوا إن النبى صلى الله عليه وسلم دخل خائفاً من غدر الكفار فكان متهيأ لقتال من سيقاتله منهم وهى من الحالات التى تستثنى من عموم حالات الوجوب .

5- حرمة تمكين غير المسلمين من الإقامة فيه :
وقد أوضحنا هذا الحكم مع بيان دليله عند ذكر الحكم الأول ’ وهو حرمة القتال فيه .

سادساً :- تأملات فيما قام به صلى الله عليه وسلم من أعمال عند الكعبة المشرفة :
1- الصلاة داخل الكعبة :ذكرنا ما رواه البخارى عن ابن عباس من أنه صلى اله عليه وسلم لم يدخل البيت حتىأخرج ما كان فيه من أصنام ’ وأخرجت صورة لإبراهيم وإسماعيل وفى أيديهما الأزلام ... ثم دخل البيت فكبر فى نواحيه ولم يصل .
وقد روى مسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة هو وأسامة وبلال وعثمان ابن طلحة الحجى ’ فأغلقها عليه ثم مكث فيها ’ قال ابن عمر : فسألت بلالاً حين خرج ما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : جعل عمودين عن يساره وعموداً عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه- وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة - ثم صلى ’ وقد روى البخارى عن ابن عمر قريباً من هذا .
وقد قال العلماء إنه لا تعارض بين الحديثين ’وذلك لأن ابن عباس - وهو راوى حديث عدم الصلاة - لم يكن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم داخل الكعبة ’ وإنما أسند نفى الصلاة - كما يقول ابن حجر - تارة الى اسامة وتارة الى أخيه الفضل ’ على أن الفضل أيضاً لم يكن معهم فى الكعبة ’ أما بلال وهو الذى نقل ثبوت الصلاة فقد كان مع النبى صلى الله عليه وسلم وبناءاً على هذا ينبغى أن أن يقدم حديث ابن عمر عن بلال لسببين :
الأول :- أنه مثبت فمعه زيادة علم ’والمثبت مقدم على المنفى .
الثانى :- أن رواية بلال عن تثبت ومشاهدة لأنه كان معه صلى الله عليه وسلم فى داخل الكعبة ’ أما رواية ابن عباس فهى كما علمت إنما تستدل الى نقل لا مشاهدة ’ وهو مرة ينقل عن أسامة ومرة ينقل عن أخيه الفضل ’ والفضل لم يكن موجوداً معه صلى الله عليه وسلم .
قال النووى : أجمع أهل الحديث على الأخذ برواية بلال ’ لأنه مثبت فمعه زيادة علم فواجب ترجيحه .
وقد ذهب الشافعى وأحمد وأبو حنيفة وجمهور العلماء الى أن الصلاة تصح فى داخل الكعبة إذا اتجه المصلى الى أحد جدرانها ’ سواء فى ذلك النافلة والفريضة ’ وفرق مالك فصحح النفل المطلق دون الفرض و الرواتب .

2- حكم التصوير واتخاذ الصور :
وقد رأيت فيما نقلناه من حديث البخارى نفسه أنه صلى الله عليه وسلم لم يدخل الكعبة حتى أخرج كل ما فيها من صور وأصنام وقد روى أبو داود عن جابر رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم أمر عمر ابن الخطاب ’ وهو بالبطحاء ’أن يأتى الكعبة فيمحو كل صورة فيها ’ فلم يدخلها حتى محيت الصور ’ وقد روى البخارى فى كتاب الحج عن أسامة أنه صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة فرأى صورة إبراهيم ’ فدعا بماء فجعل يمحوها .
وهذه الأحاديث فى مجموعها تدل على أنه صلى الله عليه وسلم ’ أمر بالرسوم المخطوطة على الجدران فمحيت ’ كما أمر بالصور المجسمة القائمة فى جوفها فأخرجت ’ويبدو أنه حينما دخل بعد ذلك وجد آثاراً لتلك الرسوم على بعض الجدران فدعا بماء وجعل يبالغ فى حتها ومحوها . وهذا يدل بوضوح على حكم الإسلام فى حق التصوير و الصور المجسمة و غير المجسمة ’ ولننقل لك من ذلك نص الإمام النووى رحمه الله تعالى فى شرحه على صحيح مسلم قال قال أصحابنا وغيرهم من العلماء : تصوير صورة الحيوان حرام شديد الحرمة ’ وهو من الكبائرلأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور فى الأحاديث ’ وسواء صنعه بما يمتهن أو بغيره ’ فصنعته حرام على كل حال ’ لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى ’ وسواء ما كان فى ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط أو غيرها ) .
أما تصوير الشجر ورحال الإبل وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان ’ فليس بحرام . هذا حكم نفس التصوير . وأما حكم اتخاذ المصوّر فيه صورة حيوان ’ فإن كان معلقاً على حائط أو ثوباً ملبوساً أو عمامة ونحو ذلك ’ مما لا يعد ممتهناً فحرام . وإن كان فى بساط يداس ومخدة ووسادة ونحوها مما يمتهن فليس بحرام ’ ولكن هل يمنع دخول الملائكة الرحمة ذلك البيت ؟ فيه كلام نذكره فيما بعد إن شاء الله ’ ولا فرق فى هذا كله بين ما له ظل وما لا ظل له . هذا تلخيص مذهبنا فى هذه المسألة .
وبمعناه قال جماهير العلماء من الصحابة و التابعين ومن بعدهم ’ وهو مذهب الثورى ومالك وأبو حنيفة وغيرهم ’ وقال بعضهم : إنما ينهى عما كان له ظل ولا بأس بالصورة التى ليس لها ظل ’ وهذا مذهب باطل ’ فإن الستر الذى أنكر النبى صلى الله عليه وسلم الصور فيه ’ لا يشك أحد أنه مذموم ’ وليس لصورته ظل ’ مع باقى الأحاديث المطلقة فى كل صورة ) .
ثم قال رحمه الله تعالى وأجمعوا على منع ما كان له ظل ’ ووجوب تغييره ’ قال القاضى إلا ما ورد فى لعب البنات : اللعب لصغار البنات ففى ذلك رخصة ) .
قلت : ويستشكل الناس فى حكم الصور الفوتوغرافية اليوم ’ هل هى فى حكم الرسوم و الصور التى ترسم وتخطط بمهارة اليد ’ أم لها حكم آخر .
وقد فهم بعضهم من علة حرمة التصوير التى ذكرها الإمام النووى فيما نقلناه من كلامه ’ أ، التصوير الفوتوغرافى ليس فى حكم الرسم باليد ’ إذ العمل الفوتوغرافى لا يقوم على أى مهارة فى الصنعة أو اليد ’ بحيث تتجلى فيها محاولةة المضاهاة بخلق الله تعالى ’ إذ هو يقوم على تحريك بسيط لناحية معينة فى جهاز التصوير ’ يتسبب عنه انحباس الظل فى داخله بواسطة أحماض معينة ’ وهى حركة بسيطة يستطيع أن يقوم بها أى طفل صغير ’ والحق أنه لا ينبغى أن تكلف أى فرق بين أنواع التصوير المختلفة حيطة فى الأمر ’ونظراً لإطلاق لفظ الحديث .
هذا فيما يتعلق بالتصوير ’ أما الإتخاذ فلا فرق بين الفوتوغرافى و غيره .
ولكن مهما يكن فإن لنوع الصور أثراً فى الحكم على التصوير واتخاذه ’ فإن كان الشىء المصور من قبيل المحرمات كصور النساء وما شابه ذلك فهو محرم ولا شك ’ وإن كان مما تدعو المصلحة والحاجة الى تصويره فربما كانت فى ذلك رخصة ’ والله أعلم .
ثم إنه ربما يعجب البعض من الناس اليوم من أن يكون التصوير أو النحت محرماً فى الإسلام مع أنهما يعدان من المقومات الفنية الكبرى لدى سائر الأمم المتحضرة فى هذا العصر ’ وسر العجب عند هؤلاء الناس ’ أنهم يتوهمون الإسلام متفقاً مع هذه الحضارة الغربية اليوم ’وإنما يخالف منها هذه المظاهر الجزئية فيعجبون للتناقض ’ مع أن الإسلام حينما لا يقر هذه المظاهر من الفن ويحرمها فإنما ذلك لأن للإسلام منطلقاً حضارياً آخر مستقلاً بذاته لا يتفق ومنطلقات هذه الحضارة التى فرضت نفسها علينا من نافذة التقليد الأعمى ’ ولم تتقدم إلينا عن طريق المحاكمة العقلية الصافية ’ فهم يحتجون على الإسلام باسم الفن ’ مع أن للفن فى الحكم الإسلامى مضموناً آخر غير هذا المضمون الذى تلقيناه من فلسفة أخرى لا شأن لها بعقيدتنا .

3- حجابة البيت :
وبناءاً على ما ذكرناه من أنه صلى الله عليه وسلم أعاد مفتاح البيت الى عثمان ابن طلحة وقال له : خذوها خالدة مخلدة - يقصد بنى عبد الدار وبنى شيبة - لا ينزعها منكم إلا ظالم ’ فقد ذهب عامة العلماء الى أنه لا يجوز لأحد أن ينتزع حجابة البيت وسدانته منهم الى يوم القيامة ’ قال النووى نقلاً عن القاضى عياض : هى ولاية لهم عليها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبقى دائمة لهم ولذرياتهم أبداً ’ ولا ينازعون فيها ولا يشاركون ما داموا موجودين صالحين لذلك ’ أقول : وهى لا تزال اليوم فى أيديهم طبق وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره .

4- تكسير الأصنام :
وإنه لمظهر رائع لنصر الله وعظيم تأييده لرسوله ’ إذ كان يطعن تلك الآلهة المزيفة المنثورة حول الكعبة بعصاً معه ’ وهو يقول : جاء الحق وزهق الباطل ’ جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد ’ وقد روى ابن اسحاق وغيره أن كل صنم منها كان ينكفىء على وجهه أو ينقلب على ظهره جذاذاً !.. ولماذا لا تنقلب لإشارته صلى الله عليه وسلم ولا تتكسر ’ وقد قلب الله جبروت قريش خضوعاً له وذلاً ’ وجعل مكة كلها وبمن فيها تدين للدين الذى جاء به وتذعن للحق الذى نادى به !!..

سابعاً :- تأملات فى خطابه صلى الله عليه وسلم يوم الفتح :
والآن .... ها هى ذى مكة البلدة التى هاجر منها قبل ثمان سنوات ’ خاضعة له مؤمنة برسالته وهديه ’ وها هم أولاء الذين طالما ناصبوه العداء ة وساموه أصناف الأذية و العذاب ’ مجتمعون حوله فى خشوع وترقب وإطراق ’ فما الذى سيقوله لهم اليوم ؟
إن عليه قبل كل شىء أن يبدأ بالثناء على ربه الذى نصره وأيده وصدق وعده ’ وهكذا استفتح خطابه بقوله : لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعهده ونصر عبده ’ وهزم الأحزاب وحده ’ ثم عليه بعد ذلك أن يعلن أمام قريش وغيرهم من سائر الناس عن المجتمع الجديد وشعاره الذى يتجلى فى قوله تعالى يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) ,إذاً فلتدفن تحت الأقدام المسلمين بقايا تلك الشعارات الجاهلية العتيقة العفنة ’ من التفاخر بالآباء و الأجداد ’ والتباهى بالقومية و القبلية و العصبية ’والإعتداد بفوارق الشكل و الغة والأنساب فالناس كلهم لآدم ,ىدم من تراب .
لقد طويت منذ اللحظة جاهلية قريش ’ فلتطو معها سائر عاداتها وتقاليدها ’ ولتدفن فى غيهب الماضى الذى أدبر ’ ولتغتسل قريش من بقايا أدرانها لتنضم الى القافلة وتسير مع الركب .... فإن الموعد عما قليل هناك ... عند إيوان كسرى ’ وداخل بلاد الروم ’وإن مكة ستصبح بعد اليوم مشرق حضارة ومدنية جديدتين تلبس منهما الدنيا كلها حلة من السعادة الإنسانية الشاملة ’وهكذا دفنت فعلاً فى تلك الساعة بقايا المآثر الجاهلية تحت الأقدام ’ وبايعت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام ’ على أنه لا فضل لعربى على أعجمى إلا بالتقوى ’ وعلى أنه لا تعاظم إلا بحلة الإسلام ولا مباهاة إلا بالتمسك بنظامه ’ وبناء على ذلك ملّكهم الله زمام العالم وأخضع لهم الدنيا .
فاعجب بعد ذلك لجيفة منتنة تبعث اليوم من رمثها بعد مضى أربعة عشر قرناً على موتها ودفنها ! ..

ثامناً :- بيعة النساء وما يتعلق بها من أحكام :
نأخذ منها ما يلى :
أولاً :- اشتراك المرأة مع الرجل - على أساس المساواة التامة - فى جميع المسؤوليات التى ينبغى أن ينهض بها المسلم ’ ولذلك كان على الخليفة أو الحاكم المسلم أن يأخذ عليهنّ العهد بالعمل على إقامة المجتمع المسلم بكل الوسائل المشروعة الممكنة ’ كما يأخذ العهد فى ذلك على الرجال ’ ليس بينهما فرق ولا تفاوت .
ومن هنا كان على المرأة المسلمة أن تتعلم شئون دينها ’ كما يتعلم الرجل ’وأن تسلك كل السبل المشروعة الممكنة الى التسلح بسلاح العلم والوعى و التنبه الى مكامن الكيد و اساليبه لدى أعداء الإسلام الذين يتربصون به ’ حتى تستطيع أن تنهض بالعهد الذى قطعته على نفسها وتنفذ عقد البيعة الذى فى عنقها ’ وواضح أن المرأة تستطيع أن تنهض بشىء من هذا إذا كانت جاهلة بحقائق دينها غير منتبهة الى أساليب الكيد الأجنبى من حولها .
ثانياً:- علمت مما ذكرناه من كيفية بيعة النساء للنبى صلى الله عليه وسلم ’ أن بيعتهنّ إنما كانت بالكلام فقط من غير أخذ الكف ’ وذلك على خلاف بيعة الرجال ’ فدلّ ذلك على أنه لا يجوز ملامسة الرجل بشرة إمرأة اجنبية عنه ’ ولا أعلم خلافاً فى ذلك عند علماء المسلمين ’ اللهم إلا أن تدعو ضرورة لذلك كتطبيب وفصد وقلع ضرس ونحو ذلك .
وليس من الضرورى شيوع العرف بمصافحة النساء ’ كما قد يتوهم البعض ’ فليس للعرف سلطان فى تغيير الأحكام الثابتة بكتاب الله وسنة رسول الله إلا حكم كان قيامه من أصله بناء على عرف شائع ’ فإن تبدل ذلك العرف من شأنه أن يؤثر فى تغيير ذلك الحكم ’ إذ هو فى أصله حكم شرطى مرهون بحالة معينة ’ وليس موضوع البحث من هذا فى شىء .
ثالثاً :- دلت أحاديث البيعة التى ذكرناها على أن كلام الأجنبية مباح سماعه عند الحاجة ’ وأن صوتها ليس بعورة ’ وهو مذهب جمهور الفقهاء ومنهم الشافعية ’ وذهب بعض الحنفية الى أن صوتها عورة للأجنبى ’ وهم محجوبون فى ذلك بما صح من احاديث بيعته صلى الله عليه وسلم للنساء ’ واحاديث كثيرة أخرى .
تاسعاً :- هل فتحت مكة عنوة أم صلحاً ؟
اختلف العلماء فى ذلك ’ فذهب الشافعى وأحمد رضى الله عنهما وآخرون الى أنه دخلها صلحاً ’وكان الممثل لقريش فى هذا الصلح هو أبو سفيان ’ وكان الإتفاق و الشرط فيه على أنه : من أغلق بابه فهو آمن ’ ومن أسلم فهو آمن ’ ومن دخل دار أبى سفيان فهو آمن ’ إلا ستة نفر هدر دمهم .

