الرئيسيه التسجيل مكتبي
مساحه أعلانيه للايجار
للايجار

العودة   منتدي جميل وجميله > قسم الثقافه والادب > قصه قصيره

أستعاده كلمه المرور
أحصائيات المسابقات

الطفل اللذي ابكى المدير

قصه قصيره


إنشاء موضوع جديد  إضافة رد
المنتدى المشاركات الجديدة ردود اليوم شاهدة المشاركات المشاركة التالية
 
Share أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #21  
قديم 01-04-2010, 09:05 PM
الصورة الرمزية sandy
sandy sandy غير متواجد حالياً
ميداليه برونزيه
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
المشاركات: 702
Thumbs up مش هزاراجمل قصة حب


القصة منقوله انا شفتها وعجبتني قلت تشاركوني فيها ويارب تعجبكم ذي ماعجبتني
أحلى قصة بالعالم
حكاية شاب وسيم عمره بين 22و23ما يعرف عن الحب شيءولامره بحياته حاول أنه يعرف شيء عن الحب له طله مقبوله واللي يشوفه على طول يحبه سافر والله وفقه بوظيفة بس بعيده عن المنطقة اللي ساكن فيها والمكان اللي توظف فيه يمشي الحال بس دخلات البنات على المكان هذا كثيرة وبيوم جات وحده ودخلت المكان هذا وشافت الولد وأعجبها فأخذت رقم المحل لأنه موجود على اللوحة برا ويوم راحت للبيت اتصلت عليه وحاولت تحتك فيه بالكلام بس حست أسلوبه جاف شوي ولا قدرت تأخذ وتعطي معه وصار كل يوم الساعة 11الليل تتصل عشان تتعرف عليه أكثر وتتكلم معاه وهو ما يعرف ايش يقول بس يسمع ويقول إيه وطالت الأيام على الطريقة هذي تشجع مره وسألها أنتي وش الهدف من مكالماتك ؟ولوين تبين توصلين؟هي جاوبت على طول لأنها منتظره السؤال هذا قالت أبغى أوصل لقلبك!!!قال طيب أنا ما اعرف شي عن الحب ولا افهم لغته ولا حتى اعرف أتكلم فيه قالت أنا بعلمك على أيديني وبأخليك فيلسوف حب المهم طالت المحادثة وجت أيام وراحت أيام وهي تعلمه وهو يستوعب بسرعة لين خلااااااااص حبها الولد من كل قلبه لدرجه أنه صار ما يقدر ينام الليل من كثر التفكير فيها وكل أصدقائه صاروا يحسون أنه متغير ولا يأكل ونحف وصار يفكر ويسرح كثير وأحيانا يغلط باسمها وينادي أصدقائه وهم ما يبغون يسألونه من الأسم هذا لأن شكله مبين وصل أعلى مراحل الحب ..دارت الأيام ومرت سنه على الطريقة هذي أتصل عليها بيوم وكان منزعج قال أنتي شفتيني وشفتي شكلي وعرفتي أسلوبي وصار لنا سنه وأنا ماشفتك ولا حتى شفت صورتك قالت له أنتظر شوي لين يضبط وضعي وأخليك تشوفني قال لا لازم أشوفك وما راح اسكر لين توعديني متى أشوفك؟!!قالت طيب الخميس الجاي نطلع للمكان الفلاني هذا كان يوم السبت (تخيلو الانتظار كيف راح يكون من السبت إلى الخميس أصعب لحظات عمره كان مقضي يومه كله نوم علشان تمشي الأيام بسرعة )وصل يوم الأربعاء بدا يفكر كيف راح يكون شكلها طويلة قصيرة بيضا سمرا نحيفة دبدودبه حلوه مثل ما هو راسمها بخياله كان يفكر بكل شيء واتصلت عليه يوم الخميس قالت له يا الله طالعين وسيارتنا كذا ولونها ورقم لوحتها وشكلها كذا ..قال اسمعي أنا كل الطريق ما اقدر اصبر كل دقيقتين شيكي على جوالي علشان أحس انك معي موجودة وادري تكلمين لأن اهلك معك بس اقل شيء كل دقيقتين شيكي قالت o.k.تحركت السيارة وهو حرك بعدها على طول وكل دقيقتين يجيه تشييكه على الجوال لين انقطعت التشييكات أكثر من عشر دقايق ما قدر يصبر أرسل رسالة ولا ردت عليه تردد بالاتصاااال تردد وتردد كثير ما يدري يتصل أو يخاف يحرجها مع أهلها المهم قرر ويوم دق على جوالها مر من جنبه سيارة إسعاف متجهة بنفس الطريق اللي هو يمشي فيه من كثر ما هو مخبوص نزل الجوال جنبه وأسرع ورا السيارة وخلا الجوال يدق (معاودة الاتصال آليا)المهم وصل وشاف حادث أكثر من رعب في منظره ما فيه عائله كاملة يمين الخط منتثرة فيها أربع بنات وشايب وعجوز كلهم حالتهم ميؤس منها بشكل خيالي …السيارة هي نفس اللون ونفس رقم اللوحة ونفس الوصف اللي وصفت له البنت بس كيف راح يعرفها من بين الأربع وهي ما وصفت له حتى شكلها ونزل مع اللي نزلوا يشوف بقايا حلمه وبقايا أمله صار يناظر يمين ويسار ولو يشوفها ما راح يعرفها !!!!!سمع صوت جوال يرن حاول يتبع الصوت لقا وحده من البنات ماسكه الجوال ويرن بيدها وهي شبه ملطخه بالدم وما فيه أمل تعيش الا بأذن الله شاف أسم المتصل لقا مكتوب !!!!<<<<<أمــــــــــــــل عمــــــــري>>>>>قال يمكن وحده من صديقات النبت هذي لكن بدون شعور رفع الجوال وناظر للرقم اللي هو أمل عمري وفتح الرقم وكانت الصدمة انه شاف الرقم حقه وأن الجوال مع وحده كان الجمال ما أنخلق لغيرها بس للأسف فارقت الحياة وانقلبت اسعد لحظات عمره في ثواني الى أتعس أيام عمره (الرقم لقاه رقمه لا ولقا الاسم مكتوب أمل عمري )صدمه خلته ينهار ويغمى عليه وانقلوه معها للمستشفى هي انتقلت الى رحمة الله بس هو عاش أقصد ما عاشت الضحكة بعد ها ليوم ….ترك الوظيفة وتعقد من عيشته وصار يكره شيء اسمه نغمة جوال ولا يتكلم إلا اذا كان مجبور انه يتكلم ويكره أي واحد يجيب أبجدية كلمة حب عنده …سافر عن المنطقة اللي كان موظف فيها واللي تعرف على أمل عمره اللي أنتهــا فيها ….وأخذ عهد على نفسه انه ما يجي المنطقة هذي الا بنفس اليوم اللي توفى فيه حلمه وصار كل سنه بنفس اليوم يسافر للمنطقة ويمر نفس المكان ويجلس فيه ساعة ويرجع
لمنطقته

__________________

ابحث عن الصدق في زمن كثر فيه الكذب
الحمد لله
لااله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين
رد مع اقتباس
للايجار للايجار للايجار للايجار للايجار

  #22  
قديم 01-04-2010, 09:13 PM
الصورة الرمزية غامضة الملامح
غامضة الملامح غامضة الملامح غير متواجد حالياً
ميداليه بلاتينيه
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
المشاركات: 6,181
افتراضي حكاية الزاهي المرعوب:أقصوصة ساخرة

إهداء:
إلى العزيز دائما:الذي تستهويه هذه النوعية من الأقاصيص الساخرة
الكاتب المغربي:عبد الله البقالي..
وإلى كل الجبناء العر ب

حكاية الزاهي المرعوب!!
أقصوصة ساخرة
الطيب الجوادي



لا حول ولا قوة بالله ..صرخت ،وأنا أضرب كفا بكف عندما رأيتُ "الزاهي التومي"من نافذتي
وهو يجري في الشارع كالمجنون حاملا بين ذراعيه إحدى كريماته التي لم يتجاوز سنها الثلاث سنوات:وهو يصيح :
إلى الملاجيء ،إلى الملاجيء:الإسرائيليون قادمون!!
*
فمنذ بداية الحرب في الجنوب البناني:لم يعد "الزاهي التومي"الرجل الذي نعرفه!!
فبعد أن تسمر طيلة اليوم الأول للحرب أمام قناة "الجزيرة"،جمع فجأة كل أفراد عائلته المتكونة من زوجته "هنية"
وابنه "حسن"وابنتيه "مريم "و "خديجة"وأعلمهم بأنه قرر الهروب من حي الغلابة إلى مكان آمن خوفا من القصف الإسرائيلي!!

ولما جادلته الخالة "هنية"زوجته بأنهم في شمال إقريقيا،وهم بعيدون جدا عن مرمى نيران العدو،قهقه بطريقة هستيرية ورد عليها بكل حزم:
-يا ولية إسرائيل ذراعها طويلة وقادرة أن تصل إلى الجميع في أي مكان!!وأنا مسؤول عنكم ويجب أن أقيكم من الخطر الداهم !!"


ولم يضع "الزاهي"الوقت
اشترى كميات كبيرة من الحليب والخضروات واللحوم المجمدة..
وقام بطلي كل المصابيح الكهربائية باللون الأزرق لتضليل الطائرات كما ادعى..
بل إنه عبث بلافتة البلدية التي تشير إلى حي الغلابة وكتب مكان اسم حي الغلابة "مرحبا بكم في "الكنغو"حتى يغالط الطائرات أيضا..

وتقدم بقضية استعجالية أمام المحكة لتغيير إسم ابنه "حسن" ب"جورج"حتى لا يظن الإسرائيليون أنه من أنصار حسن نصر الله!!وحتى لا يصيبونه بأذىوهو ابنه الوحيد..
وبعث برقية عاجلة لوسائل الإعلام يعلن فيها أنه وكل سكان حي الغلابة ضد "مغامرة"المدعو حسن نصر الله،وأنه يؤيد الحلول السلمية حتى لو استولت إسرائيل على كل الأراضي العربية ،فالإسرائيليون يهود وهم أبناء عمنا ،كتب في برقيته، وأن يحكمنا أبناء عمنا خير من أن يحكمنا الشيوعيون الملاحدة او الإيرانيون المبتدعون!!