__________________

هجرة الرسول الى الطائف
هجرة الرسول الى الطائف
رد مع اقتباس
  #11  
قديم 05-04-2010, 03:08 AM
الصورة الرمزية اميــرة الاحســاس
اميــرة الاحســاس اميــرة الاحســاس غير متواجد حالياً
ميداليه ماسيه
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
الدولة: egypt
المشاركات: 11,472
افتراضي غزوة حنين

غزوة حنين
وقد كانت فى شوال سنة ثمان من هجرة النبى صلى الله عليه وسلم ’ وسببها أن الله جل جلاله حينما فتح على رسول مكة ’ ودانت ه قريش بعد بغيها وعدوانها ’ مشت أشراف هوازن وثقيف بعضها الى بعض ’ وقد توغر صدورهم للنصر الذى آتاه الله رسوله و المؤمنين ’ فحشدوا حشوداً كبيرة ’ وجمع أمرهم مالك ابن عوف سيّد هوازن ’ وأمرهم فجاؤوا معهم بأموالهم ونسائهم وأبنائهم ’ حتى نزلوا بأوطاس ( مكان بين مكة و الطائف ) ’ وغنما أمرهم بذلك حتى يجد كل منهم ما يحبسه عن الفرار ’ وهو الدفاع عن الأهل والمال و الولد ! ... وأجمعوا المسير الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ فخرج إليهم النبى صلى الله عليه وسلم لست ليال خلون من شوال فى إثنى عشر ألف من المسلمين ’ عشرة آلاف من أهل المدينة وألفين من أهل مكة ’ وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله ابن أبى حدود الأسلمى ليذهب فيدخل بين المشركين ويقيم فيهم ويعلم أخبارهم ’ ثم يعود بذلك الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ فانطلق حتى دخل بينهم وطاف بمعسكرهم ثم جاءه بخبرهم ’ وكان قد ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن عند صفوان ابن أمية أدراعاً و أسلحة ’ فأرسل إليه - وهو يومئذ مشرك - قطلب منه الدروع و الأسلحة ’ فقال صفوان : أغصباً يا محمد ؟! ... قال : بل عارية ’ وهى مضمونة حتى نؤديها إليك ’ فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح ’ وعلم مالك ابن عوف بمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعبأ أصحابه فى وادى حنين وانتثر وا يكمنون فى أنحائه ’ وأوعز إليهم أن يحملوا على محمد وأصحابه حملة واحدة .
ووصل المسلمون الى وادى حنين ’ فانحدروا فيه فى غبش الصبح ’ فما راعهم إلا الكتائب خرجت إليهم من مضايق الوادى وشعبه وقد حملوا حملة واحدة على المسلمين فانكشفت الخيول وانشمر الناس راجعين لا يلوى أحد منهم على الآخر ’ وانحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات اليمين ’ ثم نادى فى الناس : إلىّ عباد الله ’ أنا النبى لا كذب أنا ابن عبد المطلب ’ روى مسلم عن العباس رضى الله عنه قال : شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فلزمته أنا و أبو سفيان ابن الحارث ابن عبد المطلب ولم نفارقه ’ وهو على بغلة له بيضاء ’ فلما إلتقى المسلمون و الكفار ولى المسلمون مدبرين ’ فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض بغلته قبل الكفار ’ قال عباس : وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكفها ’ إرادة أن لا تسرع ’ وابو سفيان آخذ بركاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ فقال عليه الصلاة و السلام : ناد أصحاب السمرة ( وكان رجلاً صيّتاً ) فقلت بأعلى صوتى يا أصحاب السمرة ’ قال : فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتى عطفة البقر على أولادها فقالوا : يا لبيك ’ يا لبيك ... وأقبلوا يقتتلون مع الكفار ’ وكان النداء : يا للأنصار ’ وأشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر الى قتالهم قائلاً : الآن حمى الوطيس ’ ثم أخذ حصيات من الأرض فرمى بهن وجوه الكفار ’ ثم قال : إنهزموا ورب محمد .
وقذف الله فى قلوب المشركين الرعب ’ فانهزموا لا يلوى واحد منهم على أحد ’ واتبع المسلمون أقفاءهم يقتلون ويأسرون ’ فما رجع الناس إلا والأسرى مجندلة بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وفى هذه الغزوة أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً : من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه .
فروى ابن اسحاق و غيره عن أنس ابن مالك رضى الله عنه قال : لقد استلب أبو طلحة يوم حنين عشرين رجلاً وحده ’ هو قتلهم .

وروى ابن اسحاق وابن سعد بسند صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم التفت فرأى أم سليم بنت ملحان ’ وكانت مع زوجها أبى طلحة ’ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : أم سليم ! .. قالت : نعم بأبى أنت و أمى يا رسول الله ’ اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقتل الذين يقاتلونك ؟ - وكان معها خنجر - فقال لها أبو طلحة : ما هذا الخنجر معك يا أم سليم ؟ قالت : خنجر أخذته إن دنا منى أحد من المشركين بعجته به .
ومرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة وقد قتلها خالد ابن الوليد ’ والناس مجتمعون عليها ’ فقال : ما هذا ؟ قالوا : إمرأة قتلها خالد ابن الوليد ’ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعض من معه : أدرك خالد فقل له : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهاك أن تقتل وليداً أو إمرأة أو عسيفاً .
وفرّ مالك ابن عوف ومن معه من رجالات قومه حتى وصلوا الى الطائف فامتنعوا بحصنها وقد تركوا وراءهم مغانم كثيرة .

وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغنائم فحبست كلها فى الجعرانة ’ وجعل عليها مسعود ابن عمرو الغفارى ’ واتجه صلى الله عليه وسلم ومن معه الى الطائف فحاصروها ’ وأخذت تقذف المسلمين من حصونها بالنبال ’ فقتل بذلك ناس منهم ’ وظل رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حصاره للطائف بضعة عشر يوماً ’ وقيل بضعة وعشرين يوماً ’ ثم بدا له أن يرتحل ’ روى عبد الله ابن عمرو أنه صلى الله عليه وسلم أعلن فى أصحابه : إنا قافلون إن شاء الله ’ فقال بعض أصحابه : نرجع ولم نفتتحه ؟ فقال لهم : أغدوا علىالقتال - أى فقاتلوا إن شئتم - فغدوا عليهم ’ فأصابهم جراح ’ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنا قافلون غداً ’ فأعجبهم ذلك ’ فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ولما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم عائداً ’ قال لأصحابه : قولوا آيبون ’ تائبون ’ عابدون ’ لربنا حامدون ) ’ وقال له بعض الصحابة : يا رسول الله أدع على ثقيف فقال : اللهم أهد ثقيفاً وأت بهم ’ قلت : وقد هدى الله ثقيفاً بعد ذلك بقليل ’ فقد جاء وفدهم الى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة لإعلان إسلامهم .

أمر الغنائم و كيفي تقسيم رسول الله صلى الله عليه وسلم له
وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الجعرانةوفيها السبى و الغنائم التىأخذت من هوازن فى غزوة حنين ’ فقسم السبى هناك ’ ثم قدم عليه وفد هوازن من المسلمين ’ وسألوه أن يرد عليهم سبيهم وأموالهم ’ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : معى من ترون ’ وأحب الحديث الىّ أصدقه ’ فاختاروا إحدى الطائفتين : إما السبى وإما المال ’ وقد كنت إستأنيت بكم ( أى أخرت قسم السبى و الغنائم آملاً إسلامكم ) ’ وكان النبى صلى الله عليه وسلم قد أنظرهم عشرة ليال حين رجع من الطائف . فقالوا : يا رسول الله خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا فالحسب أحب إلينا ’ فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المسلمين ’ فأثنى على الله بما هو أهله ’ ثم قال : أما بعد ’ فإن إخوانكم قد جاؤوا تائبين ’ وإنى رأيت أن أرد إليهم سبيهم ’ فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل ’ ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفىء الله علينا فليفعل ’ فنادى الناس جميعاً : قد طيبنا ذلك يا رسول الله ’ فقال عليه الصلاة و السلام ’ إنا لا ندرى من أذن منكم فى ذلك ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم ’ فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم ’ ثم رجعوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم قد طيّبوا ’ وأذنوا ’ فأعيد الى هوازن سبيها .
وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد هوازن - فيما رواه ابن اسحاق - عن مالك ابن عوف ما فعل ؟ فقالوا هو بالطائف مع ثقيف ’ فقال لهم : أخبروه أنه إن أتانى مسلماً رددت عليه أهله وماله واعطيته مائة من الإبل ’ فأخبر مالك بذلك ’ فجاء يلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدركه فيما بين الجعرانة ومكة ’ فردّ عليه أهله وماله وأعطاه مائة من الإبل ’ وأسلم فحسن إسلامه ’ وخصّ رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤلفة قلوبهم - وهم أهل مكة - بمزيد من الغنائم و الأعطيات يتألف قلوبهم على الإسلام ’ فوجد بعض الأنصار فى نفوسهم من ذلك وقالوا : يغفر الله لرسول الله ’ يعطى قريشاً ويتركنا ’ وسيوفنا تقطر من دمائهم ! ’ فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ فأرسل الى الأنصار فاجتمعوا فى مكان أعد لهم ’ ولم يدع معهم أحد غيرهم ’ ثم قام فيهم ’ فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال : يا معشر الأنصار ’ مقالة بلغتنى عنكم ؟ ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله بى ’ وكنتم متفرقين فألفكم الله بى ’ وكنتم عالة فأغناكم الله بى ( كلما قال لهم من ذلك شيئاً قالوا : بلى ’ الله ورسوله أمنّ وأفضل ) ثم قال : ألا تجيبونى يا معشر الأنصار ؟ قالوا : بماذا نجيبك يا رسول الله ؟ لله ورسولع المنّ و الفضل ’ فقال صلى الله عليه وسلم : أما والله لو شئتم لقلتم ’ فلصدقتم وصدّقتم : أتيتنا مكذباً فصدقناك ’ ومخذولاً فنصرناك ’ وطريداً فآويناك ’ وعائلاً فآسيناك ’ فصاحوا : بل المنّ علينا لله ورسوله ’ ثم تابع صلى الله عليه وسلم قائلاً: أوجدتم يا معشر الأنصار فى أنفسكم من أجل لعاعة من الدنيا تألفت بها قوماً ليسلموا ووكلتم الى إسلامكم ! ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة و البعير وترجعوا برسول الله الى رحالكم ؟ فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به ’ والذى نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت أمرءاً من الأنصار ’ ولو سلك الناس شعباً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار ’ وإنكم سترون أثرة من بعدى فاصبروا حتى تلقونى على الحوض ’ الله أرحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء ابناء الأنصار ’ فبكى القوم حتى إخضلت لحاهم ’ وقالوا رضينا بالله ورسوله قسماً و نصيباً ’ وتبعه صلى الله عليه وسلم ناس من الأعراب يسألونه مزيد من العطاء ’ حتى إضطروه الى سمرة تعلق بها رداؤه ’ فالتفت إليهم قائلاً : أعطونى ردائى ايها الناس ’ فوالله أن لو كان لكم بعدد شجر تهامة نعماً لقسمته عليكم ’ ثم لا تجدونى بخيلاً ولا كذوباً ولا جباناً ’ ايها الناس والله مالى من فيئكم إلا الخمس ’ والخمس مردود عليكم ’ وأدركه أعرابى فجذبه صلى الله عليه وسلم جذبة شديدة من برده ’ وكان عليه برداً نجرانى غليظ ’ حتى أثرت حاشيةالرداء فى صفحة عنقه ’ وقال له ’ مر لى من مال الله الذى عندك ’ فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء .
قال ابن اسحاق : ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة معتمراً فلما فرغ إنصرف راجعاً الى المدينة ’ واستخلف على مكة عتاب ابن أسيد .
العبر و العظات
تعتبر غزوة حنين هذه درساً فى العقيدة الإسلامية وقانون الأسباب و المسببات من نوع ذلك الدرس الذى أوحت به غزوة بدر ’ بل متمماً له .
فإذا كانت غزوة بدر قد قررت للمسلمين أن القلة لا تضرهم شيئاً فى جنب كثرة أعدائهم ’ إذا كانوا صابرين و متقين ’ فإن غزوة حنين قد قررت للمسلمين أن الكثرةأيضاً لا تفيدهم إذا لم يكونوا صابرين ومتقين ’ وكما نزلت آيات من كتاب الله تعالى فى تقرير عبرة بدر ’ فقد نزلت آيات منه أيضاً فى تقرير العبرة التى ينبغى أن تؤخذ من حنين .
كان المسلمون فى بدر أقل عدداً منهم فى أى موقعة اخرى ومع ذلك فلم تضرهم القلة شيئاً بسبب صدق إسلامهم ونضج إيمانهم وشدة ولائهم لله ورسوله .
وكان المسلمون فى غزوة حنين أكثر عدداً منهم فى أى موقعة أخرى خاضوها من قبل ومع ذلك فلم تنفعهم الكثرة شيئاً ’ بسبب تلك الجماهير التى لم يتمكن الإيمان بعد فى نفوسهم ولم يتغلغل معنى الإسلام بعد فى أعماق افئدتها .
لقد إنضمت تلك الجماهير الى الجيش بجسومهم وأشكالهم ’ بينما لا تزال الدنيا وأهواؤها تتخطف أفئدتهم وتستولى على نفوسهم ’ وهيهات أن يكون لتعداد الجسوم و الأشكال أى أثر فى النصر و التوفيق ’ فمن أجل ذلك أدبرت هذه الجماهير وارتدت على أعقابها متفرقة فى متاهات وادى حنين ’ حينما فوجئوا بكمائن العدو تخرج فى وجوههم ’ وربما إمتدت ظلال هذا الهلع الى أفئدة كثير من المؤمنين الصادقين أيضاً بادىء الأمر ’ ولكن ما هو إلا أن سمع الأنصار و المهاجرون صيحات رسول الله صلى الله عليه وسلم ونداءه لهم حتى كرّوا عائدين ’ يلتفون حول رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ ويخوضون معه معركة حامية الوطيس ’ ولم يكن هؤلاء يزيدون على المائتين ! .. ’ ولكن بهؤلاء المائتين عاد النصر الى المسلمين ’ ونزلت السكينة على قلوبهم وهزم الله عدوهم شر هزيمة ’ بعد أن كانوا إثنى عشر ألفاً من الأمشاج الذين لم يغنوا عن أنفسهم شيئاً ! .. وأنزل الله تعالى هذه العظة البليغة فى كتابه الكريم ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً ’ وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ’ ثم وليتم مدبرين ’ ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ’ وأنزل جنودا لم تروها ’ وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين ’ ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم ) التوبة 25-27 .

وإليك ما يؤخذ من هذه الغزوة من العظات و الأحكام :
أولاً:- بث العيون بين الأعداء لمعرفة شأنهم وأخبارهم
سبق أن ذكرنا أن هذا العمل جائز بل هو واجب إذا دعت إليه الحاجة ’ وهذا ما قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم فى هذه الغزوة فقد بعث عبد الله ابن أبى حدرد الأسلمى ليتحسس أخبار العدو ويأتى المسلمين بالخبر عد عددهم وعدتهم ’ وهو ما لم يقع فيه خلاف بين الأئمة .

ثانياً :- للإمام أن يستعير أسلحة من المشركين لقتال أعداء المسلمين :
ومثل الأسلحة فى ذلك ما يحتاجه الجيش من عدة الحرب و القتال ’ ومثل الإستعارة تملكها منهم مجاناً أو بثمن ’ وهذا ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فى هذه الغزوة ’ حينما استعار أسلحة من صفوان ابن أمية وكان لا يزال مشركاً إذ ذاك . ’وهذا داخل فى عموم حكم الإستعانة بالكفار عند الحرب ’ وكنا قد ذكرنا هذه المسألة عند تعليقنا على غزوة أحد ’ ويتبين لك الآن أن الإستعانة بالكفار تنقسم الى نوعين :
النوع الأول :- الإستعانة بالأشخاص منهم للقتال مع المسلمين ’ وهذا ما مضى الحديث عنه فى غزوة أحد ’ وقد قلنا إذ ذاك إنه جائز إذا دعت الحاجة إليه ’ واطمأن المسلمون الى صدق وأمانة أولئك الذين سيقاتلون معهم .
النوع الثانى :- الإستعانة ببعض ممتلكاتهم كالسلاح وأنواع العدة ’ ولا خلاف فى أن ذلك جائز بشرط أن لا يكون فيه خدش لكرامة المسلمين ’ وأن لا يتسبب عن دخول المسلمين تحت سلطان غيرهم أو تركهم لبعض واجباتهم وفروضهم الدينية ’ وأنت تجد أن صفوان ابن أمية حينما أعار الأسلحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان فى وضع المغلوب الضعيف وكان الرسول صلى الله عليه وسلم فى المركز الأقوى .

ثالثاً:- جرأته صلى الله عليه وسلم فى الحرب :
وإنك لتبصر صورة نادرة حقاً لهذه الجرأة عندما تفرقت جموع المسلمين فى الوادى وقد ولوا مدبرين ’ ولم يبق إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسط حومة الوغى حيث تحف به كمائن العدو التى فوجئوا بها ’ فثبت ثباتاً عجيباً إمتد أثره الى نفوس أولئك الفارين من أصحابه ’ فعادت غليهم من ذلك المشهد رباطة الجأش وقوة العزيمة .
وى ابن كثير فى تفسيره خبر غزوة حنين ثم قال قلت : وهذا فى غاية ما يكون من الشجاعة التامة ’ إنه فى مثل هذا اليوم ’ فى حومة الوغى ’ وقد إنكشف جيشه عنه ’ وهو مع هذا على بغلته ’ وليست سريعة الجرى ولا تصلح لفرّ ولا لكرّ ولا لهرب ’ وهو مع ذلك أيضاً يركضها الى وجوههم وينوّه باسمه ليعرفه من لم يعرفه صلوات الله وسلامه عليه دائماً الى يوم الدين ’ وما هذا كله إلا ثقة بالله وتوكلاً عليه وعلماً بأنه سينصره ويتم ما أرسله به ’ ويظهر دينه على سائر الأديان ) .

رابعاً :- خروج المرأة للجهاد مع الرجال :
فأما خروجها لسقى العطاش ومداواة الجرحى فقد ثبت ذلك فى الصحيح ’ فى عدة غزوات ’ وأما حروجها للقتال ’ فلم يثبت فى السنة وإن كان الإمام البخارى قد ذكر فى كتاب الجهاد باباً جعل عنوانه : باب غزو النساء وقتالهنّ مع الرجال : ’ إذ أن الأحاديث التى ساقها فى هذا الباب ليس فيها ما يدل على غشتراك النساء مع الرجال فى القتال قال ابن حجر : ولم أر فى شىء من ذلك ( أى الأحاديث الواردة فى هذا الموضوع ) التصريح بأنهنّ قاتلن .
أما ما ذكره الفقهاء فى حكم خروج المرأة للقتال ’ فهو أن العدو إن داهم بلدة من بلاد المسلمين وجب على جميع أهلها الخروج لقتاله بما فيهم النساء ’ إن تأملنا منهنّ دفاعاً و بلاءاً ’ وإلا فلا يشرع ذلك ’ أما الخنجر الذى كان مع أم سليم فقد كان لمجرد الدفاع عن نفسها كما قالت ’ وعلى هذا ينزل ما رواه البخارى وغيره عن عائشة رضى الله عنها أنها إستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الجهاد ’ فقال : جهادكنّ الحج ’ فالمقصود بالجهاد الذى إستأذنت به عائشة رضى الله عنها ’ غنما هو المشاركة فى القتال لا الحضور للمداواة و الخدمة وما أشبه ذلك ’ فهو مشروع ’ إذا توافرت شروطه ’ باتفاق .
وعلى كل فإن خروج المرأة مع الرجال الى الجهاد مشروط بأن تكون فى حالة تامة من الستر و الصيانة ’ وأن يكون خروجها لحاجة حقيقية الى ذلك ’ فأما إذا لم تكن ثمّ حاجة حقيقية أو كان ذلك يعرضها للوقوع فى المحرمات فخروجها محرم لا يجوز إقراره .