وباستعار رحى الحرب ،تطورت حالة "الزاهي التومي"نحو الأسوأ
أصبح صاحبنا يتبول في الفراش..
وتحاصره الكوابيس المزعجة التي تحرمه من النوم :فبخرج إلى الشارع حافيا ،أشعث الشعر وهو يشير إلى السماء:طائرات ،طائرات!!
وألزم كلر أفراد عائلته بعدم الخروج إلى الشارع أوالإقتراب من مواقع حزب الله!!ولما انفجر أبنه حسن في وجهه صارخا:هل ترى هنا مواقع لحزب الله يا أبي،وضع يده الغليظة على قمه وأخذه إلى ركن قصي من المنزل وهمس له:
"ومن أدراك أنه لا توجد مواقع لهذا الحزب في حينا ،؟يجب أن نكون حذرين يا بني!!""


ويوم قررت الحكومة الحداد وتأجيل كل مظاهر الفرح والإحتفالات،أصر صاحبنا أن يقيم حفلا صاخبا فوق سطح منزله
"حتى يقتنع أولمرت انني لستُ ضد إسرائيل"أجابني عندما استنكرتُ ما فعله ،قبل أن يضيف"إسرائيل تعرف عنا كل شيء ،عندها أقمار صناعية متطورة،وجواسيس محترفون،ويجب أن نكون فطنين.."
وبعد أن أخذ نفسا مضطربا من سيجارته الرخيصة وهو لا يكف عن النظر إلى السماء،واصل:
"إسرائيل قوية يا صاحبي،إسرائيل خطيرة ،إنها قادرة أن تحيل حياتنا جحيما وأن تيتم أطفالنا وأن ترمل نساءنا
وان تدمر كل ما بنيناه ،ولذلك نحن مجبرون على مهادنتها وتجنب إغضابها!!""
قال ذلك قبل أن يجري بعيدا وهو يصرخ في المارة:إلى بيوتكم ،إلى بيوتكم،طائرات،طائرات!!"


اليوم صادف أن حلقت طائرة هيلوكبتر صغيرة لرش المبيدات الحشرية ،فوق الحي الغلابة ،وبعد أن أدت مهمتها وعادت من حيث اتت،وجدوا "الزاهي التومي" محشورا في إحدى حاويات الفواضل التي وضعتها البلدية وقد فعلها في سراويله!!ولم يقتنع أنه ما يزال على قيد الحياة إلا ما رأى زوجته "التي كان يقول عنها دائما إن الله أرحم من أن يجمع بينه وبينها دنيا وآخرة
__________________
حكاية الزاهي المرعوب:أقصوصة ساخرة
حكاية الزاهي المرعوب:أقصوصة ساخرة
رد مع اقتباس
  #23  
قديم 01-04-2010, 09:25 PM
الصورة الرمزية sandy
sandy sandy غير متواجد حالياً
ميداليه برونزيه
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
المشاركات: 702
Post لقاء جميلة في ليلة قصيرة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



(( لقاء جميلة فى ليلة قصيرة ))



اتت ليلة الحب بكل احاسيسها

عشاتق يعشقون احباب يتحابون وانا ابحث عنها

لكنها لم تكن موجودة

اين هيا ؟؟؟

اين ذهبت ؟؟؟

تسألت نفسى هل يا ترى

نسيت موعد عيد حبنا

او تناسته

او

ربما اشغلت نفسها بترتيب حجرتها الصغيرة

اخيرا اتت

اتت متاخرة عن موعدنا

نظرت الى عينها نست كل ما جرى من تأخير

بدأت نظراتى تعاتب عيناها

وهى بكل استيحاء وخجل تبعد نظراتها عن عينى بكل اناقة

وانا مازالت عينى تتمتع بجمالها الجمال المرسوم فى وجهها الشامخ

فجأة

ارتفعت عيناها وناظرت عينى

نظرت الى قائله

حبيبى ملاك حياتى

اعتذارى هل له قدر من اسفى على تأخيرى

ونظرت لها مبتسما وقلت

حضورك ومشاهدت روعة هذا الجمال يغنينى عن اى اعتذار

ثم قالت حبيبى انا كنتــــــ

وضعت يدى على شفتيها قبل ان تكمل كلامها

وقلت لها اليوم لا كلام

فقط اجعلينى اتمتع بمنظر الجمال

دعينى اتوه بين جمال عينيك وروعة وجهك المبتسم

دعينى انثر ابداعى فى التخيل بالقرب من اللؤلؤة السوداء صاحبة السواد الناعم

المنتشر فى جفن عينيك

اتركينى اشاهد الجمال الخرافى المتجمع بين شفتيك

لم تمضى لحظات الا والصبح يشرق ليوم جديد

حبيبتى ليلتنا مضت بسرعة

سوف انتظرك بكل شوق ولهفة

الى موعد ليلتنا العام الجديد

قالت لى بخجل

احبك واعشق ملامح عشقك لى

سأنتظر ملامح عشقك لى

سأنتظر بكل خصلة صبر موهوبة لى

موعدنا العام الجديد

الان اتركنى اذهب اتجمل لك استعدادا لموعدنا العام الجديد

قلت لها

لما التجمل جمالك فاق حتى التفكير

لم ترد على فقط بانت ملامح الاستيحاء على وجهها

واذا بها تنوى الرحيل

ياترى هل هى تتجمل لى لاخفاء جمالها الخرافى ام

لاظهار جمالها الخرافى بتزين الجمال لها ؟؟

سوف انتظر موعدنا الجديد

لعلى اجد جواب للهفتى وتفكيرى

تحياااااااااااااااااااتى
__________________

ابحث عن الصدق في زمن كثر فيه الكذب
الحمد لله
لااله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين
رد مع اقتباس
  #24  
قديم 01-04-2010, 09:56 PM
الصورة الرمزية oum rania w yasmine
oum rania w yasmine oum rania w yasmine غير متواجد حالياً
ميداليه بلاتينيه
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
الدولة: بلجيكا
المشاركات: 6,912
افتراضي مغامرات فتاة طائشة

مغامرات فتاة طائشة


** أنا فتاة لا أحب الأوامر والقيود وأتضايق من أسلوب أهلي في التعامل معي ومراقبتهم لي ، عشت حياة مليئة بالمغامرات والمفاجآت والمآسي والأحزان ، وأحياناً أفكر في الانتحار والتخلص من هموم هذه الدنيا وعنائها . كنت في أوائل المرحلة الجامعية حينما بدأت اختراق الحاجز الأمني الذي وضعه أهلي على منذ بلوغي أو قبل ذلك بقليل ، كانت الخطوات الأولى عن طريق بعض الزميلات في الجامعة ( أرقام هواتف،جولات ... ) وكانت مرحلة تسلية واستمتاع أكثر من أي شيء آخر . لكني بمرور الوقت وتعوٍدي على التلاعب بمشاعر الشباب وكسر حاجز مراقبة الأهل رغبت في التقدم إلى أبعد من ذلك ، ولم يكن ذلك صعباً ، فبدأت أولاً بسؤال بعض الصديقات الخاصات جداً ودلتني إحداهن على عدة طرق مناسبة ومأمونة وأولها كان عن طريق مشغل نسائي تشرف عليه امرأة ماهرة في تنسيق اللقاءات بكافة أنواعها ( لقاءات فردية – حفلات جماعية ... ) كانت تجربة مثيرة ناسبت روح المغامرة عندي ولكنها لم تكن خالية من الخوف والشقاء نظراً لأني فقدت شيئاً كبيراً في حياتي كأنثي ومع ذلك لم أبتعد كثيراً عن ذلك الجو الجديد الذي دخلته خاصة وأني أحس بالانتصار على قيود أهلي المشددة دون أن يكون لهم علي مدخل أو دليل واضح . تعرضت لمآس وآلام مع تلك الشلة الخفاشية التي تنشط ليلاً بكل أنواع اللهو والاستماع ، كنت أظنني محبوبة بينهم ومعشوقة حقيقية فإذا بي أصبح كالحذاء ( حذاء الحمام ) وساءت حالتي حتى اسودت الدنيا في عيني ولاحظ أهلي ذلك وأخذتني أمي لأحد المشايخ فقرأ علي وبكيت وتأثرت بالقران وصرت أصلي بانتظام ولكن لم يستمر الأمر طويلاً وذلك حينما كتبت رسالة إلى إحدى المجلات أشكو حالتي وظروفي التعيسة وعندها تعرفت على المحرر ودخلت في متاهات أخرى إلى الآن لم أخرج منها ، قالت لي إحدى قريباتي ( وهي فتاة ملتزمة ) إن مجلة الأسرة تهتم بالمشكلات النفسية فكتبت إليكم قصتي وأنا الآن في أتعس أيام حياتي .

تائهــــة
* أختي : لقد بدأت رسالتك على أنك لا تحبين الأوامر والقيود ، ولم تفرقي بين قيودٍ من صنع البشر وبين ضوابط الشرع ، ثم بينت ضمناً أنك انتهكت حدود الشرع والفطرة والأخلاق وتجاوزت الخطوط الحمراء عدة مرات بإصرار وسبق ترصد وتفكير وتدبير ، ثم أنت الآن تشكين الهم والغم والمآسي والأحزان وتفكرين في الانتحار أحـيـــــــــــــاناً.
إن في العيادات النفسية حالات مشابهة لحالتك تتكرر بين فينة وأخرى ، أغلبهن فيهن علل في شخصياتهن ( ضعف في الضمير قلة تدبير للعواقب ، اندفاع وراء شهوات النفس ، تلذذ بالمغامرات وهتك المحرمات على حساب الدين والعرض ... ) ويعانين من الهم والغم كالذي تعانين فهذا واقع لست الوحيدة فيه ، وأن لم يكن ظاهراً في المجتمع بوضوح .
إن من الفتيات من يدفعها لتلك التصرفات سوء تعامل أهلها معها وقلة احترامهم لها ونقص اعتبارهم لشخصيتها ، مما يجعلها تتلهف لمن يعيد لها تقديرها لذاتها حتى وأن كان رجلاً غريباً عنها تتواصل معه بحرص وشوق واهتمام وهي تعلم أنها تخالف فطرتها ودينها وقيمها وتلقي بشرفها مهاوي الردى ، وأكثر ما يكون ذلك في الأسر التي يغيب فيها الحنان والحب والتفاهم خصوصاً بين الأم وبناتها.
إن ما تفقده الفتاة من حنان وحب داخل أسرتها لن تجد عوضاً عنه مع أي رجل أجنبي عنها مهما زعم أنه شريف عفيف فكيف بمن يستغل ضعف الفتاة ويتمتع بهتك عرضها وإن زعم بعضهم ما زعم وأعطى من الوعود البراقة والكلام المعسول وظهر بالمظهر الجميل الباهر والهيئة البهية .

أنت أيتها الأخت أعرف بنفسك { بل الإنسان على نفسه بصيرة، ولو ألقى معاذيره } وقد جربتِ وعرفت أن لذة المغامرات قصيرة وأن حسرتها طويلة وأن النشوة قد تورث أحزاناً باقية .

إنك إن حصرت اهتمامك في التخلص من الحالة النـفسية السيئة التي أنت فيها ، دون التـــفات إلى خطــورة أخطائك الشرعية ومخالفاتك الأخلاقية ، فإنك تتعامين عن حقيقة واضحة وتنكرين واقعاً لاخفاء به .
صلاح حالك يبدأ بإصلاح ما بينك وبين خالقك الرقيب عليك الذي سيسألك عن أعمالك ويحاسبك عن أخطائك ( فإن شاء عذب وإن شاء غفر ) . ألا تستشعرين أنك خالفت فطرته وانحرفت عن شريعته؟ إنه لم يضع الضوابط ( مما قد تظنينه أوامر وقيود تحد من حريتك ) عبثاً ، وإنما حواجز معقولة مقبولة لدى ذوي النفوس السليمة والعقول النيرة تنظم حياة البشر وتهذب أخلاقهم ، وتردع أهواءهم البهيمية وشهواتهم الشيطانية ( وإلا فما فرق الإنسان عن الحيوان والشيطان ) ، كما إنها تحمي النفوس من الشقاء والهموم لئلا تصاب بما أصبت أنت به ،... وهكذا .
قد يكون في الجواب بعض قسوة في وقت أنت أحوج ما تكونين فيه إلى حنان ويدعوني إلى ذلك تصوري المبدئي عن شخصيتك التي تحتاج صراحة وحزماً فرسالتك رغم ما فيها من الظروف العسيرة التي مررت بها والمخالفات التي كررتها لم أجد فيها ما يدل على يقظة الضمير والشعور الحقيقي العميق بعظم الذنب ولوم النفس على الوقوع في المخالفة أو خوف العقاب الأخروي أو العار الدنيوي ونحو ذلك من بواعث نفسية إيمانية يبعثها الاكتئاب ويحركها في نفوس المذنبين المقلعين فتوقظ بصائرهم وتقوي وازعهم الديني ورقابتهم الذاتية لربهم وانضباطهم مع أوامره .
أمران لا يجتمعان في النفس : الحصول على احترام الآخرين والحصول على المتعة المحرمة معهم فمن الطبيعي أن تتعرضي للامتحان والاحتقار والاستغلال {ومن يهن الله فما له من مكرم } ، فحددي هويتك الإيمانية وقيمتك المعنوية ، وقيمك الأخلاقية الأصلية فأنت في بلاد الإيمان ومن نسل أهل الإسلام ومكارم الأخلاق والغيرة والشرف الرفيع ولست في أوربا أو أمريكا فكيف ترضين أن تبيعي نفسك ودينك وعقلك وشرفك وسمعة أهلك لساقطي الكرامة والمروءة وإن كانوا ذوي مال وجاه ووسامة .
إن فطام النفس عن هواها عسير لكن عواقبه أحلى من العسل . أتوقع لحالتك النفسية السيئة أن تتحسن في وقت سريع إذا صححت مسار حياتك وابتعت عن تكرار غلطاتك . وباب التوبة مفتوح لك ، ولذة الإيمان أطعم في القلوب وأبقى في المهج من لذة الأحضان والرقص والغناء والخلوة مع الفتيان .
ستر الله عليك وهداك .
رد مع اقتباس
  #25  
قديم 01-05-2010, 12:11 AM
الصورة الرمزية غامضة الملامح
غامضة الملامح غامضة الملامح غير متواجد حالياً
ميداليه بلاتينيه
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
المشاركات: 6,181
افتراضي الأهداف الخمسة


الأهداف الخمسة


قصة قصيرة


نزار ب. الزين*

-------------------

هل سمعت ياسيدي المحقق بالأهداف الخمسة أو ما يسميه إخواننا المصريون : ( العَينات الخمسة ) ؟
خوفا من أن تظن – ياسيدي – أنني أقدم إليك أحجية ، ومع أن الكثيرين سمعوا بهذا الشعار و الكثيرين غيرهم طبقوه دون أن يسمعوا به ، و بالرغم من تخميني بأنك لم تسمع به من قبل – ذاك باد من ذهول عينيك – اؤكد لك أنه شعار لا علاقة له بالعيون التي في طرفها حور أو بعيون الماء القراح السلسبيل ، و لما كنت لا أحب الإستطراد ، فسأبادر فورا إلى شرحه لك في الحال .
إنه يا سيدي شعار الإنسان الطموح من وجهة نظر قِطاع عريض من البشر ، و لكن الطموح يقاس عِلميا بمؤشر ذي أربع درجات مرتبطة كلها بغريزة التملك .و هي أولها ، ثم الطموح أو السعي إلى الأفضل ، ثم الطمع و هو السعي إلى طلب المزيد و أخيرا الجشع و هو الشراهة المطلقة إلى جمع المال و عدم الشعور بالإكتفاء .
أعود إلى الشعار ، فهو بكل بساطة تحديد أهداف الإنسان الطموح بخمسة أهداف تبتدئ كلها بحرف العين : ( عمل ، عروس ، عربيّة ، عمارة ، عزبة ) و هو شعار رحب يوحي بتبرير كافة الوسائل من أجل تنفيذه ؛ أما خطوات الإنطلاق فقد تكون متمهلة أو متسارعة أو قد تتحول إلى القفز كما في حالة جاري ؛ فجاري سلمان من حملة هذا الشعار و يجري خببا وراء تحقيق بنوده !
تجده دائم اللهاث فهو يعمل و يعمل و يعمل ، يداعب أولاده بيسراه بينما يمناه تعمل ، حتى ضرورات حفظ بقائه الشخصي إختزلها إلى شطيرة و كوب ماء ، و ضرورات حفظ بقائه النوعي حولها إلى عملية آلية لا روح فيها .
لم يحرم عينيه متعة التلفزة ، فهو لا يدع الرسوم المتحركة تفوته و كذلك الهزليات و الأهم منهما المصارعة الحرّة ، فقد ترهل جسمه من كثرة الجلوس حتى ناء بحمل كرشه المدلى أمامه كقربة ماء ، كما برز ردفاه بروز صندوق عربته ، و أما شعوره باضمحلال قواه التدريجي ، فقد جعله يغرم بالمصارعة كتعويض .
و لفرط إنهماكه بالعمل ، تنحبس مشاعره طويلا ثم لتفجرها – من حين لآخر - مواقف تافهة كهزليات التلفاز ، فينطلق ضاحكا بقهقهات مجلجلة ترعب من يسمعها أول مرة ، أو تزعجه مشاحنات أطفاله أو طلبات زوجته ، فينطلق لسانه ناطقا بأبشع القاذورات ...
و سواء مع المصارعة أو الرسوم المتحركة و مهرجي التلفزة ، فإن إحدى عينيه تنصرف نحو التلفاز بينما تبقى يمناه تعمل و تعمل و تعمل ؛ ذلك أن طبيعة عمله تسمح له أن يعمل و هو يأكل و يعمل و هو يشاهد الشاشة الصغيرة ، و يعمل و هو يداعب أولاده ، و يعمل و هو يغازل زوجته و يعمل و هو يعمل .
******
أما سعاد ، حرمه المصون ، فهي أيضا من حملة هذا الشعار و لكن مع بعض التعديلات ، فالعمل و العريس توفرا بدون جهد يذكر ، خطبوها ثم زوجوها هذا كل ما في الأمر ، و العربية على الباب قبل أن يكتب الكتاب ، و العمارة و العزبة متروك أمرهما لمساعي ( سبع البرمبو سلمان بن سالم السليمان ) ؛ و هكذا أبدلت خماسية زوجها بخماسيتها الخاصة التي تتناسب مع أنوثتها ، فحلت هواية إقتناء المجوهرات محل ( العمارة ) كما حل ولع لا حدود له بمسايرة آخر مبتكرات الأزياء محل (العزبة ) أما العمل و العريس فسوف يأتي ذكرهما لاحقا .
سايرها سلمان بداية ، أي عندما كان مفتونا بسحرها ، أما عندما أدرك أن طموحها جشع و رغباتها شراهة ، كبح جماح جيبه (لاحظ – يا سيدي - كباح جيبه و حسب ) و بعد قيل و قال و طول كفاح و نضال ، يئست سعاد من جدوى نزاله و ملّت كثرة جداله ، فسلمت و لكنها ما استسلمت ، و القصة من هنا إبتدأت .
******
عادت ذات يوم من السوق محملة ، فقام إلى جيوبه يتفحصها ، و إذ إطمأن أن كل فلس قابع في مكانه ، عاد إلى طاولته يعمل و يعمل و يعمل ..
هتف مجهول لها ذات يوم ، طلبها بالإسم و بإصرار ، نظر سلمان إليها شذرا ، ناولها مسرة الهاتف مشمئزا، ثم إنصرف إلى طاولته يعمل و يعمل و يعمل ..
ثم أخذت مكالماتها الهاتفية تطول و تطول ، ضايقه الصوت .. تذمر .. قذف بعض قاذوراته ، ثم عاد يعمل و يعمل و يعمل ؛ فخفضت صوتها – بعدئذ – تجنبا لسلاطة لسانه ، و لكن محادثاتها الهاتفية إستمرت تطول و تطول ، و استمر يعمل و يعمل و يعمل .
رحلات التسوق كانت قليلة و لكنها مستمرة ، و العودة بأكياس الغنائم أخذت تلفت أنظار الجيران و إنشغال هاتفها المتواصل بدأ يثير الريبة .
أشفقوا على سلمان !
سلمان العصامي ، سلمان المكافح ، سلمان المعطاء ، سلمان ( المشغول دايما ) الذي لفرط إنشغاله لم يسألها قط عن محدثيها على الهاتف ، سلمان الساذج الذي لم ينتبه إلى تخمة خزانتها بأفخر الثياب و رفوفها بأنفس العطورات و أدراجها بأثمن المجوهرات .
سلمان الإنسان الجاد المستقيم ، الأنيس اللطيف ، يلقى من زوجته كل هذا العقوق ؟؟؟!
أخذوا يتهامسون ، ثم بدؤوا يتشاورون ، و ظلوا حتى الأمس القريب يتهامسون و يتشاورون حول سلوك جارتهم سعاد ، دون إتخاذ أية خطوة أكثر من إزدياد اللغط ، فهناك أطفال ، و هناك بيت قد يصيبه الخراب و يدمر سلمان بن سالم السليمان ؛ و سلمان غير دار بما يلوكونه ، حوله مستمرا يعمل و يعمل و يعمل ....
******
شوهدت سعاد – صدفة – في دار للسينما مجاورة ، مع شاب خليجي رشيق أنيق ، مشذب الشاربين منمق الحاجبين ، غطى هامته بكوفية ناصعة ، ، لا كرش مدلى يتقدمه و لا مؤخرة بارزة تتبعه ، و قد أحاطها بكل إهتمامه و إنصرف لإرضائها بكل جوانحه ؛ ثم شوهد بعد أيام يطلق بوق سيارته بجوار بيتها لتهرع إليه و تركب إلى جواره !
- ما أجرأها
تهامس الجيران !
ثم شوهدت تخرج معه من أحد الفنادق المتساهلة ..
- سلمان أين أنت يا سلمان ؟ هل من المعقول أنك لم تنتبه حتى الآن يا سلمان ؟
تساءلوا مستغربين !
******
اللغط يتفاقم
و سلمان يعمل و يعمل و يعمل
و سعاد تعمل و تعمل و تعمل
و الحساب المصرفي ينمو و ينمو و ينمو
و أكداس الهايا صارت طبقات فوق طبقات
و الصعود مستمر .. مستمر .. مستمر
******
قررتُ التدخل ، فأنا منذ البداية تراودني الشكوك ، عندما كان همس الجيران مجرد لغط ، كانت شكوكي تقارب اليقين ، صارحت بها زوجتي الحصيفة ، فاتهمتني – كعادتها - بالمبالغة و سوء الظن، ثم ألقت في وجهي بحكمة الأديان و الأجيال : (( إن بعض الظن إثم )) !
و مع ذلك قررت التدخل ، فظنوني تجاوزت سعاد إلى سلمان ذاته ؛ فهل من المعقول أن يكون الرجل غِفلا إلى هذا الحد ؟ و حتى لو كان كذلك فمن حق الجيرة أن أنبهه و شاركني في رأيي أبو نضال و هو من أقرب جيراني إليّ !
******
إستدعينا سلمان
فرشنا المقدمات و مهدنا الطريق ، و التففنا حول الموضوع و درنا ، ثم بهدوءمينا قنبلتنا ؛ و كمن صفع على قفاه دارت رأسه و خذلته ركبتاه ، و بدا و كأننا أوقعناه في متاهة ، فتساءل ببلاهة :
- كيف حدث أنني آخر من يعلم ، متى نبت قرني و تضخم ؟
بكى و أبكى ، ثم أرغى و أزبد ، ثم هدد و توعد :
- سأقتل .. سأذبح سأنشر الدمار .سأصنع كارثة .. سأقود أعصار !
نصحناه ، أن يقوِّم إعوجاجها و يبحث عن أسباب إنحرافها لعلها تعود إلى صوابها فننقذ الأطفال من مآسي خراب البيوت ، فإن ارعوت و ثابت إلى رشدها كان بها ، و إن أبت و أخلت بعهدها ، فتسريح بإحسان !
******
و يا لعجبي ، ياسيدي الضابط ، ها أنا ذا بين يديك متهما بأنني دئبت على التحرش بجارتي سعاد ، و الأعجب أن بقية الجيران بما فيهم أبو نضال ، رفضوا الإدلاء بأية معلومات ، و بأن عليّ الإعتذار ، و كتابة تعهد خطي بعدم التعرض لجاري و لحرمه المصون ، و إلا سوف تزجون بي في غياهب السجون !
******
في بيت جاري سلمان بن سالم السليمان ، لا زال الصعود مستمرا ، فالحساب المصرفي يزداد نموا ، و أدراج المجوهرات تزداد إمتلاء ، و أكداس الملابس الداخلي منها و الخارجي تزداد إرتفاعا ، و مواد التجميل و العطور تزداد تراكما ، و أصدقاء سعاد تتزايد أعدادهم .
و عاد الجيران يتهامسون و يتغامزون و يتشاورون و يتجادلون ، أما أنا فقد تقوقعت و أغلقت عيني بالطين و سددت أذني بالعجين و ألصقت شفتيَّ بلاصق متين ...!
و لم يعد يهمني إن حمل الناس شعار الخمس ( عَينات ) أو كانوا مثلي بعين واحدة ، و كذلك لم يعد يهمني إن سقط الناس إلى أعلى أو صعدوا إلى أسفل سافلين !
__________________
حكاية الزاهي المرعوب:أقصوصة ساخرة
حكاية الزاهي المرعوب:أقصوصة ساخرة
رد مع اقتباس
  #26  
قديم 01-05-2010, 01:03 AM
الصورة الرمزية غامضة الملامح
غامضة الملامح غامضة الملامح غير متواجد حالياً
ميداليه بلاتينيه
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
المشاركات: 6,181
افتراضي وجه سيدونا - قصة من الخيال العلمي