و المهم أن تعلم أن الأحكام الإسلامية منوطة ببعضها ’ فلا ينبغى تخيّر ما توحى به الأهواء منها لأسباب معينة مع الإعراض عما يتعلق به من الأحكام و الواجبات الأخرى ’ إن مثل هذا يعتبر بلا ريب مصداقاً واضحاً لقول الله تعالى ... أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ؟ فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزى فى الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون الى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون ) البقرة 85 .
ومن المكر القبيح لدين الله تعالى ما يعمد إليه بعض الناس لأغراض دنيوية حقيرة من إلتقاط ما قد يطلب منهم من الفتاوى الشرعية بعد أن يشذبوا منها كل القيود و الشروط ويقطعوا عنها ما قد يتعلق بها من التتمات ’ حتى تخرج موافقة للمطلوب خاضعة لأهواء السادة الموجهين ’ ثم يقدمون هذه الفتاوى على طبق من المداهنة و النفاق ! .

خامساً:- تحريم قتل النساء و الأطفال و الأجراء و العبيد فى الجهاد :
فقد دل على ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى المرأةالتى قتلها خالد ابن الوليد ’ وقد إتفق العلماء و الأئمة كلهم على ذلك ’ ويستثنى منه ما إذا اشتركوا فى القتال وباشروا فى مقاتلة المسلمين ’ فإنهم يقتلون مقبلين ’ ويجب الإعراض عنهم مدبرين ’ كما أنه يستثنى ما إذا تترس الكافر بصبيانه ونسائه ’ ولم يمكن رد غائلتهم إلا بقتلهم ’ فإن ذلك جائز ’ وعلى الإمام أن يتبع ما تقتضيه المصلحة .

سادساً:- حكم سلب القتيل :
قلنا أن النبى صلى الله عليه وسلم أعلن فى هذه الغزوة أن من قتل قتيلاً فله سلبه ’ قال ابن سيد الناس : فصلر ذلك حكماً مستمراً ’ قلت : وهذا متفق عليه ’ ولكن وقع الخلاف بين الأئمة فى نوع هذا الحكم الثابت المستمر ’ هل هو من أحكام الإمام أم الفتوى ؟
أى هل أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك مبلغاً عن الله عز وجل حكماً لا خيرة له ولا لأحد فيه كتبليغه أحكام الصلاة أم أعلنه حكماً مصلحياً قضى به بوصفه إمام المسلمين يقضى فيهم بما يرى أنه الخير و المصلحة لهم ؟ ’ فذهب الشافعى رحمه الله الى انه حكم قائم على أساس التبليغ و الفتوى وعليه فإن المجاهد له فى كل عصر أن يأخذ سلب من قتل على يده من أهل الحرب ولا حاجة فى ذلك الى إذن الإمام أو القائد . وذهب أبو حنيفة ومالك رحمهما الله الى أنه حكم قضائى قائم على أساس الإمامة فقط ’ فيتوقف جواز السلب فى كل عصر على إذن الإمام ’ فإن لم ياذن أضيفت الأسلاب الى الغنائم وسرى عليها حكمها .

سابعاً :- الجهاد لا يعنى الحقد على الكافرين :
وقد دل على ذلك ما ذكرناه من أن بعض الصحابة قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند منصرفهم من حصار الطائف : أدع الله على ثقيف ’ فقال : اللهم أهد ثقيف وأت بهم ’ وهذا يعنى أن الجهاد ليس إلا ممارسة لوظيفة الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر ’ وإنما هى مسئولية الناس جميعاً تجاه بعضهم ’ لمحاولة إعتاق أنفسهم من العذاب الأبدى يوم القيامة .
ومن ثم فإن الدعاء من المسلمين لا ينبغى أن يتجه الى غيرهم إلا بالهداية والصلاح ’ لأن هذه الغاية هى الحكمة من مشروعية الجهاد .

ثامناً:- متى يتملك الجند الغنائم :
ذكرنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لوفد هوازن حينما جاؤا مسلمين : لقد إستأنيت بكم ’ أى أخرت قسم الغنائم آملا إسلامكم .
وهذا يدل على أن الجند إنما يملكون الغنائم بعد تقسيم الحاكم أو الإمام لها ’ فمهما دامت قبل القسمة فهى لا تعتبر ملكاً للمقاتلين ’ وتلك هى فائدة تأخير النبى صلى الله عليه وسلم لتقسيمها بين المسلمين . كما أن هذا يدل على أن للإمام أن يعيد الغنائم إذا جاءه أصحابها مسلمين إذا لم يكن قد قسمها بين الجند ’ وقد كان هذا ما يفضله رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ويدل موقفه صلى الله عليه وسلم من وفد هوازن وأموالهم التى غنمها المسلمون ’ على أن ما قسم من هذه الموال بينهم ’ لا يجوز للإمام أن يسترد منه شيئاً إلا بطيب نفس من أصحابه دون أن يتأثر بأى جبر أو إكراه ’ وتأمل مدى دقته صلى الله عليه وسلم فى أمر الإستئذان من أصحاب الأموال فإنه صلى الله عليه وسلم لم يشأ أن يكتفى بصيحاتهم الجماعية المرتفعة ’ قد طيبنا ذلك يا رسول الله ( أى طابت بإرجاعه نفوسنا ) بل أصر على أن يعلم أمر هذا الرضى ويستوثق منه بواسطة السماع من كل شخص من حدة أو السماع من وكلائهم وعرفائهم .
وهذا يعنى أنه ليس للحاكم أن يستعمل شيئاً من صلاحياته وسلطانه فى حمل الناس على أن يتنازلوا عن شىء من حقوقهم وممتلكاتهم المشروعة ’ بل وإن الشارع لم يعطه شيئاً من هذه الصلاحيات و الإمتيازات ’ حتى ولو كان رسولاً ’ وتلك هى العدالة و المساواة الحقيقية الرائعة ! فلتدفن نفسها فى الرغام كل دعوى باطلة تريد أن تخب - بالألفاظ و الشعارات - وراء هذه المثل و القيم الإلهية العظيمة.

تاسعاً:- سياسة الإسلام نحو المؤلفة قلوبهم :
لقد رأيت أن النبى صلى الله عليه وسلم إختص أهل مكة الذين أسلموا عام الفتح بمزيد من الغنائم عن غيرهم ’ ولم يراع فى تلك القسمة قاعدة المساواة الأصلية بين المقاتلين ’ وهذا العمل منه صلى الله عليه وسلم من أهم الأدلة التى إستدل بها عامة الأئمة و الفقهاء على أنه يجوز للإمام أن يزيد فى عطاء من يتألف قلوبهم على الإسلام بالقدر الذى تدعو إليه المصلحة من تألف قلوبهم ’ بل يجب عليه ذلك عندما تدعو إليه ’ ولا مانع من أن يكون هذا العطاء من أصل الغنائم . ومن هنا كان لهؤلاء سهم خاص باسمهم فى الزكاة ’ يجتمع تحت يد الحاكم ليعطى منه ( كلما دعت الحاجة)لمن يرى أن المصلحة الإسلامية تدعو الى تألف قلوبهم .

عاشراً :- فضل الأنصار ومدى محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم :
صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال : إن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم ’ فقد أراد الشيطان أن يبث فى نفوس جماعة من الأنصار معنى النقد على السياسة التى إتبعها عليه الصلاة و السلام فى توزيع الغنائم ’ وربما أراد لهم الشيطان أن يتصوروا أن النبى صلى الله عليه وسلم أدركته محبة قومه وبنى وطنه فنسى فى جنبهم الأنصار !..
فماذا قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أخبر بذلك ؟
إن الخطاب الذى ألقاه عليهم جواباً على هذه الوساوس ليفيض بمعانى الرقة و الذوق الرفيع ’ ومشاعر المحبة الشديدة للأنصار ’ وهو يفيض فى الوقت ذاته بدلائل التألم من أن يتهم من قبل أحب الناس إليه بنسيانهم و الإعراض عنهم ’ عد الى خطابه هذا فتأمله ... فسترى أنه قد ضمنه أدق خفقات قلبه وألطف إحساسياته ! ’ وقد لامست هذه الرقة و الخفقات مشاعر الأنصار فهزتها هزاً ونفضت منها ما كان قد علق بها من الوساوس و الهواجس ’ فارتفعت أصواتهم بالبكاء فرحاً بنبيهم وابتهاجاً بقسمتهم و نصيبهم ’ فما المال وما الشياه و الغنائم فى جنب حبيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يعودون به ويعود بهم الى ديارهم ليكون المحيا بينهم و الممات بينهم ؟ وأى برهان منه صلى الله عليه وسلم ينطق بالوفاء و خالص المحبة و الود أكثر من هذا ... أى أكثر من أن يدع وطنه ومسقط رأسه ليقضى بينهم بقية أيامه ؟! .
ثم متى كان المال فى ميزان رسول الله صلى الله عليه وسلم دليلاً على التقدير و الحب ؟ !
إنه أعطى قريشاً كثيراً من الأموال و الغنائم ... فهل خص نفسه بشىء من ذلك أم جعل نصيبه منه كنصيب الأنصار ؟ لقد عمد الى الخمس الذى جعله الله خالصاً برسوله يضعه حيث يشاء ’ فوزعه بين أولئك الأعراب الذين كانوا من حوله ’وتأمل فيما قاله لهم ’ وهم يحدقون به ويستزيدون فى العطاء : أيها الناس والله مالى من فيئكم إلا الخمس ’ والخمس مردود عليكم .
صلى الله عليك يا رسول الله وعلى أصحابك البررة من الأنصار و المهاجرين وجمعنا تحت لواءك المحمود ’ وجعلنا مع أولئك الذين سيلقونك علىالحوض يوم القيامة

__________________

هجرة الرسول الى الطائف
هجرة الرسول الى الطائف
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 05-04-2010, 03:10 AM
الصورة الرمزية اميــرة الاحســاس
اميــرة الاحســاس اميــرة الاحســاس غير متواجد حالياً
ميداليه ماسيه
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
الدولة: egypt
المشاركات: 11,472
افتراضي غزوة تبوك

غزوة تبوك
وسببها على ما رواه ابن سعد وغيره ’ أنه بلغ المسلمين من الأنباط الذين كانوا يتنقلون بين الشام و المدينة للتجارة ’ أن الروم قد جمعت جموعاً وأجلبت الى جانبها لخم وجذام وغيرهم من نصارى العرب الذين كانوا تحت إمرة الروم ’ ووصلت طلائعهم الى أرض البلقاء فندب النبى صلى الله عليه وسلم الناس الى الخروج ’ وروى الطبرانى من حديث ابن حصين أن جيش الروم كان قوامه أربعين ألف مقاتل ’ وكان ذلك فى شهر رجب سنة تسع من الهجرة ’ وكان الفصل صيفاً ’ وقد بلغ الحر أقصاه ’ والناس فى عسرة من العيش ’ وكانت ثمار المدينة - فى الوقت نفسه- قد أينعت وطابت ’ فمن أجل ذلك أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجهة التى سيتجهون إليها - وذلك على خلاف عاداته فى الغزوات الأخرى ’ قال كعب ابن مالك : لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورّى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة ’ غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حرّ شديد واستقبل سفراً ومفازاً وعدواً كثيراً ’ فجلّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم .
وهكذا فقد كانت الرحلة فى هذه الغزوة ثقيلة على النفس ’ فيها أقسى مظاهر الإبتلاء و الإمتحان ’ فأخذ نفاق المنافقين يعلن عن نفسه هنا وهناك ’ على حين أخذ الإيمان الصادق يعلن عن نفسه فى صدور أصحابه ’ أخذ أقوام من المنافقين يقولون لبعضهم : لا تنفروا فى الحر .. وجاء آخر يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إئذن لى ولا تفتنى ’ فوالله لقد عرف قومى أنه ما من رجل بأشد عجباً بالنساء منى ’ وإنى أخشى إن رأيت نساء بنى الأصفر أن لا أصبر فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأذن له فيما أراد ة وعسكر عبد الله ابن أبى ابن سلول فى ضاحية بالمدينة مع فئات من أصحابه و حلفائه ’ فلما سار النبى صلى الله عليه وسلم تخلف بكل من معه !..
ومما نزل فى ذلك قوله تعالى فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله وقالوا لا تنفروا فى الحر قل نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً جزاءاً بما كانوا يكسبون ) وقوله تعالى ومنهم من يقول إئذن لى ولا تفتنى ألا فى الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ) .
أما المؤمنون فأقبلوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل صوب ’ وكان قد حض أهل الغنى على النفقة وتقديم ما يتوفر لديهم من الدواب للركوب فجاء الكثيرون منهم بكل ما أمكنهم من المال و العدة ’ وجاء عثمان ابن عفان رضى الله عنه بثلاثمائة بعير بأحلاسها و أقتابها وبألف دينار نثرها فى حجره ’ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يضر عثمان ما فعل بعدها .
وجاء أبو بكر الصديق رضى الله عنه بكل ماله ’ وجاء عمر بنصف ماله ’ روى الترمذى عن زيد ابن أسلم عن أبيه قال : سمعت عمر ابن الخطاب يقول : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق ووافق ذلك عندى مالاً ’ فقلت اليوم أسبق أبا بكر ’ إن سبقته يوماً ’ قال فجئت بنصف مالى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أبقيت لأهلك ؟ قلت مثله ’ وأتى ابو بكر بكل ما عنده ’ فقال : يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك ؟ فقال أبقيت لهم الله و رسوله ’ قلت : لا أسبقه الى شىء أبداً ).
وإذا صح هذا الحديث فلا بد أن يكون هذا الندب بمناسبة غزوة تبوك كما قال ذلك فريق من العلماء .
وأقبل رجال من المسلمين أطلق عليهم ( البكاؤون ) يطلبون من رسول الله صلى الله عليه وسلم ظهوراً يركبونها للخروج الى الجهاد معه ’ فقال لهم : لا اجد ما أحملكم عليه ’ فتولوا واعينهم تفيض من الدمع حزناً أن لا يجدوا لديهم ما ينفقونه فى أسباب خروجهم للغزو .

وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يقارب ثلاثين ألف من المسلمين ’ وتخلف عنه نفر من المسلمين عن غير شك وارتياب ’ منهم كعب ابن مالك ’ ومرارة ابن الربيه ’ وهلال ابن أمية ’ وابا خيثمة ’ وكانوا - كما قال ابن اسحاق- نفر صدق لا يتهم فى إسلامهم ’ غير أن أبا خيثمة لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فى تبوك .
روى الطبرانى وابن اسحاق و الواقدى أن أبا خيثمة رجع بعد أن سار رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدة أيام الى أهله فى يوم حار ’ فوجد إمرأتين له فى عريشين ( أى خيمتين ) لهما فى بستان له ’ قد رشت كل واحدة منهما عريشها وبردت له ماء فيه وهيأت له فيه طعاماً فلما دخل قام على باب العريش فنظر الى إمرأتيه وما صنعتا له ’ فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الشمس والريح و الحر ’ وابو خيثمة فى ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء فى مال مقيم ؟! ما هذا والله بالنصف ’ ثم قال والله لا ادخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فهيأتا له زاداً ’ ثم قدم ناضحه فارتحله وخرج فى طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدركه حين نزل تبوك ’ ولما دنا أبو خيثمة من المسلمين قالوا : هذا راكب على الطريق مقبل ’ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كن أبا خيثمة ) ! فقالوا يا رسول الله : هو والله أبا خيثمة ’ فلما أناخ أقبل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عليه الصلاة و السلام : أولى لك يا ابا خيثمة ! .. ثم أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر فدعا له صلى الله عليه وسلم بخير .
وعانى المسلمون فى هذه الرحلة جهوداً شاقة وأتعاباً جسيمة .
روى الإمام أحمد وغيره أن الرجلين و الثلاثة كانوا يتعاقبون على بعير واحد ’ واصابهم عطش شديد حتى جعلوا ينحرون إبلهم لينفضوا أكراشها ويشربوا ماءها .
وروى الإمام أحمد فى مسنده عن أبى هريرة رضى الله عنه : قال : لما كانت غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة ’ فقالوا يا رسول الله : لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادّهنا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إفعلوا ’ فجاء عمر فقال يا رسول الله إنهم إن فعلوا قل الظهر ’ ولكن أدعهم بفضل أزوادهم ثم أدع لهم بالبركة لعل الله أن يجعل فيه ذلك ’ فدعا عليه الصلاة و السلام بنطع فبسطه ’ ثم دعاهم بفضل أزوادهم ’ فجعل الرجل يجىء بكف الذرة ’ والاخر بكف التمر ’ والآخر بالكسرة حتى إجتمع على النطع من ذلك شىء يسير ’ ثم دعا عليه بالبركة ’ ثم قال لهم : خذوا فى أوعيتكم قال : فأخذوا فى أوعيتهم حتى ما تركوا من المعسكر وعاء إلا ملؤوه وأكلوا حتى شبعوا ’ وفضلت منه فضلة ’ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله ’ لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فتحجب عنه الجنة .
ولما إنتهوا الى تبوك لم يجدواهناك كيداً ولا قتالاً ’ فقد إختفى وتفرق الذين كانوا قد تجمعوا للقتال ’ ثم أتاه يوحنّه حاكم ( أيلة ) فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجزية ’ واتاه أهل جرباء واذرح فأعطوه أيضاً الجزية ’ وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك لهم كتاباً .
ومرّ الجيش مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر ( وهى منازل ثمود ) فقال لأصحابه : لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا انفسهم ’ أن يصيبكم ما أصابهم ’ إلا أن تكونوا باكين ’ ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادى .
ثم إن النبى صلى الله عليه وسلم قفل راجعاً الى المدينة ’ فلما أشرفوا على المدينة قال عليه الصلاة والسلام لأصحابه : هذه طابة ’ وهذا احد جبل يحبنا ونحبه ’ وقال لأصحابه : إن بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم ’ قالوا يا رسول الله ’ وهم بالمدينة ؟ قال : وهم بالمدينة ’ حبسهم العذر . ’ وقدم المدينة عليه الصلاة و السلام فى رمضان من السنة نفسها فيكون قد غاب قرابة شهرين ...
أمر المخلفين
ولما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينةبدأ بالمسجد فصلى ركعتين ’ ثم جلس للناس فجاءه المخلفون وطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له و كانوا بضعة وثمانين رجلاً ’ فقبل منهم علانيتهم واستغفر لهم ’وأرجأ أمر كعب ابن مالك وصاحبيه الى أن نزلت آيات قبول توبتهم .
وقد روى كعب رضى الله عنه خبره فى ذلك - فى حديث طويل رواه البخارى ومسلم - وجاء فيه قوله : كان من خبرى أنى لم أكن قط أقوى ولا أيسر منى حين تخلف عنه فى تلك الغزوة ... وطفقت أغدوا لكى أتجهز مع المسلمين ’ فأرجع ولم أقض شيئاً فأقول فى نفسى : أنا قادر عليه ( أى لن يعيقنى شىء عن سرعة التجهز ) فلم يزل يتمادى بى حتى اشتد بالناس الجد ولم أقض من جهازى شيئاً ’ ولم يزل بى حتى أسرعوا وتفارط الغزو ( أى خرجوا وفاتوا ) وهممت أن أرتحل فأدركهم - وليتنى فعلت - فلم يقدر لى ذلك ’ فكنت إذا خرجت فى الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفت فيهم ’ أحزننى أنى لا أرى إلا رجلاً وغموساً بنفاق أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء ... ولما بلغنى انه توجه قافلاً حضرنى همّى ’ فطفقت أتذكر الكذب ’ وأقول بماذا سأخرج من سخطه غداً ؟ ... واستعنت على ذلك بكل ذى رأى من أهلى ’ ولما قيل لى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقبل ’ زاح عنى الباطل وأجمعت أن أصدقه ’ فجئته ’ فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ’ ثم قال : تعال ’ فجئت أمشى حتى جلست بين يديه ’ فقال لى ما خلّفك ؟ ألم تكن قد إبتعت ظهرك ؟ فقلت : بلى ’ إنى والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت انى سأخرج من سخطه بعذر ’ ولقد اعطيت جدلاً ’ ولكنى والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عنى ليوشكنّ الله أن يسخطك علىّ ’ ولئن حدثتك حديث صدق تجد علىّ فيه إنى لأرجو فيه عفو الله ’ والله ما كان لى من عذر ’ والله ما كنت أقوى ولا لأيسر منى حين تخلفت عنك !.. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما هذا فقد صدق ’ فقم حتى يقضى الله فيك ’ فقمت ’ وثار رجال من بنى سلمة فاتبعونى يؤنبوننى ( أى يعتبون عليه أنه لم يعتذر كالآخرين ) فقلت لهم ’ هل لقى هذا معى أحد ؟ قالوا نعم ’ رجلان قالا مثل ما قلت فقيل لهما مثل ما قيل لك ’ فقلت من هما ؟ فقالوا : مرارة ابن الربيع ’ وهلال ابن أمية ’ فذكروا لى رجلين صالحين شهدا بدراً لى فيهما أسوة ... ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أى الثلاثة من بين من تخلف ’ فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لى الأرض فما هى بالتى أعرفها ’ فلبثنا على ذلك خمسين ليلة ’ فأما صاحباى فاستكانا وقعدا فى بيوتهما يبكيان ’ وأما أنا فكنت أشبّ القوم وأجلدهم ’ فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف فى الأسواق ولا يكلمنى أحد ’ وآتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو فى مجلسه بعد الصلاة فأقول فى نفسى هل حرّك شفتيه برد السلام علىّ أم لا ؟ ثم أصلى قريباً منه أسارقه النظر ’ فإذا أقبلت على صلاتى أقبل إلىّ ’ وإذا إلتفت نحوه أعرض عنى ’ وبينما أنا أمشى بسوق المدينة إذا نبطى من أنباط الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة ’ يقول من يدلنى على كعب ابن مالك ؟ فطفق الناس يشيرون له حتى إذا جاءنى دفع الىّ كتاباً من ملك غسان ’ فإذا فيه أما بعد قد بلغنى أن صاحبك قد جفاك ’ ولم يجعلك الله فى دار هوان ولا مضيعة ’ فالحق بنا نواسك ) فقلت لما قرأتها وهذا أيضاً من البلاء ’ فتيممت به التنور فسجرته بها ’ حتى إذا مضت أربعين ليلة من الخمسين إذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتينى فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل إمرأتك ’ فقلت أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال لا بل إعتزلها ولا تقربها ’وأرسل الى صاحبى بمثل ذلك ’ فقلت لإمرأتى إلحقى بأهلك فكونى عندهم حتى يقضى الله فى هذا الأمر ... فلبثت بعد ذلك عشر ليالى حتى كملت لنا خمسين ليلة من حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا ’ فلما صليت الفجر صبح خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا ’ فبينا أنا جالس على الحال التى ذكرها الله ( قد ضاقت علىّ نفسى وضاقت علىّ الدنيا بما رحبت ) سمعت صوت صارخ أوف على جبل سلع باعلى صوته : يا كعب ابن مالك أبشر ’ فخررت ساجداً ’ وعرفت أنه قد جاء فرج ’ وآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر ’ فذهب الناس يبشرونا ’ وذهب قبل صاحبى مبشرون .. ولما جاءنى الذى سمعت صوته يبشرنى ’ نزعت له ثوبى فكسوته إياه ببشراه ة والله ما أملك غيرها يومئذ واستعرت ثوبين فلبستهما ’ وانطلقت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقانى الناس فوجاً فوجاً يهنئونى بالتوبة ’ ودخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس فقام الىّ طلحة ابن عبيد الله يهرول حتى صافحنى وهنأنى والله ما قام الىّ رجل من المهاجرين غيره ولا أنساها لطلحة ’ قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور : أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمّك ’ قال : قلت : أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله ؟ قال : لا بل من عند الله ’ فقلت يا رسول الله ! إن من توبتى أن أنخلع من مالى صدقة الى الله ورسوله ’ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ’ فقلت : يا رسول الله إنما نجانى الصدق ’وإن من توبتى أن لا أحدث إلا صدقاً ما بقيت ’ وأنزل الله تعالى على رسوله لقد تاب الله علىالنبىو المهاجرين و الأنصار ) الى قوله : ( وكونوا مع الصادقين ) .


العبر و العظات :
أولا:- كلمة على هامش الغزوة :
لقد أخذالإسلام يستقر فى الجزيرة العربية ’ واستولى سلطانه على الأفئدة و النفوس وهذا ما كانت النصارىتراقبه من بعيد فى خوف وقلق .
فالرومان ’ لم يعانقوا النصرانية إيماناً منهم بها ’ وإنما كانوا اتخذوها ذريعة الى إستعمار شعوب تلك المنطقة ’ ولأجل ذلك تلاعبوا كما أرادوا ’ وغيروا منها وبدلوا ’ فخلطوا هديها بوثنيتهم وأضافوا الى ما فيها من الحق الكثير من باطلهم .
والإسلام - وهو الدين الذى تكررت الدعوة إليه على لسان جميع الرسل و الأنبياء - إنما جاء ليخرج به الناس عن كل سلطان غير سلطان الله تعالى ’ فلا يكون لأحد عليهم سيادة ولا سلطان ولا حكم إلا سلطان الله وحكمه . ’ وهم - قد علموا من النصرانية كل حقائقها - أدرى الناس بخطورة هذه الرسالة الأخيرة وما تحمل فى طيها من تهديد لحكم الطغاة وسلطان المتسلطين وبغى الباغين ’ فلا غرو أن يكون هذا الدين - وقد استقر أمره فى الجزيرة العربية - مصدر قلق وتخوف لدى الطغاة من الروم وأتباعهم الذين ما دخلوا النصرانية إلا ظاهرا ’ وما أرادوا من ذلك إلا ضمان بسط سلطانهم على المستضعفين . فمن أجل ذلك تلقوا خبر فتح مكة ونبأ إنتصار الإسلام فى الجزيرة العربية بالذعر ’ ثم أخذوا يجمعون جموعهم بين الشام و الحجاز ’ علّهم يقفون فى وجه هذا الدين الذى سيكون فى إنتشاره القضاء عليهم وعلى سلطانهم .
ولقد كان من مقتضى هذا الإهتمام لدى الروم ’ أن يكون الإشتباك بينهم وبين المسلمين عظيماً و خطيراً ’ ولكن حكمة الله عز وجل تشاء أن يكتفى من جهاد المسلمين فى هذه الغزوة بذلك الجهد العظيم الذى بذلوه و المشقات الجسيمة التى تحملوها ’ إذ قطعوا تلك المسافة المضنية بين المدينة وتبوك ذهاباً و إياباً ’ ولقد كانت - كما رأيت - رحلة عجيبة فى عذابها و أتعابها ومشاهد العسر التى فيها ... وما الجهاد الذى أمر الله به ؟ هل هو إلا بذل النفس و الجهد فى سبيل شرعة الله ودينه ؟ إن هذا هو كل ما يريد الله من عباده ’ ومعاذ الله أن يكون بحاجة من وراء ذلك الى معونتهم لرد كيد الكافرين أو إدخال معنى الهداية و الإيمان فى قلوب الجاحدين ’ وقد بذل جيش العسرة فى هذه الغزوة العسيرة المضنية ’ المال و الجهد وضحوا بالراحة فى أجمل فرصها ’ واستبدلوا بها العذاب فى أقسى صوره وأشكاله ’ ولقد برهنوا بذلك على صدق إيمانهم بالله ومحبتهم له ’ فحق لهم النصر و التأييد ’ وأن يكفيهم الله القتال ’ برعب من لدنه يقذفه فى قلوب أعدائهم ’ فيتفرقون عنهم ويخضعون لحكم الله فيهم ’ وهكذا فقد كان عسر خضوع الروم لحكم الجزية و قيودها ’ فى مقابل العسر الذى تحمله المسلمون مع رسولهم صلى الله عليه وسلم فى مرضاة ربهم جل جلاله .

ثانياً :- العبر و الأحكام :
وإنك لتجد فى هذه الغزوة دروساً و أحكاماً كثيرة ’ نجمل منها ما يلى :

1- أهمية الجهاد بالمال :
فالجهاد ضد أعداء الإسلام ليس محصوراً بالخروج للغزو ’ بل ولا يكفى منه ذلك وحده ’ فحيثما توقف أمر الجهاد بالقتال و السلاح على نفقات ومال ’ وجب على المسلمين كلهم أن يقدموا من ذلك ما يقع موقع الكفاية بشرط أن يكون ذلك بنسبة ما يتفاوتون به من كفاية وغنى .
ولقد قرر الفقهاء أن الدولة إذا ما إضطرت الى النفقات للجهاد ’ كان لها أن تفرض على الناس حاجتها من ذلك بالشكل الذى ذكرناه ’ غير أنهم إتفقوا على أن ذلك مشروط بأن لا يكون فى أموال الدولة ما يوضع فى نفقات كمالية أو غير مشروعة ’ إذ أن أموال الناس ليس أولى من أموال الدولة بأن تصرف الى حاجات الجند و القتال .
هذا ’ ولقد رأيت كيف أن عثمان ابن عفان رضى الله عنه قد جاء الى النبى صلى الله عليه وسلم بثلاثمائة بعير بكل ما تحتاجه من الأقتاب و الأحلاس وبمائتى أوقية من الفضة حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم ’ وفى هذا بيان لفضل عثمان رضى الله عنه ’ بل وإن فى هذه الكلمة التى قالها عليه الصلاة و السلام : ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم زجراً وتأديباً لكل من أراد أن يطيل لسانه على عثمان من أمثال أولئك الذين يتشدقون بالنقد على سياسته أيام خلافته ’ يكتبون الصفحات الطوال عما يسمونه بمظهر الضعف أوالتحيز فى سياسته .’ مقتفين فى ذلك ما يطيب للمستشرقين القيام به من إمطار التاريخ الإسلامى بوابل النقد و الكذب و التضليل تحقيقاً لغاية مرسومة معروفة يتطلعون إليها ويغذون السير للوصول إليها . إن هؤلاء الذين يضعون أنفسهم فى أبراج عالية من النزاهة النادرة ’ لينطلقوا من هناك بأحكامهم على عثمان و سياسته ’ هم أحوج ما يكونون الى أن يتحسسوا أمراضهم المختلفة ثم يداووها بدراسة شىء من مناقب هذا الخليفة العظيم و الإهتداء بهديه وسلوكه ’ ومهما يكن من شأن عثمان فى خلافته ’ فأى بقية من أدب توجد عند من يسمع كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم ) ثم يمضى بعد ذلك منتشياً بنقده و تسفيه سياسته ؟!..

2- كلمة عن حديث أبى بكر وما إختلقه البعض فيه من زيادة ليسوغوا بها بدعة من أهم البدع المحرمة :
ذكرنا الحديث الذى رواه الترمذى وأبو داود ’ عن تقديم أبى بكر ماله كله للرسول صلى الله عليه وسلم ’ وأنه أجابه حينما سأله صلى الله عليه وسلم وما أبقيت لأهلك ؟ ’ أجاب : أبقيت لهم الله ورسوله .
وقد إختلق بعضهم زيادة على الحديث ’ أن النبى صلى الله عليه وسلم قال له : يا أبا بكر إن الله راض عنك ’ فهل أنت راض عن الله ؟ ’ فاستفزه السرور و الوجد ’ وقام يرقص أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً : كيف لا أرضى عن الله ؟ ... ثم ذهبوا يجعلون من هذه الزيادة المختلقة دليلاً على مشروعية الرقص و الدوران فى حلق الذكر على نحو ما يفعل ( المولوية ) وطوائف أخرى من المتصوفة .
فأما الدليل الذى يستندون إليه فهو دليل مختلق كما ذكرنا ’ ولم يثبت فى حديث صحيح ولا ضعيف أن أبا بكر قام بفعل ذلك بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ كل ما ورد فى الأمر هو ما ذكرته من نص حديث الترمذى و الحاكم وأبى داود ’ على ما فيه من إحتمالات الضعف التى بينتها فىتخريج الحديث .
وأما المدلول فلا نقول أنه لم يثبت دليلاً عليه ’ بل الحق الذى ينبغى أن يقال : إن الدليل قد ثبت على حرمته ’ وإليك بيان ذلك :

أجمع الأئمة على أن الرقص محرم ’ إن كان مع التثنى ’ واتفق الجمهور على أنه مكروه إن كان بدون ذلك ’ فإدخال الرقص - مهما كانت كيفيته - فى ذكر الله تعالى ’ إقحام لما هو مكروه أو محرم فى عبادة مشروعة ’ وتحويل له بذلك الى عبادة يتقرب بها الى الله تعالى دون أى دليل عليها ’ أو على أنها قد خرجت عن الكراهة و التحريم .
أضف الى ذلك ما يتلبس به حال هؤلاء الذاكرين من التفوه بأصوات ليس من ألفاظ الذكر فى شىء ’ وإنما هى حمحمات وهمهمات تصّاعد من حلوقهم ’ ليتكون منها دوىّ متناسق معين ينسجم مع تواقيع المنشدين و المطربين ’ فتحدث بذلك مزيداً من النشوة و الطرب فى النفوس . فكيف يكون هذا ذكر لله تعالى كالذكر الذى أمر به و الذى كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ؟ .. وكيف يكون هذا العمل عبادة والعبادة كما تعلم ’ هى ما شرعه الله تعالى فى كتابه أو سنة رسوله لا يزاد عليها ولا ينقص منها .
واعلم أن هذا الذى نقوله ’ هو ما أجمع عليه علماء الشريعة الإسلامية فى مختلف العصور ’ لم يشذ عنها إلا القلة من مبتدعة شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله ’ فكم من محرمات استحلوها ’ومن موبقات إرتكبوها ’ باسم الوجد و التواجد آناً ’ وباسم الإنعتاق من ربقة التكاليف آناً آخر .
وإليك ما يقوله فى هذا إمام من أجل أئمة المسلمين ديناً وعلماً وورعاً وتصوفاً وهو العز ابن عبد السلام
وأما الرقص و التصفيق فخفة ورعونة مشبهة لرعونة الإناث ’ لا يفعلها إلا راعن أو متصنع كذاب ’ كيف يتأتى الرقص المتزن بأوزان الغناء ممن طاش لبه وذهب قلبه ’ وقد قال صلى الله عليه وسلم خير القرون قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ) ولم يكن واحد من هؤلاء الذين يقتدون بهم يفعل شيئاً من ذلك ) .