وجه سيدونا*
قصة من الخيال العلمي
نزار ب. الزين*
كنتُ في زيارة ابنتي في تونس عندما خطر لي أن أعرج على المغرب في طريق عودتي ، فاتصلت هاتفيا بالأخ عبد الله البقالي ، الذي رحب بلقائي و وعدني أنه سيكون بانتظاري في مطار الدار البيضاء ، و لوجه الحق كان الأستاذ البقالي خير مضيف و رفيق ، فقد أخلى نفسه من كل مسؤولية ليتفرغ لمرافقتي و يكون دليلي طوال إقامتي هناك ، فعرفني على معالم الدار البيضاء التي يسميها أهلها ( الكازا ) إختصارا لكازابلانكا ، ثم اقترح علي أن نقوم بجولة في مدن المغرب الأخرى كالرباط و مراكش و فاس و مكناس و تطوان و طنجة و غيرها من مدن الوسط و الشمال ، و لكن لدهشته الشديدة طلبت منه أن نزور الصحراء الغربية ؛ فقلت له في معرض تبريري : " أريد أن أرى هذه الصحراء التي قرأت عنها الكثير و عن الصراعات التي دارت حولها و مداخلات الأمم المتحدة بشأنها ، أريد أن أعرف لِمَ كان هذا كله ! " فأجابني مبتسما : " هي مليئة بمناجم الفوسفات و المنغانيز و ربما معادن أخرى لا أذكرها ، و ربما كان ذلك هو السبب وراء تلك الصراعات التي خمدت و الحمد لله . " ثم أضاف مشكورا : " إذا كنت لا تزال راغبا بزيارة الصحراء الغربية فهيا بنا ."
مررنا بعدة مدن صغيرة و لكنها جميلة كمدينة (الجديدة) ثم و صلنا إلى كبرى مدن الجنوب أغادير ، و هناك تذكرت الكارثة التي أحاقت بها ، فقد تعرضت لزلزال كبير عام 1960 أعقبه موجة تسانومي أطلسية ؛ إنها اليوم مدينة سياحية رائعة بشوارعها الفسيحة و فنادقها الفاخرة.
بتنا ليلتنا في أغادير بعد جولة بين فنادقها و مقاهيها و مطاعمها الكثيرة و التي يطل أكثرها على المحيط الأطلسي و التي اتخذ بعضها طابعا أوربيا ، و في عصر اليوم التالي توجهنا نحو الصحراء الغربية ..تحديدا إلى مدينة العيون ، التي تبعد زمناً حوالي ما يزيد عن ساعات ثلاث ، كما افادني الأستاذ عبد الله .
قلت لصديقي الأستاذ عبد الله ، قبيل بلوغنا مدينة العيون المركز الإداري للإقليم الصحراوي ، قلت و قد مالت الشمس إلى المغيب فانعكس لونها المحمر على صفحة ****** ، قلت له :" و كأننا في الكوكب الأحمر يا صاحبي ، صحراء مقفرة و جبال عالية تتراءى عن بعد و سماء وردية اللون ؛ فضحك الأستاذ عبد الله و هو يجيبني : " و هل زرت المريخ يا صاحبي ؟ " فأجبته : " بل قرأت عن هذا الكوكب - توأم الأرض – الكثير الكثير " .
و على حين غرة وجدنا أنفسنا وجها لوجه مع شاحنة قادمة من الإتجاه المعاكس و قد أعشى ضوؤها العالي أبصارنا ثم ........ سمعت قرقعة الحديد و ارتجاج شديد هز كل جسدي ثم لم أعد أشعر بشيء ..
*****

و
للغرابة الشديدة وجدت نفسي – بعد أن أفقت - هائما في الصحراء ، و إن هي إلا ثوان حتى كان الأستاذ عبد الله إلى جانبي ، يقول لي : " الحمد لله على السلامة " ثم تلفتَ حوله و أضاف منزعجاً : " و لكن أين سيارتي ؟ و أين الشاحنة التي تسببت بانحرافنا عن الطريق و انقلاب السيارة بنا ؟ " ثم صمت قليلا ليضيف مستغربا مذهولا : " بل أين الطريق الذي كنا نجتازه ؟ و أين أضواء مدينة العيون التي كنا نراها عن بعد ؟ بل إننا في ضوء النهار مع أن الليل كاد يرخي سدوله ، أين نحن ؟ و ما الذي حدث لنا ؟ "

بينما كان الأستاذ عبد الله منهمكا بطرح تساؤلاته ، كنت قد بدأت أشعر براحة لم أعهدها من قبل ، اختفت نهائيا أوجاع الروماتيزما التي طالما أقضت مضجعي و أما تعب السفر و الجلوس الطويل في مقعد السيارة فقد زال تماما ، بل بدأت أشعر أنني خفيف الوزن و أكاد أحلق طائرا ، و بدأت أتأمل المنظر الممتد أمامي ، تلال من خلف تلال ، و عن بعد تراءى لي جبل هائل الارتفاع ، أما السماء فهي وردية اللون مع أننا في منتصف النهار فقد نبهني إلى ذلك إختفاء الظلال قرب الصخور البركانية السوداء المتناثرة من حولنا .
و فجأة أحسست أن جسما يتحرك قربي ، التفت نحوه و إذا بي أمام عربة غريبة الشكل ركب فوقها صحن لا قط و خرج منها حفار يغوص في الأرض و ذراع تتناول منه ما يخرجه من عينات و تضعها عل متنها ، اقتربت منها لأسأل سائقها اين نحن ، و لعجبي الشديد كانت بدون سائق أي ( روبوت ) يتحرك فوق ست عجلات ، ثم قرأت على أحد جنبيها عبارة (أوبورتيونيتي) ، فأخذت أتساءل أين سمعت هذا الإسم ؟ و سرعانما تذكرت أنه اسم المركبة الآلية التي أرسلتها وكالة ناسا الأمريكية إلى المريخ سعيا لإستكشافه عن قرب .
أصبت بما يشبه الصدمة و الذهول .. ثم صحت بصاحبي : " أستاذ عبد الله نحن في المريخ و لسنا في الصحراء الغربية المغربية " ؛ فابتدأ يضحك مجددا و لكنني صحت : " تعال فقط و القِ نظرة على هذا الشيء و إلى الكلمة المسجلة عليه !"
ثم بدأت أتساءل بدوري و بصوت مضطرب : " الرحلة تستغرق بواسطة أحدث و أقوى المركبات الصاروخبة ، أربع سنوات بين الأرض و المريخ ..فكيف أننا فوق المريخ في ثوانٍ أو دقائق و بدون ما يقلنا إليه أي صاروخ ، ترى هل نحن نحلم ؟؟ "
جلس صاحبي فوق صخرة و قد جمدته الدهشة ، و جلست فوق صخرة أخرى ، لا لأنني تعب ، فأنا لم أشعر باي تعب أو أي ألم أو أي جوع أو عطش منذ وطئت قدماي هذه الأرض ، ثم تذكرت أن المريخ كوكب بارد ، تزيد أو تنقص حرارته عن المائة درجة مئوية تحت الصفر ، فلماذا أنني لم أشعر بأية برودة و لا بالحاجة إلى أي غطاء أو ملابس ثقيلة ؟؟ ثم إن المريخ يملأ جوه ثاني أكسيد الكربون بنسبة %95 فكيف أننا لا نشكو من أعراض الإختناق ؟؟؟
هذه المرة رفع الأستاذ عبد الله رأسه من بين يديه و قال لي بصوت حزين ، نحن مجرد أرواح يا صاحبي ، يبدو أن الحادث أودى بنا !!....
*****
لم يطل بنا حزننا على أنفسنا و على فراق الأهل المفاجئ ، و بدأت أعتذر منه لأنني السبب ، فلولا إقحامه برحلتي السياحية لما أصابه ما أصابه ، و بايمانه العميق بالقضاء و القدر أجابني : " هذا نصيبنا و ما قدر لنا " ، قلت له : " إذاً هيا بنا نستكشف الكوكب الأحمر طالما نحن فيه " .
و كالنوارس حلقنا فوق الكوكب ، هذا مجرى واضح لنهر عظيم جفت مياهه ، و هنا و هناك حفر ضربتها النيازك ، أو فوهات بركانية خامدة ، و ثمت جبال هائلة الإرتفاع و وديان بالغة العمق ، و لكن لا أثر لمخلوق ، و إذ بلغنا منطقة ( سيدونا ) برز في مواجهتنا رأس آدمي منحوت من الصخر شبيه جدا بالإنسان مع بعض الإختلافات البسيطة ككبر العينين و ضخامة الأنف .
و فجأة هبت عاصفة رملية هائلة ، أخذت تبعثر أطنانا من ****** في فضاء الكوكب ، فتحول كل شيء إلى ظلام دامس .
لم نشعر بلسع ****** و لم تدخل خياشمنا فتضيِّق أنفاسنا ، لأننا مجرد أرواح ؛ و لم ندرِ كم استغرقت هذه العاصفة من الوقت ، و لكن ما أن هدأت حتى تكشفت لنا عن مبنى محفور في صخور تل مجاور لوجه ( سيدونا ) شبيه إلى حد كبير بمباني البتراء حاضرة دولة الأنباط التاريخية جنوب الأردن .
*****
دخلنا من البوابة الرئيسية إلى قاعة مزدانة بالرسوم و ما يشبه الحروف الهيروغليفية ، أما الرسوم فهي لأشخاص من سكان الكوكب على ما يبدو ، امتازوا بطولهم الفارع و كبر صدورهم و بعيونهم الواسعة و أفواههم المستديرة الصغيرة و أنوفهم الضخمة ، ثم صعدنا سلالم حلزونية إلى طبقات المبنى المتعددة ، حيث امتلآت جدران كل طابق منها بتلك الحروف و الرسوم و كأنها تحكي تاريخ الكوكب و ناسه كما كان يفعل فراعنة مصر .
و في الطابق الأخير تراءى لنا ما يشبه شاشة السينما البانورامية ، و في أسفلها ما يشبه مفتاح أو زر كبير ، لم أتمكن من الضغط عليه ، و لكن ما أن اقتربت منه حتى تحرك تلقائيا ، و إذا بالشاشة تلمع ليظهر من ثم محدث أو محاضر أو مذيع ، بدأ يتحدث بلغة أشبه بتغريد البلابل ، لم نفهمها بداية ، و لكن سرعانما بدأنا نفهم كل كلمة و كأننا من أهل الكوكب .
قال من ضمن ما قال :
ظل كوكبنا مزدهرا أكثر من مليون سنة ، نهرنا العظيم - الممتد من القطب الشمالي حتى ما بعد خط الإستواء – ظل يروي مزراعنا و يؤمن لنا ما يلزمنا من البروتين من أسماكه الغزيرة ، و سادت بيننا العدالة ، و لم نعرف الحروب التي أنهكت الكوكب الثالث ، الذي يسميه أهله بالأرض ، و لم نشهد أية حوادث إجتماعية عدوانية ، فكل منا يعرف تماما ما له و ما عليه ، أما حكومتنا فهي حكومة علماء منتخبة ، بحيث يجري انتخابها مع بداية كل عام جديد ، و قد ازدهرت علومنا و تمكنا من التواصل مع سكان الكواكب الأخرى خارج مجموعتنا الشمسية ، و نحتنا من تلين على الأقل رأسين هائلي الحجم ليكونا مرشدين لمركباتنا العائدة أو مركبات ضيوفنا .
أما كوكب الأرض فقد حاولنا زيارته و لكن أهله لا يعرفون سوى لغة القتل و التدمير ، حاصروا إحدى بعثاتنا و أشهروا أسلحتهم الفتاكة مهددين حيوات مبعوثينا ، لولا أن تمكنوا بسرعة من العودة إلى المركبة لينطلقوا بها عائدين ؛ إنه كوكب شيطاني ، قررنا عدم الإقتراب منه بعد ذلك .
و لكن ....
فجأة بدأ مناخنا يتغير ، و يزداد برودة ، و ما لبث علماؤنا أن اكتشفوا أن مدارنا حول الشمس آخذ بالابتعاد عنها ، فابتدأت مياه النهر الكبير تجف ، و ابتدأ الناس يحرقون كل ما يقع تحت أيديهم من أخشاب ، فانقرضت الأشجار و تحولت المزارع إلى يباب ، و رغم تحذير العلماء بأن كثرة إحراق الخشب سوف يزيد من نسبة ثاني أكسيد الكربون في الجو ، إلا أن الناس من شدة البرد لم يأبهوا ؛ و ابتدأت الوفيات – من ثم - بين الأطفال خاصة تتفاقم ، و ابتدأ عدد السكان يقل ؛ و قد تمكن بعضنا من الهجرة إلى كواكب أخرى ، و لكن عدد مركباتنا لم كافيا للجميع ؛ ثم فني كل أثر للحياة .
*****
فتحت عيني ، لأرى نفسي في إحدى غرف ما بدا لي أنه مستشفى ، و إلى جواري صديقي الأستاذ عبد الله ؛ سألت الطبيب الذي تصادف وجوده إلى جانبنا في جولته التفقدية : " هل إصابتي خطيرة يا دكتور ؟ " ، فأجابني مبتسما : " كنت غائبا عن الوعي بتأثير الصدمة ليس إلا ، و لا توجد أية إصابات أو جروح ، و ربما تتمكن و صديقك من مغادرة المستشفى غدا " .
و إذ أصبحنا لوحدنا ، قلت له مبتسماً :" لقد كنت في زيارة الكوكب الأحمر ، يا أستاذ عبد الله ! "
و لدهشتي الشديدة لم يضحك هذه المرة ، بل أجابني جاداً : " و أنا كنت معك في جوار ( وجه سيدونا ) " .
------------------------------
* وجه سيدونا : عبارة عن تل منحوت على شكل وجه آدمي فوق سطح المريخ في منطقة من شمال الكوكب أطلقوا عليها اسم ( سيدونا ) ، كان المسبار الأمريكي فايكنغ قد التقط أول صورة له في عام 1976 ، ثم تجدد تصويره هذا العام في ( تموز/ يوليه 2006).
------------------------------
__________________
حكاية الزاهي المرعوب:أقصوصة ساخرة
حكاية الزاهي المرعوب:أقصوصة ساخرة
رد مع اقتباس
  #27  
قديم 01-05-2010, 01:14 AM
الصورة الرمزية غامضة الملامح
غامضة الملامح غامضة الملامح غير متواجد حالياً
ميداليه بلاتينيه
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
المشاركات: 6,181
افتراضي افعى من نوع اخر

أفعى
من نوع آخر


أمسك رجليه بيده وانزلق بجسده بعيدا عن وسط الزنزانة، انكمش على نفسه في الزاوية، محاولا اتقاء الماء المسكوب على أرضها الاسمنيتة الخشنة، أغلق عينيه ودفع رأسه بين ساعديه، أحنى ظهره قليلا، فأصبح كجذع زيتون ملتف على نفسه، الرطوبة تتسلل من الحائط بخبث ودهاء، إلى جسده المنهك من شدة التعذيب، كان الظلام قاسيا، يكبل مكامن النفس المتوثبة، ينشر سواده القاسي بجمجمة تخض بالأفكار والتساؤلات، هواجس تجول، تخبط في الوعي المترنح، تتشكل عقدا، نتوءات كدمامل محشية بالقيح، الجو كله مشحون بثقل الحدث، ثقل غريب تربع فوق صدره، كجلمود صوان صلب متفرع الأخاديد في نبضاته المتسارعة، تحسس بنطاله الغارق بالمياه الباردة النتنة، قرب كفه من انفه، اجتاحه قرف ممض.

ماذا يريدون مني؟ ضغط السؤال على مروج نفسه الفسيحة، هل يمكن أن يكونوا؟ هل عرفوا عني شيئا؟ لا، لا يمكن، العنقاء أكثر امكانا من ذلك، المستحيل ذاته قابل للتحول نحو الممكن، كيف سيعرفون عني؟ أنا لم أتحدث مع احد بالأمر، أنا واحد، والواحد لا يخرج سره، لم يراني احد على الأرض، حتى الليل، بعيونه المضيئة المتوهجة، لم يدرك ما حصل، تنبه للأمر بعد فوات الأوان، أصيب بالذهول، بالدهشة، بالاستغراب، بحث جوف عيونه، لم تكن تحفظ أي صورة، أي صوت، مما حدث، أرهق نفسه، وأرهق عتمته الواقبة، لكنه ظل فاغرا فمه، كمعتوه اقتحمته صحوة مفاجئة.