ويقول مثل هذا الكلام ابن حجر أيضاً فى كتابه : كف الرعاع ’ وابن عابدين فى حاشيته المشهورة المعتمدة عند السادة الأحناف ’ مفرقاً بين الوجد القاهر و التواجد المصطنع .
أما الإمام القرطبى فيتوسع فى التحذير من هذه البدعة وبيان حرمتها توسعاً كبيراً ’ وإذا أردت أن تقف على كلامه فى ذلك فارجع الى تفسيره عند قول الله تعالى الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ) ’ وقوله تعالى ولا تمش فى الأرض مرحاً إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً ) .
ولولا الإطالة فيما ينبغى أفختصار فيه لسردت لك نصوص كثير من الأئمة فى هذا الشأن ’ لتعلم أن هذا هو الحق الذى إتفق عليه عامة الأئمة من سلف وخلف لا خلاف فيه ولا نزاع .

ومن الواضح أنه يستثنى من عموم ما ذكرناه ما إذا خرج الذاكر عن طوره بأن سيطرت عليه حال لم يملك معها شعوره وزمام نفسه ’ إذ لا يتعلق به حكم تكليفى فى ذلك الطور ’وعليه يحمل ما قد قيل من أن العز ابن عبد السلام نفسه قد هاج مرة فقام يقفز ’ إذ كيف يفعل ذلك باختيار وقصد وهو صاحب النص الذى نقلناه عن كتابه ؟ .

3- المنافقون : طبيعتهم ومدى خطورتهم على الإسلام :
نال أمر هذه الغزوة من حديث كتاب الله عنها وتعليقه عليها ما لم تنله أى غزوة أخرى ’ وإنك لتقرأ عنها فى سورة التوبة آيات بل صفحات كثيرة ’ وتركز معظم هذه الآيات على بيان أهمية الجهاد فى سبيل الله بالمال و النفس ’ وأنه الدليل الوحيد على صدق إسلام المسلم ’ وأنه أهم فارق بين المؤمنين و المنافقين ’ وأن على المسلمين - إذا كانوا مسلمين - أن لا يركنوا الى الدعة و الراحة وأن يستهينوا بما قد يتعرضون له من عذاب وشدة فى سبيل الله تعالى ’ كما أطالت فى الحديث عن المنافقين وفضح نواياهم و الخفىّ من مقاصدهم .
والدرس الذى فى ذلك هو بيان خطورة أمر النفاق و المنافقين على المسلمين فى كل عصر ’ وإيضاح أن الإسلام دعوى لابد أن يصدقها الجهاد و التعرض للمحن ’ حتى يتميز الصادق عن الكاذب ’ ويمحص إيمان المؤمنين عن دجل المنافقين ’ ولقد كانت تبوك أعظم مادة لهذا الدرس القرآنى’ إذ كان إختبار المسلمين بها أعظم إختبار إلهى كشف اللثام عن النفاق فى المدينة وميز المنافقين عن المسلمين الصادقين أعظم تمييز ’ ثم نزلت الآيات القرآنية المتوالية فى كتاب الله تعالى تضبطهم بجرائمهم وتعلن للمسلمين سرائرهم وتحذرهم منهم فى كل زمان ومكان فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله وقالوا : لا تنفروا فى الحر قل نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون ’ فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً جزاءاً بما كانوا يكسبون ’ فإن رجعك الله الى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معى أبداً ولن تقاتلوا معى عدواً إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين ).
وأنت إذا رجعت الى ما قبل هذه الآيات وما بعدها ’ رأيت إهتماماً غريباً بشأن المنافقين والحديث عنهم والتحذير منهم ’ وما ذلك إلا لأن المسلمين لا يؤتون فى معظم ما يصيبهم من نكبات إلا من قبل المنافقين ’ فلا يتسنى لعدوهم أن يتسلل إليهم إلا من خلال ثغرات النفاق و المنافقين ’ ولا ينخدع المسلمون بعدوّهم كما ينخدعون للمنافقين منهم ’ ’ ولا يصابون بعدوى الضعف و الخبال و التفرق كما يصابون به من قبل المنافقين ’ وصدق الله العظيم إذ يقول لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم ’ والله عليم بالظالمين ) .
ومكمن الخطورة فيهم ’ أنهم إنما يحاربون الإسلام باسمه ’ ويكيدون له بسلاحه ’ يتلاعبون بما فيه من أحكام باسم الإصلاح و المرونة والتمسك بروح التشريع ويستخرجون منه الفتاوى الملفقة المصطنعة تحقيقاً لأمانيهم أو تقرباً الى سادتهم وأولياء نعمتهم ’ والعظة التى ينبغى أن يأخذها المسلمون من هذا الدرس هو أن يحذروا عدوهم الخارجى مرة على ا، يحذروا المنافقين ألف مرة ’ وأن يحاربوا أول ما يحاربون ما قد يشيع بينهم من النفاق .

4- الجزية وأهل الكتاب :
فى هذه الغزوة دليل على مشروعية أخذ الجزية من أهل الكتاب ’ وأنهم يحرزون بذلك دماءهم وأموالهم ’ فقد رأيت أن الروم اختفوا و تفرقوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما وصل الى تبوك ’ وجاءه متنصرة العرب فصالحوه صلى الله عليه وسلم على الجزية ’ وكتب لهم صلى الله عليه وسلم بذلك كتاباً والجزية ضريبةمالية تقوم بالنسبة لأهل الكتاب مقام الزكاة بالنسبة للمسلمين و الفرق بينهما أن الجزية تقوم على أساس قضائى مجرد على حين تقوم مشروعية الزكاة على أساس من الديانة و القضاء معاً ’ ويعتبر الخاضعون لحكم الجزية داخلين فى حكم الإسلام القضائى فى المجتمع الإسلامى ’ وإن لم يدينوا به عقيدة فى نفوسهم ’ ولذلك فإن عليهم أن لا يجاهروا فى مخالفة شىء من قوانينه و أحكامه العامة إلا ما يتدينون من ذلك بخلافه فى زعمهم كشرب الخمر ونحوه .
هذا ’ والفرق بين الكتابيين وغيرهم من الملاحدة و الوثنيين فى أمر الجزية ’ هو أن الكتابيين يمكنهم أن ينسجموا مع المجتمع الإسلامى و نظامه العام مع إحتفاظهم بما يدينون به ’ أما الملاحدة و الوثنيين واشباههم فلن تجد بينهم و بين المجتمع الإسلامى قدراً مشتركاً يضمن الإنسجام ’ إذ لا يمكن لفكرة الإلحاد و الوثنية أن تلتقى مع الحكم و النظام الإسلامى فى أى فرع من الفروع ’ لقيام تناكر وتخالف بينهم فى أعمق الأسس و الجذور .
5- يدلنا ما ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما مرّ بمنازل ثمود أنه يكره للمسلم أن يدخل ديار الأمم الخالية ممن أهلكهم الله بكفرهم أو أن يمر على شىء من آثارهم - إلا معتبراً بحالهم ’ يتأمل فى مآلهم ’ يسأل الله تعالى العافية و الرحمة له و للمسلمين ’ إذ هى منازل شهدت مظهراً من غضب الله تعالى ’ وسجلت على إطلالها آثار من غضب الله ’ فهى باقية عليها مع الدهر لتكون عبرة لأولى البصائر و الألباب ’ كما أوضح ذلك فى كثير من آياته ’ فمن الخطأ الكبير أن يمر الإنسان عليها ساهياً لا هياً ’ لا يعبأ منها بغير مظهر الشكل أو البناء و النقوش .
وكم فى الأرض من عبر وعظات من هذا القبيل ’ تظل تدوى بلسان حالها على أسماع الناس أن إعتبروا يا أولى الأبصار ’ ولكن الناس لا يستمعون منها إلا الى ما يوسوس إليهم شياطينهم على ألسنتها ’ ولا يقبلون منها إلا على مظاهر الفن و القيمة الأثرية و التاريخية !..
6- وعلينا الآن أن نتأمل فى الفرق بين سياسته صلى الله عليه وسلم مع المنافقين و سياسته مع أصحابه المؤمنين الصادقين ’ لقد تخلف - كما رأيت - كثير من المنافقين عن هذه الغزوة ’ وجاؤا يعتذرون له صلى الله عليه وسلم بشتى الأعذار المختلفة ’ ومع ذلك فقد صفح عنهم وقبل علانيتهم ووكل سرائرهم الى الله تعالى ’ وتخلف عدد يسير من المؤمنين من غير ريبة ولا نفاق ’ ثم جاؤا إليه صلى الله عليه وسلم لا يصطنعون عذراً ولا كذباً يسألونه العفو و الصفح ’ ومع ذلك فقد عاقبهم ولم يصفح عنهم ’ ولقد رأيت مدى قساوة العقوبةالتى أنزلها بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ فلماذا؟ !... لماذا إختار مع المنافقين اللين والصفح ’ واختار للمسلمين الصادقين الشدة و العقوبة ؟!...
و الجواب : أن الشدة و القسوة فى هذا المقام مظهر من مظاهر الإكرام و التشريف ’ و هو ما لا يستأهله المنافقون ’ وكيف يستأهل المنافقون أن تنزل آيات فى توبتهم وعفو الله عنهم ؟! ثم إن المنافقين محكوم عليهم - علىأى حال - أنهم كفرة ’ ولن ينشلهم شىء مما يتظاهرون به فى الدنيا من الدرك الأسفل من النار يوم القيامة ’ وقد أمر الشارع جل جلاله أن ندعهم لما تظاهروا به ونجرى ألحكام الدنيوية حسب ظواهرهم ’ ففيم التحقيق عن بواطن أعذارهم و حقيقة أقوالهم ’ وفيم معاقبتهم فى الدنيا على ما قد يصدر عنهم من كذب ونحن إنما نعطيهم الظاهر فقط فى المعاملة و الأحكام ’ كما يبدوا لنا ’ هم أيضاً الظاهر فقط من أحوالهم و عقائدهم .
قال ابن القيم : وهكذا يفعل الرب سبحانه بعباده فى عقوبات جرائمهم ’ فيؤدب عبده المؤمن الذى يحبه وهو كريم عنده ’ بأدنى زلة وهفوة ’ فلا يزال مستيقظاً حذراً ’ وأما من سقط من عين الله تعالى وهان عليه فإنه يخلى بينه وبين معاصيه ’ وكلما أحدث ذنباً أحدث له نعمة ’ واعلم أن فى حديث كعب ابن مالك الذى ذكرناه عبراً ودلالات هامة نذكر منها ما يلى :
أولاً:- مشروعية الهجر لسبب دينى ’ فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن مكالمة كعب وصاحبيه طيلة تلك المدة ’ قال ابن القيم : وفيه دليل أيضاً على أن رد السلام على من يستحق الهجر ليس بواجب ’ إذ كان مما قاله كعب : فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وآتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو فى مجلسه بعد الصلاة فأقول هل حرك شفتيه برد السلام علىّ ام لا ؟ فلو كان رد السلام عليه واجباً لكان لا بد من إسماعه .
ثانياً :- وابتلاء آخر إمتحن الله به كعباً رضى الله عنه ’ ومن الجدير التأمل فيه لتعلم كيف ينبغى أن يكون إيمان المسلم بربه جل جلاله ’ فقد رأيت أن ملك غسان أرسل إليه معظماً ومبجلاً يدعوه الى ترك هؤلاء الذين ىذوه وأعرضوا عنه و اللحاق ببلاده ليجد عنده الإكرام و السعادة ’ وكان قد بلغ الكرب إذ ذاك بكعب أشده ’ ولكن هذا الإبتلاء لم يكشف إلا عن المزيد من إيمانه بربه وشدة إخلاصه ومحبته له .
وكم من أقدام زلت ’ وتزل اليوم فى هذا المنزلق الذى وضع أمام كعب رضى الله عنه لابتلائه به واختباره ’ فمرّ من فوقه عزيزاً بإيمانه قوياً بإسلامه ’ لم يتأثر به ولا إنزلق فيه .

ثالثاً :- سجود الشكر لله تعالى عبادة مشروعة ’ دل عليها سجود كعب رضى الله عنه حينما سمع صوت المبشر بتوبة الله عليه ’ قال ابن القيم : وقد سجد أبو بكر الصديق لما جاءه قتل مسيلمة الكذاب ’ وسجد علىّ ابن أبى طالب لما وجد ذا الثدية مقتولاً فى الخوارج ’ وسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما بشره جبريل أنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشراً .
رابعاً :- ذهب الحنفية ماعدا زفر الى أن الرجل إذا ندر ماله كله صدقة على المساكين لم يلزمه التصدق إلا بالأموال الزكوية فقط ’ ولهم أدلة على ذلك ’ لعل من جملتها ما أجاب به رسول الله صلى الله عليه وسلم كعباً حينما قال له : إن من توبتى أن أنخلع من مالى صدقة لله ورسوله ’ فقد قال له أمسك عليك بعض مالك . والذين ذهبوا الى أن كل ماله يصبح صدقة إذا نذره ’ قالوا إن قول كعب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليس فى حقيقته إنشاء لصيغة نذر ’ ولكنه إستشارة له عليه الصلاة و السلام ’ فأخبره صلى الله عليه وسلم أن بعض ذلك يجزيه ’ ولعل هذا هو الأقرب فى فهم سياق كلام كعب رضى الله عنه وجواب النبى صلى الله عليه وسلم له .
حج أبى بكر رضى الله عنه بالناس سنة تسع
لما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم عائداً من تبوك ’ أراد الحج ’ ثم قال : إنما يحضر المشركون فيطوفون عراة فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك ’ فأرسل أبا بكر رضى الله عنه وأردفه بعلى رضى الله عنه ’ ينهيان المشركين عن الحج بعد ذلك العام ’ ويعطيانهم مهلة للدخول فى الإسلام أربعة اشهر ’ ثم ليس بينهم وبين المسلمين إلا القتال .
روى البخارى فى كتاب المغازى عن أبى هريرة أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه بعثه فى الحجة التى امره عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ قبل حجة الوداع يوم النحر فى رهط يؤذن فى الناس : لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان .
وروى محمد ابن كعب القرظى وغيره أن النبى صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر أميراً على الموسم سنة تسع من الهجرة ’ وبعث علىّ ابن أبى طالب بثلاثين أو أربعين ىية من براءة ’ فقرأها علىالناس يؤجل المشركين - أى يمهلهم - أربعة أشهر يسيحون فى الأرض ’ فقرأها عليهم يوم عرفة ’ أجلهم عشرين من ذى الحجة ’ و المحرم ’ وصفر ’ وشهر ربيع الأول ’ وعشرً من ربيع الآخر ’ وقرأها عليهم فى منازلهم وقال : لا يحجنّ بعد عامنا هذا مشرك ولا يطوفنّ بالبيت عريان .
وروى الإمام أحمد عن محرز ابن أبى هريرة عن أبيه قال : كنت مع علىّ رضى الله عنه حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم الى أهل مكة ببراءة ’ فقال : ما كنتم تنادون ؟ قال : كنا ننادى أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ’ ولا يطوف ابلبيت عريان ’ ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فأن أجله أو مدته أربعة أشهر ’ فإذا مضت الأربعة أشهر فإن الله برىء من المشركين ورسوله ’ ولا يحج هذا البيت بعد عامنا هذا مشرك ’ قال : فكنت أنادى حتى صحل صوتى ’ فذلك هو المقصود بقوله تعالى وأذان من الله ورسوله الى الناس يوم الحج الأكبر أن الله برىء من المشركين ورسوله ’ فإن تبتم فهو خير لكم ’ وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزى الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم ) .
وروى ابن سعد أن النبى صلى الله عليه وسلم استعمل أبو بكر على الحج ’ خرج فى ثلاثمائة رجل من أهل المدينة ’ وبعث معه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشرين بدنة قلدها وأشعرها .


العبر و العظات :
1- المشركون و تقاليدهم فى الحج :
لقد عرفت فيما مضى أن الحج الى بيت الله الحرام كان مما ورثه العرب عن إبراهيم عليه الصلاة و السلام ’ فكان من بقايا الحنيفية التى ما زالوا محافظين عليها ’ إلا أن كثيراً من أدران الجاهلية و أباطيل الشرك قد تسلل إليه ’ حتى غدا مظهراً من مظاهر الشرك أكثر من أن يكون عبادة قائمة على عقيدة التوحيد ’ذكر ابن عائذ أن المشركين كانوا يحجون مع المسلمين ’ ويعارضهم المشركون بإعلاء أصواتهم ليغلطوهم بذلك ’ فيقولون لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك ’ وكان الرجال منهم منهم يطوفون بالبيت عراة ليس على رجل منهم ثوب ’ يرون ذلك تعظيماً للبيت !.. وكان يقول أحدهم : أطوف بالبيت كما ولدتنى أمى ’ ليس على شىء من الدنيا خالطه الظلم ’ وظلت هذه الأرجاس الى نهاية العام التاسع من الهجرة ’ حيث كان حج أبى بكر رضى الله عنه و الإنذار الذى بلغه كل من ابى بكر وعلىّ رضى الله عنهما لسائر المشركين ’ إيذاناً بطهارة المسجد الحرام عن تلك الأرجاس وزوالها الى غير رجعة .