لحظة ضمته أمه، قبل أن يخرج مكبلا، معصوب العينين، تنشق رائحة غير رائحة ملابسها، غير رائحة عرقها، غير رائحة أمومتها المعهودة، رائحة تفوح من مساماتها لأول مرة، مميزة، ذات نكهة معهودة، لم يستطع أن يحدد نكهتها بادىء الأمر، لكن لحظة هوت البندقية على رأسه، انتشرت الرائحة لتغطيه كله، رائحة تراب معذب، يضخ شوقا، كتراب الآنية التي زرعت أمه بها ذات يوم غصنا جافا من أغصان الدوالي، غصنا ميتا، لا اثر للحياة فيه، لكن أمي ظلت تفتح التراب حوله كل يوم، وتقول:- التراب يجب أن يتحرك من فوق العود، ليدخل الهواء، لتتنفس التربة ويتنفس الغصن، التراب المتراكم، لا يخرج حياة، والغصن بدون عناية، بدون عرق، لا يقدر على النماء، حرك التراب، افتح الطريق للهواء، ونقط بعض نقط من عرق، وانتظر.

ذات يوم، وَجَدْتُ كفة يدها مسطوحة، تنز دما، فوق تراب الآنية، حاولت مساعدتها، لكنها رفضت، قلت لها:- الدماء ستقتل جذع العنب الميت، ضحكت وهي تقول:- وكيف يا فهيم؟ يا متعلم؟ الدم يذهب عميقا، يتجمع في حبات التراب، يمتزج، فلا نعود نراه، مثله مثل الماء.

نعم، فاحت رائحة التراب، تراب عود ناشف من كرمة في الجبل الذي ترتاده أمي، رائحة التراب والعود والجبل، توحدت، لكنها لم تصل انفي إلا حين ضمتني مودعة.

يمًا، يا حبيبي، أنت وحيدي، وسند أخواتك البنات، ليس لهن إلا الله، ثم أنت، أتيت إلى الدنيا بعد عناء، أنا وأبوك، كنا نقوم الليل، ندعي الله، نتوسله، أن يمنحنا ولدا، يكون سندا لأخواته حين نغادر الدنيا، البنات مكسورات الجناح يمًا، حنونات، رقيقات مثل الزجاج، أي شيء يكسرهن، دموعهن مهيأة للشكوى، وهمهن يهد الجبال، صلينا، وقدسنا في الحرم، قبلنا الصخرة التي جلس النبي محمد فوقها- عليه أفضل السلام- حججنا، شربنا ماء زمزم ونحن نبتهل إلى الله بولد، ولد يسند البنات، وحين عدنا، اندفع بطني، تحرك شيء ما بداخله، حركته غريبة، جديدة، يدفع جدار الرحم دفعا، كغاضب، حركة البنات كانت سهلة، كن يسبحن في الرحم بهدوء، لم أحس بهن، ولم اشعر بالثقل الذي اشعر به الآن، لم اشعر بشيء صلب يتكور في زاوية الرحم إلا هذه المرة.

فرحت، وأسرعت نحو والدك، قلت له:- في بطني ولد، تألق بريق عينيه، سيأتي لبناتك سند، سنموت ونحن مرتاحين، بكى، بكاء مرا، التصق بحلقي، غارت مرارته بقلبي، لم يصدق، فالحمل سر من أسرار الله، شعرت باني سأقتله لو وضعت غيرك، ولكني واثقة، نعم، واثقة، فانا اعرف بحاستي انك قادم، أنا أم، والأم تعرف كيف تتحرك الأجنة في الرحم.

أصوات المعذبين تصل أذنيه، عالية، مجروحة، صرخات محقونة بالألم، أشياء تتهاوى، تصطدم بالأرض، فيدوي صدى اصطدامها بقلب السكون والعتمة، كانفجار لغم وسط صحراء مضغوطة، ترى، من هؤلاء المعذبين؟ ومن أي المناطق؟ وكم أم تتلوى الآن على نار القلق والتحسب؟ وكم أخت تقف مشرعة يديها إلى السماء المفتوحة والدموع تنهمر من عيونهن، كانهمار الحياة في زيتون الجبال؟ وكم نفس تقع الآن تحت ضغط عذاب لا يرحم؟

تسللت برودة قاسية إلى جسده المتجلد، انتفض، كل شيء كان عاديا، جرت الأمور بطريقة سريعة، لم يكن هناك أي مخلوق، الناس والشوارع والأمكنة والأزمنة توقفت في تلك اللحظة، الليل يفرش رداءه الأسود، والبرد ينشر صفير رياحه المحملة بالسرعة والهيبة على المدينة بأسرها، لم اسمع حتى نباح كلب ضال، أو نباح كلب اضواه البرد المتمكن من كل شيء، حتى الجرذان نزلت إلى جحورها، والمطر يضرب الأرض بقوة وصخب، مطر، مطر، مطر، والأرض تحني قامتها اتقاء واحتماء من قسوته، في هذا الوقت كان ما كان، وكنت وحيدا إلا من الله الذي يكون في كل مكان، كنت اشعر بوجوده، بحمايته، ببركته، لذلك غصت في تلك الأجواء، اقتحمت هيبتها وسكونها، ومزقت غموضها، ولكني زرعت في رحمها حدثا لا يصنعه إلا الرجال، حدث اقض مضاجع من اقتادوني هنا، أربكهم، فترة طويلة من الزمن، قزمهم، طحن أسطورتهم الكاذبة بين تروسه الضخمة.

شاهد يد أمه وهي تغوص بمجرفة صغيرة في الآنية التي زرعت بها عود الدالية، سألها:- لماذا تجرفين الدالية؟ هل سئمت من انتظارها؟ نظرت إليه وهي تبتسم، وقالت:- يما، الدالية لا تسعها آنية محاطة بجدر، فهي تغوص عميقا في الأرض، تنشر جذورها بكل الاتجاهات، تلاحق المياه، وتفتح في الأرض أخاديدا مدورة، ليدخل الهواء إلى قلبها، ليتغلغل في دمها. وعادت وهي تحمل عودا آخر، فيه نتوءات شوك، عود ورد جوري، غرسته في الآنية ذاتها وغادرت.

أيام مضت عليه، لم يفتح باب الزنزانة إلا لتقديم بعض من طعام متعفن، وبعض ماء أصبح بطعم، تركوه وحيدا، هو يعلم تماما لماذا، يدرك بعمق أنهم يتركونه لهواجسه، لكوابيس الوحدة والليل، لعذاب التوقع والتحسب، تركوه ينهش ذاته، ينهش فكره، يهوي بقاع بئر مهجور، تحيطه الرطوبة، وتقتحمه الوحدة، ونجحوا، نجحوا في جعله يدور في دوامة التساؤل، يدور بأعماق موجة كاسحة، تقتحم كل ثواني أيامه ولحظات عمره، بدأ يفتش، ينبش باهاب الوقت، بجلد الأحداث، بمسامات الأيام، أحس بالإرهاق، بالتصدع، كانت الحيرة تفتك بكل قواه الذهنية، لماذا أنا هنا؟ لا بد من وجود خطأ؟ قد يكون المطلوب شخصا آخر؟ وقد يكون الأمر تشابه بالأسماء فقط، وربما هو اعتقال عشوائي؟

دار المفتاح بالقفل باكرا، قبل موعد الإفطار، نودي برقمه، خرج، الصق بالحائط، كبلت يداه إلى ظهره، وغاص رأسه بكيس اسود ذو رائحة نتنة، وسيق من رباط الكيس كحيوان يساق إلى جهة معلومة.

بدأت أمه وهي تزرع عود الورد بالآنية تتحدث، يما، الغصن فارق أمه ليس لأنه لا يريد البقاء معها، فارقها لأنه يعرف بأنه سيفتح عالما جديدا، سيبرعم، وينطلق خضاره في العيون، في النفوس، لكنه يحتاج إلى عناية، إلى صبر، إلى زمن لا بد أن يمر به ليتحول إلى شجرة كبيرة، تغص بأزار الزهر، يحتاج إلى ماء، إلى حياة، الدالية يما لا تحتاج إلى ماء، فهي ترسل جذورها وراءه، تحدد مكانه وتغوص خلفه، كذلك الزيتون، الزيتون الجيد، زيتون الجبال، لأنه يأخذ حاجته من الماء، حاجته دون أي زيادة، زيتون الجبال زيته حار، وقشرته صلبة، سعره فيه، وطعمه فيه، ولونه فيه، فهو يشبه الأرض، والجبال، فيه عزة وفيه انفه.

خطواته تتراقص مع تراقص قدميه، فحينا يصفع بحائط، وحينا يصفع بيد، وفي حين آخر يتلقى ركلة قوية بين قدميه، العرق يتفصد من جسده، والظلام الغارق بعينيه يزيد من حيرته وتوجسه، كل الأشباح والغيلان اندفعت من رأسه مرة واحدة، تصرخ بأذنيه، وتشد مخالبها على عقله، سواد ملفوف بالسواد، وغموض محاط بالغموض.

قال لأمه وهي تزرع عود الورد المتشقق:- حاذري من الأشواك، فالجوري يملك أشواكا قاسية، تمزق الجلد، وتلهب الجراح، ابتسمت:- من يبحث عن الرائحة الحلوة لا يلتفت أبدا إلى الأشواك، الجرح يندمل، تغطيه التجاعيد والأيام، تمحوه من الوجود، لكن، يوم تتفتح الأزهار، وتنتشر الرائحة بأعماقك وأنت ساجد بخشوع، ستشعر بنشوة، نشوة الأيمان، ونشوة الأرض، الشوك ليس في الورد فقط، الشوك في الناس، في الحياة، وهؤلاء، هم من لا يمحى اثر وخزهم من النفس، ولا تستطيع التجاعيد أو الأيام تغطية الندوب التي يتركوها كوشم خبيث.

تداعت أفكاره كلها مرة واحدة، تزاحمت كمياه نهر في مصب ضيق، على بعد أمتار، أمتار فقط، ينتشر الناس في الشوارع، على الأرصفة، في المقاهي، يتمتعون بالفضاء الواسع الممتد، بالحياة، بالشمس، يضحكون ملء أشداقهم، يتذوقون اللوز والخوخ والتين، يداعبون النسمات المتطايرة من البيارات المحيطة بالمدينة كسوار شديد الخضرة والنماء، والنساء تدفع رائحة الطبخ إلى الأجواء، آه، ماذا أعددت اليوم يا أمي؟ وهل بعثت كعادتك لكل أخت طبق مما أنجزته يدك الطاهرة؟ هل عانقت أولادهن؟ وتنشقت رائحتهم؟ وكيف كان صباحك بدوني؟ هل بكيت؟ هل شهقت؟ وماذا فعلت أخواتي؟ أستطيع أن أرى الحزن الذي سكن عيونهن من مكاني هذا، بل أستطيع أن اشعر بحرقته الكاوية، من هنا، من مكاني هذا، أستطيع أن ألم المخيم في قلبي، أستطيع، وببساطة مطلقة أن اشعر بعود الدالية وعود الجوري وهو يمتد في قلبي، يتوزع تحت جلدي باحثا عن الحياة، عن المرسى الآمن لجذوره وروحه.

دفع إلى داخل الغرفة، ورفع الكيس العفن عن رأسه، بدت الأشياء غائمة، متداخلة، تترجرج، نفض رأسه بقوة، أغلق عينيه وفتحهما، الضابط صغير السن، جميل المنظر، لا تبدو عليه الخشونة، ولا يبدو عليه الصلف أو القوة، مقدمة مقبولة، فكفه ضعيفة كما ساعده، حتما ستكون صفعاته محتمله.
- تفضل بالجلوس. قال الضابط مع بسمة برق زيفها.
- شكرا. وجلس.
- نحن نأسف للتأخر عليك أياما طويلة، لكنه ضغط العمل.
- أتمنى أن ننتهي بسرعة.
- الأمر متوقف عليك انت، نحن نود الانتهاء خلال دقائق، لدينا ما يكفينا من المشاق والصعوبات.
- لم افهم قصدك.
- كلكم من نفس النوع، من نفس الجنس، تأتون هنا وفي رأسكم وعلى لسانكم نفس الكلمات، تتقنون المراوغة، لكنكم في النهاية تحملون القلم وتوقعون. نحن نحاول دائما أن نجعل الأمور سهلة، دون تعقيد، دون عداء أو ضغينة، لكنكم ترفضون، تكابرون، وفي النهاية تستسلمون، تخرون أرضا، هل تود أن أحدثك عن آلاف سبقوك، جميعهم دخل إلى هنا، وجلس على نفس الكرسي الذي تجلس عليه انت، وكلهم، نعم كلهم، قالوا ما قلت، ولكن ماذا حصل؟ كلهم، نعم كلهم، امسك بالقلم ووقع. كان بامكانهم أن يختصروا الوقت، يبتعدوا عن العذاب والرعب، لكنهم ظنوا بأنهم على قدر ما من البطولة، من الصمود، وحين لمس العذاب جسدهم، انهاروا أرضا، بكوا، طلبوا الرحمة، ونحن ساعدناهم، أعطيناهم القلم، ووقعوا، وببساطة انتهى كل الألم.

فرق كبير بين مظهره حين دخلت والآن، انبثقت القساوة مرة واحدة في ملامحه، ورز من عينيه بريق حقد، حقد حيوان جائع على فريسة عصية، كان يتحدث وهو ينبش بعينيه داخل جمجمتي، داخل صدري، أغراه العرق الفائض من جسدي كجدول صغير، واستثارت شهيته طأطأة راسي نحو الأرض، شعرت بالخوف، خوف لم اعرفه من قبل، يختلف عن الخوف من رهبة الليل، أو رهبة الموت، خوف بمذاق غريب، كمذاق المجهول في صحراء نائية، لكنه خالي من الجبن، من الهزيمة، صحيح أن البرودة تسربت إلى مساماتي، برودة تحسب وتوقع، برودة هواجس لا زالت مشتعلة في كياني، انفتحت المدينة أمامي كانفتاح اللون بيد الرسام، اختلطت مشاهدها وتشابكت، ترى، ماذا تفعل أمي الآن؟ أين تجلس؟ لعلها تفكر بما حصل، بل لعلها ترفع يديها نحو السماء، أبي رحل منذ زمن، غادر المخيم وروحه معلقة كقبة ذهبية في كل أرجاء البيت، وحين خرج الناس بجثته إلى المقبرة، قالت أمي وهي تشير بإصبعها نحو قبة السماء المتوهجة كقرص نحاسي منصهر:- هنا سيقيم والدك، ستبقى روحه معلقة كسنديانة فتية حتى اصعد عنده، لا، لا تصدق انه سيغادر من دوني، أنا وإياه، سنختبىء إلى أن تأتي أمطار السماء الحية، عندها، سنخرج، لنلوح للشمس براحتينا المتعبتين، نعم، الأرض تحتاج جسده، ووالدك لم يستطع أن يؤجل نداء الأرض.

لم أسمع كثيرا مما قال المحقق، فقد كنت مستغرقا بحديث أمي، ولأول مرة خطر ببالي سؤال غريب، ما الذي عنته أمي بقولها أن والدي لم يرحل؟ وانه معلق كسنديانة فتية في وسط الأفق المزروع في الكون؟

- حسنا، حدثنا عن تلك الليلة؟ قال بلهجة الواثق.
- أية ليلة.
- ليلة المطر، والظلام، حيث كنت وحيدا، الليلة التي أقضت مضاجعنا.
- لا اعرف ماذا تقصد.
- ألا تعرف تلك الليلة، " الليلة التي نزلت الجرذان فيها إلى جحورها ".

غاصت الدنيا بمعدته، شعر بانتفاخ أحشائه، واندفع الكون من ذاكرته مرة واحدة، بشكل مفاجئ، التهبت مفاصل قدميه بنيران صخر منصهر، وانتفض جلده بقوة ملحوظة، تماما كانتفاض أفعى مطحونة الرأس، ولمعت عينا المحقق، انطلق منها بريق حار، لامس فؤاده، وانغرزت بسمته في ذاكرة اللحظة المشحونة، بسمة ماكرة، ذاقت طعم الانتصار، طعم انهياري المفاجئ، " الليلة التي نزلت الجرذان فيها إلى جحورها "، من أين أتى بهذه العبارة؟ هي عبارتي أنا، أيعقل أن تكون مصادفة؟ لم اخبر والدي بذلك، حتى حين هممت بذلك وأنا ازور قبره، تراجعت، قلت:" صدرك أوسع لسرك "، هذا سر يخصني أنا، أنا وحدي، حتى أمي الملطخة يديها بعذاب الزمن، لم تعرف ذلك، الجرذان ذاتها كانت مختبئة، لم تراني، لم تشاهدني، وحتى الليل، الليل ذاته، بكل ظلمته وعتمته، بكل سواده وهيبته، كان يختبئ من هول الحدث، من هول الخوف الذي زرعته فيه، المدينة بأسرها أغلقت أبوابها المغلقة، دعمت السكاكر والمزاليج، وجلست مقرفصة تنتظر الفجر، تنتظر النهار وما سيحمل من غضب وقسوة، كل الأشياء سقطت في الذهول وفقدان الذاكرة. نعم هي بالتأكيد ضرب من ضروب المصادفة.

نظر في وجه المحقق، أيقن انه قرأ كل أفكاره، وأدرك بحسه انه وقع بين يديه، وان المسافة الفاصلة بينه وبين الاعتراف أصبحت قصيرة، بل معدومة، عدل من جلسته، وقال:-
- نحن لا نود أن نثقل عليك، الأمور معروفة لدينا، وتفاصيل الليلة تلك تقبع في هذا الدرج، ما نريده فقط أن نسمع منك أنت، سأرسلك الآن للزنزانة، تناول إفطارك، وفكر جيدا، وحين ترتاح، سنجلس لننتهي من الأمر.

دخل الزنزانة ورأسه يكاد يطير من مكانه، لا، لا يمكن أن تكون مصادفة، فالحروف ذات الحروف، حتى النبرة التي استخدمتها بيني وبين ذاتي، هي نفس النبرة، ولماذا لا تكون مصادفة؟ محض صدفة؟ تسرب إليه إعياء شديد، نظر نحو الطعام، دفعه إلى زاوية الحائط، نهض، جلس، خطى خطوات الزنزانة، توقف، قرفص، انبطح على بطنه، على ظهره، استلقى على خصره، كوم جسده على ذاته، وقف على رجل واحدة، لكن كل ذلك لم يغير من ثورته شيئا، حاول التبول، لكن عرف بأنه أصيب بعسر حاد.

لم يشعر بالوقت إلا حين فتح باب الزنزانة من جديد، ودفع إلى التحقيق من جديد.
- أرجو أن تكون قد فكرت جيدا.
- ليس هناك ما أفكر به.
- هل تغوى التعب والعذاب؟
- لا.
- حسنا، اخبرنا عن تلك الليلة، فأنت تعرف بأننا نملك كل شيء، نعرف كل التفاصيل، ولسنا بحاجة إليك، أو إلى اعترافك، لكننا نريد أن نمنحك فرصة الاعتراف الطوعي، فهذا ينفعك أثناء المحاكمة.
- ما دمتم تعرفون كل شيء- حسب ما تقول- ما حاجتكم لاعترافي.
- حسنا، حسنا، نحن لا نريد منك أن تقول شيئا، ملفك جاهز وليس عليك سوى التوقيع.
- على ماذا؟
- على أحداث تلك الليلة.
- أي ليلة؟
- لا تحاول التحاذق، فصبري بدأ ينفد.
- وكذلك صبري.
- هل تود أن تكون بطلا؟
- هذا ليس من شأنك.
- سنرى؟

حين وجد نفسه مشبوحا في الخزانة الإسمنتية التي لا تتسع إلا لربع شخص، لم يعرف من أين تفجرت فيه تلك القوة المفاجئة، لكنه شعر بها تتفجر كما يتفجر البركان، فجأة وبشكل مدهش، وأحس بان هناك أمرا ما خفيا يدفعه للعناد والتصخر، شيء خفي يكاد يعرفه، لكنه يتفلت منه، كما يتفلت الرمل من قبضة اليد، ليس غريبا عنه أبدا، ولكنه هلامي، تماما حين تخونك الذاكرة باسم أو أمر تعرفه، تعصر دماغك، تركز، تضغط بكل قوتك الذهنية، تشعر بأنك اقتربت منه، ثم ومرة واحده، تحس انه ولى هاربا من كل تركيزك وضغطك، تحاول مرة أخرى، وأخرى، وتفشل، لكنك ودون أن تدرك كيف ولماذا، تتذكر تفاصيله كما تتذكر ملامح وجه أمك وحنانها.

أمي، ماذا تراها تفعل الآن، هل تجلس الآن كعادتها في زقاق من أزقة الحارة، ترغي مع النساء، تتحدث عن مهرها المكون من غنمتين وبقرة بفخر الأنوثة وأيام الصبا، تتحدث عن وادي الحوارث، عن تلك الأرض التي شهدت زفافها وفرحتها، وشهدت ميلاد بعض أخواتي، هل انخرطت بالبكاء الآن؟ نعم، فهي لا تذكر تلك الأيام حتى تنخرط بالبكاء، بالنشيج، تمسح دموعها بخرقتها البيضاء، وتستعد لمعركة قاسية حامية الوطيس مع والدي حين يعود للبيت ويجدها جالسة في الحارة.