2- إنتساخ العهد بإعلان الحرابة :
ثم أعلن أن المشركين كانوا إذ ذاك صنفين ’ كما قال محمد ابن اسحاق وغيره ’ أحدهما : كان بينه وبين النبى صلى الله عليه وسلم عهد الى ما دون أربعة أشهر من الزمن ’ فأمهل هذا الصنف الى تمام المدة ’ وثانيهما : كان بينه و بين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد مفتوح ’ أى بغير أجل ’ فاقتصر به القرآن فى سورة براءة على أربعة أشهر ’ ثم هو بعد ذلك الحرب بينهم وبين المسلمين .
يقتل أحدهم حيث أدرك ’ إلا أن يسلم ويتوب ’ وابتداء هذا الأجل من يوم عرفة من العام التاسع ’ وانقضاؤه الى عشر من شهر ربيع الآخر . وقيل - وهو رأى الكلبى - إنما الأشهر الأربعة مدة لمن كان بينه و بين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد دون أربعة أشهر ’ فأما من كان عهده أكثر من ذلك ’ فقد امر الله أم يتم عهده الى مدته ’ فذلك معنى قول الله تعالى إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً ولم يظاهروا عليكم أحداً فأتموا إليهم عهدهم الى مدتهم ’ إن الله يحب المتقين ). و القول الأول أصح و أوجه ’ إذ ليس فى سورة براءة شىء جديد على رأى الكلبى ’ وإنما هو تأكيد للعهود القائمة بيم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين ’ لم تغير منها شيئاً ولم تأت بجديد ’ فأى معنى عندئذ فى قراءة علىّ رضى الله عنه للسورة على مسامع المشركين ينذرهم بها ’ وأى جديد فى أن يبعث النبى صلى الله عليه وسلم علياً بذلك ؟.

3- تأكيد آخر لحقيقة معنى الجهاد :
وإنك لتلحظ فى هذا تأكيداً جديداً على أن الجهاد فى الشريعة الإسلامية ليس حرباً دفاعية كما يحب المستشرقين !.
تأمل فى قول الله تعالى وهو ينذر فلول المشركين وبقاياهم حول مكة ’ من أهل نجد وغيرهم براءة من الله ورسوله الى الذين عاهدتم من المشركين ’ فسيحوا فى الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزى الله وأن الله مخزى الكافرين ’ وأذان من الله ورسوله الى الناس يوم الحج الأكبر أن الله برىء من المشركين ورسوله ’ فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزى الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم ’ إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً ولم يظاهروا عليكم أحداً فأتموا إليهم عهدهم الى مدتهم إن الله يحب المتقين ’ فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم ) .
إن هذه الآيات الواضحة القاطعة لم تبق فى ذهن أى مجال لتصور ما يسمى بالحرب الدفاعية ’ أساساً لمعنى الجهاد فى الإسلام ’ وأنت تعلم أن سورة براءة من أواخر ما نزل من القرآن ’ فأحكامها - واكثر أحكامها متعلق بالجهاد - مستقرة باقية . ولست أرى ما يدعوا الى القول بأن هذه الآيات نسخت ما قبلها من الآيات التى تقرر الجهاد الدفاعى ’ كقول الله تعالى أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ’ وإن الله على نصرهم لقدير ) ’ ذلك لأن الجهاد فى مشروعيته غير ناظر الى هجوم أو دفاع ’ إنما هو يستهدف إعلاء كلمة الله تعالى ’ وإشادة صرح المجتمع الإسلامى السليم وإقامة دولة الله فى الأرض ’ فأياً كانت الوسيلة المتعينة الى ذلك وجب إتباعها .
قد تكون الوسيلة ’ لظرف ما المسالمة و بث النصيحة و التعليم و الإرشاد و التوجيه ’ فهذا هو الجهاد المشروع حينئذ ’ وقد تكون الوسيلة المتعينة لظروف أخرى الحرب الهجومية ’ فهى عندئذ ذروة الجهاد وأشرفه ’ وإنما يقدر الظرف ويعين الوسيلة ويحددها الحاكم المسلم المتبصر الواعى المخلص لله ورسوله ولعامة المسلمين ’ وهذا يعنى أن جميع هذه الوسائل الثلاث مشروعة فى تحقيق الجهاد ’ على أن لا يطبق منها إلا ما تقتضيه المصلحة الآنية التى يقدرها الحاكم المخلص ’ وتبادل التطبيق ليس من النسخ فى شىء ’ ثم إن حج أبى بكر هذا كان تعليماً للمسلمين أصول المناسك وكيفية أدائها ’ ثم كان تمهيداً لحجة الإسلام وحجة الوداع التى كان قائدها محمد صلى الله عليه وسلم

__________________

هجرة الرسول الى الطائف
هجرة الرسول الى الطائف
رد مع اقتباس
  #13  
قديم 05-04-2010, 03:26 AM
الصورة الرمزية اميــرة الاحســاس
اميــرة الاحســاس اميــرة الاحســاس غير متواجد حالياً
ميداليه ماسيه
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
الدولة: egypt
المشاركات: 11,472
افتراضي حادثة شق الصدر التي حدثت لمحمد (صلَّى الله عليه وسلم) في بني سعد:

Sireh
حادثة شق الصدر التي حدثت لمحمد (صلَّى الله عليه وسلم) في بني سعد:


مكث "محمد" في مضارب "بني سعد" خمس سنوات، صح فيها بدنه واطَّرد نماؤه، وهذه السنوات الخمس هي عمر الطفل. فلا ينتظر أن يقع فيها شيء يذكر. غير أن السنن الصحاح سجلت في هذه الفترة ما عرف بعد بحادث "شق الصدر".
عن أنس أن رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه، فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرجه، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك: ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده إلى مكانه. وجاء الغلمان يسعون إلى أمه -يعني مرضعته- أن محمداً قد قتل. فاستقبلوه وهو منتقع اللون.
وهذه القصة التي روعت حليمة وزوجها، ومحمد مسترضع فيهم، نجدها قد تكررت مرة أخرى ومحمد عليه الصلاة والسلام رسول جاوز الخمسين من عمره، فعن مالك بن صعصعة أن رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) حدثهم عن ليلة أسري به قال: بينا أنا في الحطيم -وربما قال في الحِجْر- مضطجع بين النائم واليقظان أتاني آت، فشق ما بين هذه إلى هذه -يعني ثغرة نحره إلى شعرته- قال: فاستخرج قلبي: ثم أتيت بطست من ذهب مملوء إيماناً، فغسل قلبي، ثم حشي ثم أعيد....
لو كان الشر إفراز غدة في الجسم ينحسم بانحسامها؛ أو لو كان الخير مادة يزود بها القلب كما تزود الطائرة بالوقود فتستطيع السمو والتحليق.. لقلنا: إن ظواهر الآثار مقصودة. ولكن أمر الخير والشر أبعد من ذلك؛ بل من البديهي أنه بالناحية الروحية في الإنسان ألصق. وإذا اتصل الأمر بالحدود التي يعمل الروح في نطاقها، أو بتعبير آخر عندما ينتهي البحث إلى ضرورة استكشاف الوسائل التي يسيِّر بها الروح هذا الغلاف المنسوج من اللحم والدم، يصبح البحث لا جدوى منه، لأنه فوق الطاقة.
وشيء واحد هو الذي نستطيع استنتاجه من هذه الآثار، أن بشراً ممتازاً كمحمد لا تدعه العناية غرضاً للوساوس الصغيرة التي تناوش غيره من سائر الناس. فإذا كانت للشر "موجات" تملأ الآفاق، وكانت هناك قلوب تسرع إلى التقاطها والتأثر بها فقلوب النبيين -بتولي الله لها- لا تستقبل هذه التيارات الخبيثة ولا تهتز لها. وبذلك يكون جهد المرسلين في "متابعة الترقي" لا في "مقاومة التدلي" وفي تطهير العامة من المنكر لا في التطهر منه، فقد عافاهم الله من لوثاته.
عن عبدالله بن مسعود قال رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم): "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة". قالوا: وإياك يا رسول الله قال: "وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير".
وفي حديث عن عائشة، قال لها رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم). أغِرتِ؟ قالت: وما لمثلي لا يغار على مثلك! فقال لها رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم): لقد جاءك شيطانك! قالت: أو معي شيطان؟ قال: ليس أحد إلا ومعه شيطان. قالت: ومعك؟ قال نعم، ولكن أعانني الله عليه فأسلم أي انقاد وأذعن فلا يستطيع أن يهجس بشر.
ولعل أحاديث شق الصدر تشير إلى هذه الحصانات التي أضفاها الله على محمد (صلَّى الله عليه وسلم) فجعلته من طفولته بنجوة قصية عن مزالق الطبع الإنساني ومفاتن الحياة الأرضية، وقد أورد الخازن في تفسيره القصة الأولى -أيام الرضاعة- عند تفسيره لقول الله عز وجل: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ. وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ. الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ..}.
وشرح الصدر الذي عنته الآيات ليس نتيجة جراحة يجريها مَلَك أو طبيب ويحسن أن تعرف شيئاً عن أساليب الحقيقة والمجاز التي تقع في السنة.
عن عائشة أن بعض أزواج النبي (صلَّى الله عليه وسلم) قلن: يا رسول الله، أينا أسرع بك لحوقاً؟ قال: أطولكن يداً. فأخذن قصبة يذرعنها فكانت سودة أطولهن يداً، فعلمنا بعد أنما كان طول يدها بالصدقة. وكانت تحب الصدقة وكانت أسرعنا لحوقا به....
آب "محمد" (صلَّى الله عليه وسلم) إلى مكة بعد أعوام طيبة قضاها في البادية،... آب ليجد أماً كريمة حبست نفسها عليه، وشيخاً مهيباً يلتمس في مرآه العزاء عن ابنه الذي خلّى مكانه في شرخ الشباب. وكأن الأيام أبت له قراراً بين هذه الصدور الرقيقة، فأخذت تحرمه منها، واحداً بعد الآخر.
رأت "آمنة" -وفاء لذكرى زوجها الراحل- أن تزور قبره بـ "يثرب" فخرجت من "مكة" قاطعة رحلة تبلغ خمسمائة كيلومتر في الذهاب غير مثيلتها في الإياب، ومعها في هذه السفرة الشاقة ابنها "محمد" (صلَّى الله عليه وسلم) وخادمتها "أم أيمن" وعبدالله لم يمت في أرض غريبة فقد مات بين أخواله بني النجار. قال ابن الأثير:
إن هاشماً شخص في تجارة إلى الشام فلما قدم المدينة نزل على عمرو بن لبيد الخزرجي، فرأى ابنته
سلمى" فأعجبته، فتزوجها، وشرط أبوها ألا تلد ولداً إلا في أهلها، ثم مضى هاشم لوجهه. وعاد من الشام فبنى بها في أهلها ثم حملها إلى مكة فحملت. فلما أثقلت ردها إلى أهلها ومضى إلى الشام فمات بـ "غزة" وولدت له "سلمى" عبد المطلب فمكث في المدينة سبع سنين...".
وقد ظل محمد عليه الصلاة والسلام لدى أخواله قريباً من قبر أبيه نحو شهر. ثم قفل عائداً إلى مكة. وإذا المرض يلاحق أمه ويلح عليها في أوائل الطريق فماتت بـ "الأبواء" وتركته وحيداً مع الخادم المشدوهة لحال طفل يفقد أباه وهو جنين، ويفقد أمه وهو ابن خمس سنين.
إن المصاب الجديد نكأ الجروح القديمة مما جعل مشاعر الحنو في فؤاد "عبد المطلب" تربو نحو الصبي الناشىء، فكان لا يدعه لوحدته المفروضة، بل يؤثر أن يصحبه في مجالسه العامة. كان إذا جلس على فراشه بجوار الكعبة، أدناه منه في حين يجلس الشيوخ حوله.
وقد تأخرت سن عبد المطلب حتى قيل: إنه توفي وله مائة وعشرون سنة إلا أنه فارق الحياة وعمر "محمد" يناهز الثمانية. فرأى -قبل وفاته- أن يعهد بكفالة حفيده إلى عمه أبي طالب.
ونهض أبو طالب بحق ابن أخيه على أكمل وجه، ضمه إلى ولده وقدمه عليهم، واختصه بفضل احترام وتقدير. وظل فوق أربعين سنة يعز جانبه ويبسط عليه حمايته، ويصادق ويخاصم من أجله.
ودرج محمد عليه الصلاة والسلام في بيت أبي طالب والسن تمضي به قدماً إلى الوعي العميق بما حوله. فأصر على أن يشارك عمه هموم العيش، إذ كان أبو طالب -على كثرة أولاده- قليل المال، فلما قرر أن يمضي على سنن آبائه في متابعة الرحيل إلى الشام ابتغاء الاتجار والربح قرر أن يكون معه. وكان عمره نحو الثلاث عشرة سنة.
__________________

هجرة الرسول الى الطائف
هجرة الرسول الى الطائف
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 05-04-2010, 03:29 AM
الصورة الرمزية اميــرة الاحســاس
اميــرة الاحســاس اميــرة الاحســاس غير متواجد حالياً
ميداليه ماسيه
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
الدولة: egypt
المشاركات: 11,472
افتراضي حياة الكدح واشتغال محمد (صلَّى الله عليه وسلم) برعي الغنم ومن ثم بالتجارة:

Sireh
حياة الكدح واشتغال محمد (صلَّى الله عليه وسلم) برعي الغنم ومن ثم بالتجارة:
عاد محمد عليه الصلاة والسلام من هذه الرحلة ليستأنف مع عمه حياة الكدح، فليس من شأن الرجال أن يقعدوا. ومن قبله كان المرسلون يأكلون من عمل أيديهم، ويحترفون مهناً شتى ليعيشوا على كسبها. وقد صح أن محمداً -عليه الصلاة والسلام- اشتغل صدر حياته برعي الغنم وقال: "كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة"... كما ثبت أن عدداً من الأنبياء اشتغل برعايتها، أترى ذلك تعويداً لهم على سياسة العامة، والرفق بالضعفاء والسهر على حمايتهم؟؟
وقد تسأل: أتنقدح المعارف المتصلة بالكون وما وراءه، والناس وما يفيضون فيه -أتنقدح حقائقها في نفوس المرسلين فجأة، دون إعداد سابق أو تهيئة حكيمة؟
والجواب: كلا، فالأنبياء -وإن لم يتعلّموا بالطرق التي يتعلم بها أمثالنا- لهم من سلامة فكرهم واستقامة نظرهم ما يجعلهم في طليعة العلماء وإن لم يتعلموا بما نعهد من أساليب.
ما العلم الذي ترقى به النفس؟ أ هو حفظ الدروس واستيعاب القواعد والقوانين؟.
إن هناك ببغاوات كثيرة تردد ما تسمع دون وعي. ولقد نرى أطفالاً صغاراً يلقون -بإتقان وتمثيل- خطباً دقيقة لأشهر الساسة والقادة.
فلا الأطفال -بما استحفظوا من كلام الأئمة- أصبحوا رجالاً ولا الببغاوات تحولت بشراً.
وقد تجد من يحفظ، ويفقه، ويجادل ويغلب، ولكن العلم في نفسه كعروق الذهب في الصخور المهملة، لا يبعث على خير ولا يزجر عن شر.
وقد شبه القرآن أحبار اليهود الذين يحملون التوراة ولا يتأدبون بها بالحمير
{مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا}.
وهذه الطبائع التي تحمل العلم لا تصلح به إنما تسيء إليه، ولذلك يحسن الضن به عليها. وفي الأثر
"واضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والذهب".
ثم هناك الخرافيون الذين يغالطون في الحقائق أنفسهم كأن عقولهم ميزان ثقلت إحدى كفتيه -لغير سبب- فهو لا يضبط وزناً أبداً، ينبسطون للمستحيلات ويقبلونها. ويتجهمون للوقائع ويرفضونها.
وقد بلونا أناساً ظلوا يتعلمون قرابة عشرين سنة تعرض عليهم القضية فيخبطون فيها خبط عشواء، فإذا عرضت القضية نفسها على أميّ سليم الفطرة نقيّ العقل صدع فيها بالحق لأول وهلة. ومعنى ذلك أن هناك من تبذل في إقامة عوجه العقلي عشرين سنة، حافلة بالبحث والدرس، فتعجز عن الوصول به إلى مرتبة رجل أوتي رشده بأصل الخلقة.
ونحن موقنون من مطالعة سيرة محمد عليه الصلاة والسلام بأنه طراز رفيع من الفكر الصائب والنظر السديد، وأنه -قبل رعي الغنم وبعده، وقبل احتراف التجارة وبعدها-كان يعيش يقظ القلب في أعماء الصحراء، صاحياً بين السكارى والغافلين.
وجو الجزيرة العربية يزيد خمول الخامل وحدة اليقظان، كالشعاع الذي ينمي الأشواك والورود معاً، وقد كان محمد (صلَّى الله عليه وسلم) يستعين بصمته الطويل... صمته الموصول بالليل والنهار، صمته المطبق على ****** الممتدة والعمران القليل. كان يستعين بهذا الصمت على طول التأمل، وإدمان الفكر، واستكناه الحق. ودرجة الارتقاء النفسيِّ التي بلغها من النظر الدائم أرجح يقيناً من حفظ لا فهم فيه، أو فهم لا أدب معه. ومثله في احترام حقائق الكون والحياة أولى بالتقديم من أولئك الذين اعتنقوا الأوهام وعاشوا بها ولها.
ولا شك أن القدر حاطه بما يحفظ عليه هذا الاتجاه الفذ. فعندما تتحرك نوازع النفس لاستطلاع بعض متع الدنيا -وذلك من قبيل الصغائر التافهة- تتدخل العناية للحيلولة بينه وبين هذه الأمور.
روى ابن الأثير قال رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم):
"ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملونه غير مرتين، كل ذلك يحول الله بيني وبينه، ثم ما هممت به حتى أكرمني برسالته. قلت ليلة للغلام الذي يرعى معي بأعلى مكة : لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة وأسمر بها كما يسمر الشباب! فقال: أفعل. فخرجت حتى إذا كنت عند أول دار بمكة سمعت عزفاً، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: عرس فلان بفلانة. فجلست أسمع، فضرب الله على أذني فنمت فما أيقظني إلا حر الشمس. فعدت إلى صاحبي، فسألني، فأخبرته. ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك ودخلت مكة فأصابني مثل أول ليلة.. ثم ما هممت بعده بسوء...".
إن مراتب التعليم المختلفة هي مراحل جهاد متصل لتهذيب العقل وتقوية ملكاته وتصويب نظرته إلى الكون والحياة والأحياء. فكل تعليم يقصر بأصحابه عن هذا الشأو لا يؤبه له، مهما وسم بالشهادات والإجازات! وأحق منه بالحفاوة، وأسبق منه إلى الغاية المنشودة، أن ينال المرء حظاً وافراً من حسن الفطنة وأصالة الفكرة وسداد الوسيلة والهدف. وقد أشار القرآن الكريم إلى نصيب "إبراهيم" من هذه الخصال عندما قال:
{وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ. إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ}.
ومحمد عليه الصلاة والسلام في هذا المنهج كجده إبراهيم: إنه لم يتلق علماً على راهب أو كاهن أو فيلسوف ممن ظهروا على عهده، ولكنه بعقله الخصب وفطرته الصافية. طالع صحائف الحياة وشؤون الناس وأحوال الجماعات، فعاف منها ماسادها من خرافة ونأى عنها، ثم عاشر الناس على بصيرة من أمره وأمرهم، فما وجده حسناً شارك فيه بقدر، وإلا عاد إلى عزلته العتيدة، يتابع النظر الدائم في ملكوت السموات والأرض وذلك أجدى عليه من علوم هي بالجهل المركب أشبه، ومن مجتمع فقد الهداة من قرون فهو يضم ضلالاً جديداً إلى الضلال القديم كلما مرت عليه ليلة وطلع صباح..
وقد رأى أن يشهد الأعمال العامة التي اهتم بها قومه، لأنه لم يجد أي حرج إذ يشارك فيها، ومن ذلك خوضه مع عمومته وقبيلته
"حرب الفجار" ثم شهوده من بعد "حلف الفضول".
__________________

هجرة الرسول الى الطائف
هجرة الرسول الى الطائف
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 05-04-2010, 03:30 AM
الصورة الرمزية اميــرة الاحســاس
اميــرة الاحســاس اميــرة الاحســاس غير متواجد حالياً
ميداليه ماسيه
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
الدولة: egypt
المشاركات: 11,472
افتراضي حرب الفجار أول حرب شهدها محمد (صلَّى الله عليه وسلم) في الجاهلية:

Sireh
حرب الفجار أول حرب شهدها محمد (صلَّى الله عليه وسلم) في الجاهلية:
كانت حرب الفجار بالنسبة إلى قريش دفاعاً عن قداسة الأشهر الحرم ، ومكانة أرض الحرم . وهذه الشعائر بقية مما احترمه العرب من دين إبراهيم، وكان احترامها مصدر نفعٍ كبيرٍ لهم، وضماناً لانتظام مصالحهم وهدوء عداواتهم. كان الرجل يلقى قاتل أبيه خلالها فيحجزه عن إدراك ثأره شعوره بهذه الحرمات. وقد جاء الإسلام بعدُ فأقر هذه المكانة الموروثة عن ديانة إبراهيم:
{إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ..}.
ولكن أهل الجاهلية ما لبثوا أن ابتُلوا بمن استباحها، فظلموا أنفسهم بالقتال فيها، وكانت حرب الفجار من آثار هذه الاستباحة الجائرة، وليس هنا تفصيل خبرها وقد ظلت أربعة أعوام كان عمر "محمد" في أثنائها بين الخمسة عشر والتسعة عشر، قيل: قاتل فيها بنفسه. وقيل: بل أعان المقاتلين
__________________

هجرة الرسول الى الطائف
هجرة الرسول الى الطائف
رد مع اقتباس
  #16  
قديم 05-04-2010, 03:31 AM
الصورة الرمزية اميــرة الاحســاس
اميــرة الاحســاس اميــرة الاحســاس غير متواجد حالياً
ميداليه ماسيه
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
الدولة: egypt
المشاركات: 11,472
افتراضي حلف الفضول

Sireh
حلف الفضول شهده الرسول (صلَّى الله عليه وسلم) في الجاهلية ومدحه في الإسلام:
أما "حلف الفضول" فهو دلالة على أن الحياة مهما اسودت صحائفها، وكلحت شرورها، فلن تخلو من نفوس تهزها معاني النبل، وتستجيشها إلى النجدة والبر.
ففي الجاهلية الغافلة نهض بعض الرجال من أولي الخير، وتواثقوا بينهم على إقرار العدالة وحرب المظالم، وتجديد ما اندرس من هذه الفضائل في أرض الحرم !.
قال ابن الأثير:
"...ثم إن قبائل من قريش تداعت إلى ذلك الحلف، فتحالفوا في دار عبدالله بن جدعان لشرفه وسنه. وكانوا بني هاشم، وبني المطلب، وبني أسد بن عبد العزَّى، وزهرة بن كلاب، وتَيْم بن مرة. فتحالفوا وتعاقدوا ألا يجدوا بمكة مظلوماً من أهلها أو من غيرهم من سائر الناس إلا قاموا معه؛ وكانوا على من ظلمه، حتى تردَّ مظلمته فسمّت قريش ذلك الحلف "حلف الفضول" فشهده رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) وقال -حين أرسله الله تعالى-: لقد شهدت مع عمومتي حلفاً في دار عبدالله بن جدعان ما أحبّ أن لي به حُمْر النَّعَم، ولو دُعيت به في الإسلام لأجبت".
إن بريق الفرح -بهذا الحلف- يظهر في ثنايا الكلمات التي عبر بها رسول الله عنه، فإن هذه الحمية للحق ضدَّ أي ظالم مهما عزَّ، ومع أي مظلوم مهما هان هي روح الإسلام الآمر بالمعروف، الناهي عن المنكر، الواقف عند حدود الله. ووظيفة الإسلام أن يحارب البغي في سياسات الأمم، وفي صلات الأفراد على سواء..
وقيل في سبب الحلف: إن رجلاً من "زبيد" أتى بتجارة إلى مكة ، فاشتراها العاصي بن وائل السهمي. ثم حبس حقها وأبى أن يدفعه! فاستعدى عليه قبائل قريش والأحلاف فلم يكترثوا له. فوقف الغريب المظلوم عند الكعبة وأنشد:
يا آل فهر لمظلوم بضاعتـــــــــــه
ببطن مكة نائي الدارِ والنَّفَر!
ومحرم أشعث لم يقض عمرتـــــــه
يا للرجال -وبين الحِجْر والحَجَرِ!
إن الحرامَ لمَنْ تمت كرامتــــــــــــه
ولا حرام بثوب الفاجرِ الغدرِ
فقام الزبير بن عبد المطلب وقال: ما لهذا مترك! فاجتمع الذين ذكرهم ابن الأثير آنفاً، وذهبوا إلى العاصي بن وائل، واستخلصوا منه حق الزبيدي. بعدما أبرموا حلف الفضول.
ويظهر أن العاصي هذا رجل مماطل سمج. فهو صاحب القصة كذلك مع خبّاب بن الأرت. وكان خباب قَيْناً، فصنع سيفاً للعاصي وأتاه لينقده ثمنه، فقال العاصي: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد، فقال له خباب: لا أكفر حتى يميتك الله ثم تبعث. قال العاصي: وإني لميت ثم مبعوث؟؟ قال: بلى . قال: دعني حتى أموت وأبعث. فسأوتى مالاً وولداً، فأقضيك -حق السيف- فنزلت الآيات:
{أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا. أَاطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَانِ عَهْدًا. كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنْ الْعَذَابِ مَدًّا. وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا}.
وأمثال العاصي هذا في ميدان التجارة والسياسة كثير. ومحمد (صلَّى الله عليه وسلم) أولى الناس بخصومتهم. وأولى الناس بمحمد (صلَّى الله عليه وسلم) من أعان عليهم ووثق على حربهم.

__________________

هجرة الرسول الى الطائف
هجرة الرسول الى الطائف
رد مع اقتباس
  #17  
قديم 05-04-2010, 03:46 AM
الصورة الرمزية اميــرة الاحســاس
اميــرة الاحســاس اميــرة الاحســاس غير متواجد حالياً
ميداليه ماسيه
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
الدولة: egypt
المشاركات: 11,472
افتراضي الاضطهاد الذي مارسه المشركون على المؤمنين: قرر المشركون ألا يألوا جهداً في محاربة ال

Sireh
الاضطهاد الذي مارسه المشركون على المؤمنين:
قرر المشركون ألا يألوا جهداً في محاربة الإسلام وإيذاء الداخلين فيه والتعرض لهم بألوان النكال والإيلام. ومنذ جهر الرسول بالدعوة إلى الله، وعالن قومه بضلال ما ورثوه عن آبائهم انفجرت مكة بمشاعر الغضب، وظلت عشرة أعوام تعد المسلمين عصاة ثائرين، فزلزلت الأرض من تحت أقدامهم، واستباحت في الحرم الآمن دماءهم وأموالهم وأعراضهم، وجعلت مقامهم تحملاً للضيم وتوقعاً للويل.
صاحبت هذه السخائم المشتعلة حرب من السخرية والتحقير قصد بها تخذيل المسلمين وتوهين قواهم المعنوية. فرمي النبي (صلَّى الله عليه وسلم) وصحابته بتهم هازلة وشتائم سفيهة، وتألفت جماعة للاستهزاء بالإسلام ورجاله. على نحو ما تفعل الصحافة المعارضة عندما تنشر عن الخصوم نكتاً لاذعة وصوراً مضحكة للحط من مكانتهم لدى الجماهير.
وبهذين اللونين من العداوة وقع المسلمون بين شِقي الرحى.
فرسولهم ينادَى بالجنون.
{وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ}.
ويوصم بالسحر والكذب.
{وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ}.
ويُشيَّعُ ويستقبلُ بنظرات ملتهمة ناقمة وعواطف منفعلة هائجة.
{وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ}.
وليس حظ سائر المسلمين بأفضل من هذه المعاملة، فهم في غدوهم، ورواحهم -محل التندر واللمز.
{إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ. وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ. وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ انقَلَبُوا فَكِهِينَ. وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ. وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ}.
وانقلبت هذه الحرب إلى تنكيل وسفك دم بالنسبة إلى المستضعفين من المؤمنين، فمن ليست له عصبية تدفع عنه لا يعصمه من الهوان والقتل شيء، بل يحبس على الآلام حتى يكفر أو يموت أو يسقط إعياء.
__________________

هجرة الرسول الى الطائف
هجرة الرسول الى الطائف
رد مع اقتباس
  #18  
قديم 05-04-2010, 03:49 AM
الصورة الرمزية اميــرة الاحســاس
اميــرة الاحســاس اميــرة الاحســاس غير متواجد حالياً
ميداليه ماسيه
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
الدولة: egypt
المشاركات: 11,472
افتراضي العذاب الذي عاناه من اضطهاد المشركين لهم

Sireh
عمار بن ياسر والعذاب الذي عاناه من اضطهاد المشركين له:
من هؤلاء عمار بن ياسر، وهو من السابقين الأولين في الإسلام، وكان مولى لبني مخزوم. أسلم أبوه وأمه، فكان المشركون يخرجونهم إلى الأبطح إذا حميت الرمضاء فيعذبونهم بحرِّها، ومر بهم النبي عليه الصلاة والسلام وهم يعذبون فقال: "صبراً آل ياسر، فإن موعدكم الجنة" فمات ياسر في العذاب، وأغلظت امرأته "سُميَّة" القول لأبي جهل فطعنها في قُبُلَها بحربة في يديه، فماتت. وهي أول شهيدة في الإسلام، وشدّدوا العذاب على عمار بالحرِّ تارة، وبوضع الصخر على صدره أخرى، وبالتغريق أخرى، وقالوا: لا نتركك حتى تسب محمداً أو تقول في اللات والعزّى خيراً ففعل، فتركوه فأتى النبي (صلَّى الله عليه وسلم) يبكي فقال: ما وراءك؟ قال شرٌّ يا رسول الله، كان الأمر كذا وكذا!!! قال: فكيف تجد قلبك؟ قال: أجده مطمئناً بالإيمان. فقال: يا عمار إن عادوا فعد. فأنزل الله تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} وقد حضر المشاهد كلها مع رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم).


Sireh
بلال والتعذيب الذي عاناه من المشركين:
ومن هؤلاء "بلال بن رباح" كان سيده أمية بن خلف -إذا حميت الشمس وقت الظهيرة- يقلِّبه على ****** الملتهبة ظهراً لبَطن، ويأمر بالصخرة الجسيمة فتلقى على صدره ثم يقول له. لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى، فما يزيد بلال عن ترديد: أحد، أحد...




Sireh
9.3 خباب بن الأرت وما عاناه من العذاب:
ولما اشتدت ضراوة قريش بالمستضعفين ذهب أحدهم -خباب بن الأرت- إلى رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) يستنجد به، قال خباب: شكونا إلى رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) وهو متوسد بردة في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا. ألا تدعو لنا؟؟ فقال: "قد كانَ مَنْ قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعله نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصدُّه ذلك عن دينه، والله ليُتمَّنَّ الله تعالى هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت فلا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون".
ماذا عسى يفعل محمد (صلَّى الله عليه وسلم) لأولئك البائسين؟ إنه لا يستطيع أن يبسط حمايته على أحد منهم، لأنه لا يملك من القوة ما يدفع به عن نفسه، وقد كان في صلاته يُرمى عليه -وهو ساجد- بكرش الجزور أو رحم الشاة المذبوحة، وكانت الأنجاس تلقى أمام بيته، فلا يملك إلا الصبر.
إن محمداً صلوات الله وسلامه عليه لم يجمع أصحابه على مغنم عاجل أو آجل، إنه أزاح الغشاوة عن الأعين، فأبصرت الحق الذي حجبت عنه دهراً، ومسح الران عن القلوب، فعرفت اليقين الذي فطرت عليه وحرمتها الجاهلية منه. إنه وصل البشر بربهم فربطهم بنسبهم العريق وسببهم الوثيق، وكانوا -قبْلاً- حيارى محسورين، إنه وازن للناس بين الخلود والفناء، فآثروا الدار الآخرة على الدار الزائلة، وخيَّرهم بين أصنام حقيرة وإله عظيم. فازدروا الأوثان المنحوتة، وتوجهوا للذي فطر السموات والأرض.
حسب محمد (صلَّى الله عليه وسلم) أن قدم هذا الخير الجزيل، وحسب أصحابه أن ساقته العناية لهم، فإذا أوذوا فليحتسبوا، وإذا حاربهم عبيد الرجس من الأوثان فليلزموا ما عرفوا، والحرب القائمة بين الكفران والإيمان سينجلي غبارها يوماً ما، ثم تتكشف عن شهداء وعن هلكى، وعن مؤمنين قائمين بأمر الله ومشركين مدحورين بإذن الله.
{وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ. وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ. وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}.
وكان رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) يبث عناصر الثقة في قلوب رجاله، ويفيض عليهم ما أفاضه الله على فؤاده من أمل رحيب في انتصار الإسلام، وانتشار مبادئه، وزوال سلطان الطغاة أمام طلائعه المظفرة في المشارق والمغارب، وقد اتخذ المستهزئون من هذه الثقة مادة لسخريتهم وضحكهم. وكان الأسود بن المطلب وجلساؤه إذا رأوا أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام يتغامزون بهم ويقولون: قد جاءكم ملوك الأرض الذين سيغلبون غداً على ملك كسرى وقيصر، ثم يصفِّرون ويصفقون.
وتواصى المشركون بعد مصادرة الدعوة بهذا الأسلوب أن يمنعوا الوافدين إلى مكة من الاستماع إليها، قال الوليد بن المغيرة لرجالات قريش : إن الناس يأتونكم أيام الحج فيسألونكم عن محمد فتختلف فيه أقوالكم، يقول هذا: ساحر، ويقول هذا: كاهن، ويقول هذا: شاعر، ويقول هذا: مجنون، وليس يشبه واحداً مما يقولون، ولكن أصلح ما قيل فيه: ساحر؛ لأنه يفرق بين المرء وأخيه وزوجته. وقد اقتسم هؤلاء المتآمرون مداخل مكة أيام الموسم، يحذرون الناس من الداعية الخارج على قومه، وينعتونه بما تواصوا به من سحر مفرِّق!
ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يذهب إلى الحجيج في مجامعهم، ويحدثهم عن الإسلام، ويطلب منهم النصرة.
عن جابر بن عبدالله كان رسول الله يعرض نفسه بالموقف فيقول:
"ألا رجل يحملني إلى قومه! فإن قريشاً منعوني أن أبلغ كلام ربي".





__________________

هجرة الرسول الى الطائف
هجرة الرسول الى الطائف
رد مع اقتباس
  #19  
قديم 05-04-2010, 03:51 AM
الصورة الرمزية اميــرة الاحســاس
اميــرة الاحســاس اميــرة الاحســاس غير متواجد حالياً
ميداليه ماسيه
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
الدولة: egypt
المشاركات: 11,472
افتراضي مفاوضات المشركين لرد الرسول عن دعوته التوحيدية:

Sireh
10.3 مفاوضات المشركين لرد الرسول عن دعوته التوحيدية:
ظن المشركون أن بطشهم بالمستضعفين ونيلهم من غيرهم سوف يصرف الناس عن الاستجابة لداعي الله، وظنوا أن وسائل السخرية والتهكم التي جنحوا إليها ستهدّ قوى المسلمين المعنوية فيتوارون خجلاً من دينهم ويعودون كما كانوا إلى دين آبائهم، غير أن ظنونهم سقطت جميعاً، فإن أحداً من المسلمين لم يرتد عن الحق الذي شرفه الله به بل كان المسلمون يتزايدون! ولم تفلح طرق الاستهزاء في الصد عن سبيل الله أو تشويه معالمها، إنها زادت شعور المسلمين بما تزخر به الوثنية من معرَّات ومخاز تستحق الفضيحة والاستئصال. ما تصنع سخرية الجهول بالعالم؟!
{...إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ. فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ..}.
رأت قريش أن تجرِّب أسلوباً آخر تجمع فيه بين الترغيب والترهيب، فلترسل إلى محمد (صلَّى الله عليه وسلم) تعرض عليه من الدنيا ما يشاء، ولترسل إلى عمه الذي يحميه تحذره مغبة هذا التأييد، حتى يكلم هو الآخر محمداً أن يسكت، فلا يجر المتاعب على كافله ووليه.
أرسلت قريش "عتبة بن ربيعة" -وهو رجل رزين هادىء- فذهب إلى رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) يقول: يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من المكان في النسب، وقد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم، فاسمع مني أعرض عليك أموراً لعلك تقبل بعضها.
إن كنت إنما تريد بهذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً. وإن كنت تريد شرفاً سوّدناك علينا فلا نقطع أمراً دونك. وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا. وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه لا تستطيع ردَّه عن نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى تبرأ.
فلما فرغ من قوله تلا رسول الله عليه الصلاة والسلام عليه صدر سورة فصِّلت:
{حم. تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ. كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ. وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ. قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوه ُوَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ. الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ..}.
حتى وصل إلى قوله تعالى
{.. فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ}.
تخير رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) هذه الآيات من الوحي المبارك ليعرِّف محدثه حقيقة الرسالة والرسول. إن محمداً عليه الصلاة والسلام يحمل كتاباً من الخالق إلى خلقه يهديهم من ضلال وينقذهم من خبال. وهو -قبل غيره- مكلف بتصديقه والعمل به والنزول عند أحكامه. فإذا كان الله يطلب من عباده أن يستقيموا إليه ويستغفروه فمحمد عليه الصلاة والسلام ألهج الناس بالاستغفار وألزمهم للاستقامة، وما يطلب ملكاً ولا مالاً ولا جاهاً، لقد أمكنه الله من هذا كله فعفَّ عنه وترفع أن يمد يده إليه. وبسط العطاء مما سيق إليه من خيرات، فأنفق وادياً من المال في ساعة من نهار، وترك الحياة غير معقِّب لذريته درهماً.
إن عتبة -باسم قريش - يريد أن يترك محمد عليه الصلاة والسلام الدعوة إلى الله وإقامة العدالة بين الناس. ماذا تصير إليه الحياة لو أن صخرة من الأرض انخلعت عنها وصعدت إلى دارات الفلك تطلب من الشمس أو أي كوكب آخر أن يقف مسيره وإشعاعه، ويحرم الوجود من ضيائه وحرارته!!؟
ألا ما أغرب هذا الطلب؟ وما أجدر صاحبه أن يرتد إلى مكانته لا يعدوها! ولذلك بعدما استمع عتبة إلى آيات القرآن توقظ ما كان نائماً من فكره، استمع إلى الوعيد يهدر فيحرك ما كان هاجعاً من عاطفته:
{فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} لقد وضع عتبة يده على جنبه وقام كأن الصواعق ستلاحقه، وعاد إلى قريش يقترح عليها أن تدع محمداً وشأنه!!
أما وفد قريش إلى أبي طالب، فقد أخذ يقول. يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سبَّ آلهتنا، وعاب ديننا، وسفَّه أحلامنا، وضلَّل آباءنا. فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فقال لهم أبو طالب قولاً جميلاً، وردَّهم ردّاً رفيقاً فانصرفوا عنه. ومضى رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) بما هو عليه، ثم استشرى الأمر بينه وبينهم حتى تباعد الرجال فتضاغنوا، وأكثرت قريش ذكر رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم)، وتآمروا فيه فمشَوا إلى أبي طالب مرة أخرى فقالوا: يا أبا طالب إن لك فينا سِنّاً وشرفاً، وإنا قد استنهيناك أن تنهي ابن أخيك فلم تفعل، وإنا -والله- لا نصبر على هذا من شتم آلهتنا وآبائنا وتسفيه أحلامنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك؛ إلى أن يهلك أحد الفريقين، ثم انصرفوا عنه.
عظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم له، ولم تطب نفسه بإسلام رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) وخذلانه، وبعث إلى رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم)، فأعلمه ما قالت قريش وقال له: أبقِ على نفسك وعلي، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق. فظن رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) أنه قد بدا لعمه رأي، وأنه خذله وضعف عن نصرته، فقال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه:
يا عماه، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته.
ثم بكى رسول الله وقام، فلما ولَّى ناداه عمه أبو طالب فأقبل عليه وقال: اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبداً، وأنشد:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم
حتى أوسَّد في التراب دفينا
وهكذا أخفق الإغراء والإرهاب في تعويق الدعوة، وأدركت قريش أن ما تصبو إليه بعيد المنال، فعادت سيرتها الأولى، تصب جام غضبها على المؤمنين، وتبذل آخر ما في وسعها للتنكيل بهم ومحاولة فتنهم عن دينهم.
وحزن الرسول الكريم للمآسي التي تقع لأصحابه وهو عاجز عن كفها، فأوعز إلى من قلّ نصيره، ونبا به المقام في مكة أن يهجرها إلى الحبشة ، وكان ذلك لخمس سنين من مبعثه، أو بعد سنتين من جهره بالبلاغ.

__________________

هجرة الرسول الى الطائف
هجرة الرسول الى الطائف
رد مع اقتباس
  #20  
قديم 05-04-2010, 03:53 AM
الصورة الرمزية اميــرة الاحســاس
اميــرة الاحســاس اميــرة الاحســاس غير متواجد حالياً
ميداليه ماسيه
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
الدولة: egypt
المشاركات: 11,472
افتراضي هجرة المسلمين إلى الحبشة خفاءً:

Sireh
هجرة المسلمين إلى الحبشة خفاءً:
كان الرحيل إلى الحبشة تسللاً في الخفاء، حتى لا تستيقظ قريش للأمر فتحبطه، ولم يبدأ كذلك على نطاق واسع، بل كان الفوج الأول مكوَّناً من بضع أسر، فيهم رقية ابنة النبي عليه الصلاة والسلام وزوجها عثمان بن عفان، ونفر آخر من المهاجرين لم يزيدوا جميعاً عن ستة عشر. وقد يمَّموا شطر البحر حيث قيضت لهم الأقدار سفينتين تجاريتين أبحرتا بهم إلى الحبشة ، فلما خرجت قريش في آثارهم إلى الشاطىء كانوا قد انطلقوا آمنين. ولم يمكث أولئك المهاجرون طويلاً حتى ترامت إليهم الأخبار بأن المشركين هادنوا الإسلام وتركوا أهله أحراراً، وأن الإيذاء القديم انقطع فلا بأس عليهم إن عادوا.
وتركت هذه الإشاعة أثرها في قلوب المؤمنين، فقرروا العودة إلى وطنهم. حتى إذا اقتربوا من مكة تبينت لهم الحقيقة المحزنة، وعرفوا أن المشركين أشد ما يكونون خصاماً لله ورسوله والمؤمنين، وأن عدوانهم لم ينقطع يوماً...
ويزعم بعض المغفَّلين أنه وقعت هدنة حقاً بين الإسلام والوثنية أساسها أن محمداً (صلَّى الله عليه وسلم) تقرب من المشركين بمدح أصنامهم والاعتراف بمنزلتها! وأن هذه الهدنة الواقعة هي التي أعادت المسلمين من الحبشة ...
وماذا قال محمد عليه الصلاة والسلام في مدح الأصنام؟ يجيب هؤلاء المغفَّلون بأنه قال: تلك الغرانيق العلا . وإن شفاعتهن لترتجى؟.
وأين وضع هذه الكلمات؟ وضعها في سورة "النجم" مقحمة وسط الآيات التي جاء فيها ذكر هذه الأصنام. فأصبحت هكذا
"أفرأيتم اللات والعزّى. ومَنَاة الثالثة الأخرى. تلك الغرانيق العلا . وإن شفاعتهن لترتجى. ألكم الذكر وله الأنثى. تلك إذاً قسمة ضِيزَى. إنْ هي إلا أسماءٌ سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس...".
ويكون معنى الكلام عن هذا: خبِّروني عن أصنامكم: أهي كذا وكذا؟ إن شفاعتها مرجوة، إنها أسماء لا حقائق لها. إنّها خرافات ابتدعت واتبعت. مالكم جعلتموها إناثاً ونسبتموها لله وأنتم تكرهون نسبة الإناث لكم؟ تلك قسمة جائرة!
فهل هذا كلام يصدر عن عاقل فضلاً عن أن ينزل به وحي حكيم؟.
ولكن هذا السخف وجد من يكتبه وينقله!
إن محمداً (صلَّى الله عليه وسلم) لو كذب على الله باختلاق كلام عليه لقطع عنقه بنص الكتاب الذي جاء به. قال الله جل شأنه:
{وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ. لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ. فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ}.
بيد أن كتب التاريخ والتفسير التي تركت للوراقين والزنادقة يشحنونها المفتريات اتسعت صفحاتها لذكر هذا اللغو القبيح؛ ومع أن زيفه وفساده لم يخفيا على عالم إلا أنه ما كان يجوز أن يدوَّن مثله...
إنك تفتح "الخازن" في تفسير القرآن (سورة هود) فتقرأ ما يلي: لما كثرت الأرواث في سفينة نوح أوحى الله إليه أن اغمز ذنب الفيل، فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة، ومسح على الخنزير فوقع منه الفأرة، فأقبلوا على الروث فأكلوه، فلما أفسد الفأر السفينة وجعل يقرضها ويقطع حبالها، أوحى الله إليه أن اضرب بين عيني الأسد، فضرب فخرج من منخره قط وقطة، فأقبلا على الفأر فأكلاه.
أرأيت هذا الكلام الفارغ؟ أرأيت من قبله حديث الغرانيق؟ إن كثيراً من هذه الخرافات الصغيرة توجد في كتب شتى عندنا. ولا ندري متى تنظف هذه الكتب القديمة منها، فهي لا ريب مدخولة عليها أيام غفلة المسلمين وغلبة الدسائس اليهودية على أفكارهم ومخطوطاتهم.
والذي ورد في الصحيح أن الرسول عليه الصلاة والسلام قرأ سورة "النجم" في محفل يضم مسلمين ومشركين، وخواتيم هذه السورة قوارع تطير لها القلوب. فلما أخذ صوت رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) يهدر بها ويرعد بنذرها حتى وصل إلى قول الله:
{...وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى. فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى. فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى. هَذَا نَذِيرٌ مِنْ النُّذُرِ الْأُولَى. أَزِفَتْ الْآزِفَةُ. لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ. أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ. وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ. وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ}.
كانت روعة الحق قد صدعت العناد في نفوس المستكبرين والمستهزئين، فما تمالكوا أن يخرّوا لله ساجدين، مع غيرهم من المسلمين.
فلما نكسوا على رؤوسهم وأحسوا أن جلال الإيمان لوى زمامهم، ندموا على ما كان منهم، وأحبوا أن يعتذروا عنه، بأنهم ما سجدوا مع محمد (صلَّى الله عليه وسلم) إلا لأن محمداً (صلَّى الله عليه وسلم) عطف على أصنامهم بكلمة تقدير (كذا) وليس يستغرب هذا من قوم كانوا يؤلفون النكت للضحك من المسلمين. ولا يستحي أحدهم -وهو ابن خال النبي عليه الصلاة والسلام- أن يقول له ساخراً: أما كُلِّمت اليوم من السماء يا محمد؟.
وليس أسمج من اعتذار المشركين عن سجودهم إلا تصديق هذا الاعتذار، وقد حاول المشركون أن ينشروا فريتهم هذه ليعكروا على الرسول عليه الصلاة والسلام ويشوشوا على الوحي وليوهموا بأن محمداً (صلَّى الله عليه وسلم) في بعض أحيانه مال إليهم، وهيهات، فإن الحرب التي شنّها محمد (صلَّى الله عليه وسلم) على الوثنية لم تزدها الليالي إلا ضراماً، ولم تزده من عبيدها إلا خصاماً.
عاد من هاجر إلى الحبشة ليباغت بأن الاضطهاد الواقع على الإسلام أحدّ وأشد، فدخل بعضهم مكة مستجيراً بمن يعرف من كبرائها، وتوارى الآخرون، لكن قريش أبت إلا أن تنكل بالقادمين وأن تغري سائر القبائل بمضاعفة الأذى للمسلمين، فلم ير الرسول (صلَّى الله عليه وسلم) بداً من أن يشير على أصحابه بالهجرة مرة أخرى إلى الحبشة . وكانت هذه الهجرة الثانية أشق من سابقتها، فقد تيقظت لها قريش وقررت إحباطها، بيد أن المسلمين كانوا أسرع، فخرج منهم في هذا الفوج ثلاثة وثمانون رجلاً وتسع عشرة امرأة، ويسر الله لهم السفر فانحازوا إلى نجاشي الحبشة . ووجدوا عنده ما يبغون من أمان وطيب جوار وكرم وِفادة.
والظاهر أن هذا النجاشي كان رجلاً راشداً نظيف العقل، حسن المعرفة لله، سليم الاعتقاد في عيسى عبدالله ورسوله عليه السلام. وكانت مرونة فكره سر المعاملة الجميلة التي وفرها لأولئك اللاجئين إلى مملكته، فارين بدينهم من الفتن.
عزَّ على المشركين أن يجد المهاجرون مأمناً لأنفسهم ودينهم، وأغرتهم كراهيتهم للإسلام أن يبعثوا إلى النجاشي وفداً منهم محمّلاً بالهدايا والتحف، كي يحرم المسلمين ودّه، ويطوي عنهم بِشْره.
وكان الوفد من عمرو بن العاص وعبدالله بن أبي ربيعة -قبل أن يسلما- واستعان الوفد على النجاشي برجال حاشيته بعد أن ساقوا إليهم الهدايا، وزوّدوهم بالحجج التي يُطرد بها أولئك المسلمون! قالوا إنَّ ناساً من سفهائنا فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دين الملك وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم..."
واتفقوا معهم أن يشيروا على النجاشي بإقصائهم.
فلما فوتح النجاشي في الأمر وأشير عليه بإبعاد القوم، رأى أن لابد من تمحيص القضية وسماع أطرافها جميعاً.
ثم أرسل إلى أصحاب النبي (صلَّى الله عليه وسلم) فدعاهم، فحضروا، وقد أجمعوا على صدقه، فيما ساءه وسرَّه.
وكان المتكلم عنهم جعفر بن أبي طالب، فقال لهم النجاشي:
ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من الناس؟
فقال جعفر: أيها الملك، كنا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف. حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا لتوحيد الله وأن لا نشرك به شيئاً، ونخلع ما كنا نعبد من الأصنام، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وأمرنا بالصلاة والصيام...وعدد عليه أمور الإسلام. قال جعفر: فآمنا به، وصدقناه، وحرّمنا ما حرم علينا، وحللنا ما أحل لنا. فتعدى علينا قومنا، فعذبونا، وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان فلما قهرونا وظلمونا، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك ورجونا أن لا نُظلم عندك...
فقال النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله شيء! قال: نعم. فقرأ عليه صدراً من سورة مريم، فبكى النجاشي وأساقفته، وقال النجاشي:
"إنّ هذا والذي جاء به عيسى يخرج من مشكاة واحدة. انطلقا، والله لا أسلمه إليكما أبداً" -يخاطب عمرو بن العاص وصاحبه-فخرجا وقال "عمرو" لعبدالله بن أبي ربيعة : والله لآتينه غداً بما يبيد خضراءهم.
فلما كان الغد قال للنجاشي إنّ هؤلاء يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً. فأرسل النجاشي يسألهم عن قولهم في المسيح. فقال جعفر: نقول فيه الذي جاءنا به نبينا، هو عبدالله ورسوله وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.
فأخذ النجاشي عوداً من الأرض وقال: ما عدا عيسى ما قلت قدر هذا العود فنخرت بطارقته! فقال: وإن نخرتم! وقال للمسلمين: اذهبوا فأنتم آمنون، ما أحب أن لي جبلاً من ذهب وأنني آذيت رجلاً منكم! ورد هدية قريش وقال: ما أخذ الله الرشوة مني حتى آخذها منكم ولا أطاع الناس فيَّ حتى أطيعهم فيه وأقام المسلمون عنده بخير دار.
أخفقت حيلة عمرو، وعاد الوفد إلى مكة يجر أذيال الخيبة. وعرفت قريش أنها لن تشبع ضغينتها على الإسلام وأهله إلا في حدود سلطانها، فعزمت أن تشفي غيظها ممن يقع تحت أيديها.
__________________

هجرة الرسول الى الطائف
هجرة الرسول الى الطائف
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الطائف احلى سلمى دروس ومواعظ دينيه 0 07-16-2010 03:01 AM
دروس وثمرات رحلة الحبيب إلى الطائف ام بلال ومحمد دروس ومواعظ دينيه 1 06-13-2010 08:33 AM
هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم اميــرة الاحســاس الحديث الشريف 0 05-04-2010 02:40 AM
غزوه الطائف sedra2017 مكتبه جميل وجميله - كتب ومجلات 0 02-04-2010 05:49 AM
نفحات من هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم ام الاء الحديث الشريف 0 11-17-2009 08:26 PM


Loading...


Powered by vBulletin Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by gamalat.com
تصميم علاء الفاتك http://www.sehraya.com