كانت تقول له:- وماذا سيحصل إن جلسنا وتحدثنا، هل ستخرب الدنيا؟
- انتن بنات حواء، تجلسن لتنهشن لحم الناس، فلانه تطلقت، وفلانه ابنها باعها من أجل زوجته، والكنة الفلانية طفشت العائلة، وتلك الخبيثة فرقت الأخوة عن بعضهم، وليس لكن سيرة إلا الناس، الرسول- صلى الله عليه وسلم- نهى عن كل هذا.
- الرسول نهى عن الكذب، ونحن لا نكذب.
- انتن لا تكذبن، بل تمارسن النميمة والغيبة.
- نحن لا نتهم أحدا، نحن نقول ما نسمع.
- الله يجيرنا منكن ومن لسانكن.
- آه، انتم الرجال مطهرين، مسبعين، الله حولكم وحواليكم.
- الله يجيبك يا طولة الروح، وبعدها معك يا امرأة.

وما هي إلا لحظات حتى يجلسان معا، يتهامسان بأسرار البيوت والناس، ويستذكران أيام الصبا والبلاد، يأكلان وهما يتضاحكان ويتمازحان، هي تلقمه أجود اللحم، وأجود الخضار، وهو يلقمها بعض ما يشتهي لها، عجوزان رائعان، عاشقان، يختلسا غيابنا للهمس بكلمات تخصهما، تخصهما فقط. وحين كنا نكبس عليهما متلبسين بالعشق المشهود، كانا ينتقلان من الهمس العذب إلى حزم المشادة والمشاجرة، وكأن بجوفهما بوصلة تخبرهما عن وقت الانتقال من مرحلة إلى مرحلة، أخواتي، لم يكن بإمكانهن التصريح بأنهن يعرفن ما كان يجري بينهما، ولكنهن كن يبتسمن وهن يغمزن بعيونهن، أما أنا، فقد كنت اقترب لأجلس بينهما تماما، واهمس وأنا أضم رأسيهما إلى صدري،" ماذا، هل حننتم لأيام الصبا، نحن نعرف ما يجري، بعد هذا العمر وما زلتم تتغزلون ببعضكم، انتم تكبرون أم تصغرون"؟ وما أكاد انهي حتى تنهال علي اللطمات من كل جانب، ولد أزعر، عيب، تأدب، نحن نتحدث عن أشياء أخرى، لا نريدكم أن تعرفوها.

قالت له يوم انتزعه الجنود:- " يمًا، أنت ابن بطني، بطني الذي حملك، وعرف انك قادم، كنت قرب القلب، تتغذى على روحي وتقتات من دمي، سهرت عليك ليال طوال، تقرح قلبي وتقرحت عيناي، والبطن، بطن الحره، ما بحمل إلا حر، أخواتك البنات، كل الدنيا تقسم باسمهن، قال الناس عنهن، أخوات رجال، دون أن تكون موجودا في الحياة، كنت لا تزال في نواة العدم، يما يا حبيبي، العمر واحد، والرب واحد".

انتزعوه من حضنها، لم يدعوها تكمل، نشجت، نشيجا خفيفا، ما زال مزروعا في عقله، ولا زالت جملتها " يما أنت ابن بطني " تقتحم مسامعه وقلبه، نعم أنا ابن بطنك، لا تخافي على هذا، ولكني كنت وحيدا، وحيدا إلا من الله المتواجد في كل مكان، كيف عرفوا، بل كيف رددوا ذات الجملة، " حتى الجرذان نزلت إلى جحورها "، راسي يكاد يطير من مكانه، وقلبي يكاد ينخلع، كل الأشياء تتراكم، تتزاحم، تتدفق في راسي تدفق شلال مضغوط، لا يمكن للمصادفة أن تخرج جملة من صدري، تلك الجملة لم اقلها، لم أصرح بها، حدثت نفسي بها، فهل غادرتني نفسي يوما لتروي لهم التفاصيل، هل غادرتني لتكشف عن نفسها، لا، لا يمكن ذلك.

أنت تود مني الاعتراف، حسنا، وأنا أود أن اعرف منك كيف وصلت إلى تلك الجملة، نحن نقف على نصل السيف، فإما أن تتحرك أنت، وإما أن أتحرك أنا، بيني وبينك النصل، ولنرى من سيغوص النصل بلحمه أولا.

عاد العذاب، يأخذ دورته، عذاب مركز، يتعاظم تدريجيا، وأحيانا، يصب فوق رأسه مرة واحدة، لكنه، رغم كل ذلك، كان يشعر بشيء يسري في عمق ذاته المرهقة، شيء يدفعه نحو الصبر القاسي، نحو التمسك بجدران بطن أمه، ورجاء عيون أخواته.

نعم، جسده بدأ يذبل، يتراخى، يتحول إلى نوع من لحم مسلوخ، احمر، ملتهب، ظهره تقوس من الشبح الممتد لساعات طويلة، وتقوست قدماه، بدأ يشعر بأنه اقترب من الشلل، كل الأمور كانت تدخل في معادلة صعبة، غير محتملة، غير متوازنة، وهو إنسان، طاقة احتماله محدودة، الموت، الموت فقط، يستطيع انتشاله مما هو فيه، لكنهم لن يقتلوه، هم يظنون أنهم مجموعة، لا يمكن أن يخطر ببالهم انه واحد، فالحدث الذي زرع في قلب العتمة، وأرعبها، ثم أرعب الأشياء كلها، لا يصنعه فرد، حتى لو اعترف لهم بأدق التفاصيل، لن يصدقوه، بل سينقلونه إلى عذاب اشد واعتى، إذن، لتكن الأمور كلها منذ الآن، تتجه نحو الزاوية التي يقطع النصل فيها لحمهم، وليكن لحمي نصلا، يؤذي غرورهم، ويهد عزمهم.

نقلوه من مركز إلى مركز، عرضوه على رجال مخابرات، متعمقين بالخبرة، يملكون تجارب، لكن ما قيمة كل هذا، إذا كان اللسان قابعا في نواة الصمت؟ كل الأشياء، وكل المسارات، كانت تصب في مجرى واحد، لقد كنت وحيدا، والواحد لا يكشف سره.

هناك خلل ما، حلقة مفقودة، نقطة على صفحة غير موجودة.

تراجع نحو أمه، نحو كفها المسطوحة، وهي تنز دما، دم احمر، كشراب الرمان، ولاحظ، من خلال ذاكرته، تبدل ملامحها حين كانت تنقل دالية، أو ليمونة، من مكانها، إلى بيت الجيران، لتغرسها هناك، كانت تزورها، تتعهدها بالنظر والتأمل، وكلما كبرت، كلما فرحت.

لم يفهم كثيرا من الأشياء إلا هنا، الظروف، تضيف إلى الذاكرة مواد جديدة، تتكون بسرعة مذهلة، وتنمو، كالصنوبر العملاق، تتكاثف، تتشابك، فتبدو على الملامح والتقاسيم، ظلالا غير مرئية، لكنها ترسي جذورها بأعماق النفس، بأعماق التكون، لتشكل ميلادا جديدا، لأشخاص، يدخلون إلى مسارب الشخص الأول، فيلتحمون معه، كما تلتحم الدوالي بذاكرة أمي ووجودها.

حشروه في غرفة صغيرة، وتركوه، وبلحظة سريعة، صفقت عيناه الظلمة، واتسعت حدقتاه، وجحظ البؤبؤ،، واخذ يشرب العتمة بنهم صارخ، وكأن بينه وبينها ثأرا لم تلتئم جروحه بعد، اندفع بكل عزمه نحو الجدار، الهمس يصله من هناك، مشوشا، متقطعا، استجمع كل طاقته بأذنيه، وحاول أن يلتقط، ولو كلمة واحدة، لكنه فشل، بدأ الهدوء القادم من الجهة الأخرى، يفسح مجالا للهمس أن يعلو قليلا، يتضح قليلا، ومن خلف جدار، جاء الصوت.

انتفض انتفاضة، لم يعرفها منذ انتزعوه من حضن أمه، لا، لا يمكن أن يصدق ما يسمع، هذا ليس من الواقع، حلم؟ نعم، أو شيء من الخيال، كابوس؟ نعم.

كل الدنيا سقطت في حلقه، سدت طرق أنفاسه، صخور تتسرب إلى أحشائه ومعدته، تتراكم، تنطمر، ما وصل أذنيه، صوت يعرفه، لا، لا يعرفه، بل هو صوته، صوته هو.


أحس بفحيح، فحيح غريب يخترق الحائط، ليتسلل منه أفعى، أفعى من نوع آخر، وبدأ السم والهدير يقتربان، يلتصقان بذاته، ينهمران بأعماقه المهتزة، أراد، ومن كل قلبه، أن يبكي، أن يفرش الأرض بدموعه، وود لو يستطيع الآن أن يصرخ، صرخة تهز زوايا الكون، وتسقط الأنجم من مكانها، ود، وبغريزة مشتعلة، أن يطمر رأسه المتحطم، بثوب أمه العابق برائحة التراب والطبخ.

كيف حصل هذا، كيف تتمكن الذات من صلب نفسها على نار الألم، أحببته، بنفس القدر الذي أحببت نفسي، بل وأكثر قليلا، كنت امزجه بذاتي، بل كنت وإياه نفسا واحدة.

وضح الخلل، وظهرت الحلقة لتكتمل السلسلة، ولكنهم رغم كل هذا، لن يأخذوا مني كلمة، يجب أن أراه، أن أحدق بعينيه، وان أتفرس ملامحه، ولو للمرة الأخيرة، وعليه أن يراني، عليه أن يصوب عينيه نحوي، وان يدقق بملامحي، وعليه، وهذا الأهم، أن يرى كم تقوس ظهري، وكم انحنت قدماي كغصن، انحنى على جذعه الأول.

بدأت الخيوط تجتمع، كلها عادت نحو موضعها، هم أرادوا أن اسمع صوته وهو يروي لهم تفاصيل الحدث، دون أن يشعروني بأنهم قد خططوا لهذا الأمر، أرادوا أن تبدو الأشياء كنوع من المصادفة، أو بالأصح، نوع من غباء وقعوا فيه، لأنهم لا يريدون، حتى الآن على الأقل، أن أواجهه، اعتمدوا أسلوب الخطأ، أسلوب المراوغة، لكنهم، لم يدركوا حجم الضربة، وحجم الصاعقة التي نزلت على ذاتي.

في النهاية، سيعلنون استسلامهم، وسيدعونه للجلوس أمامي، لن يكون هو- مهما كان – بالنسبة لهم أكثر أهمية من اعترافي، اعترافي الذي يظنون انه منقوص حين حدثت صديقي به، الحدث باعتقادهم يحتاج إلى مجموعة من الرجال، مجموعة تتغلف بالسرية، بالهبوط إلى قرار الكتمان، ولأنهم يؤمنون بهذا، سيحضرونه، غدا، أو بعد غد، ليواجهني.

ترى، كيف سيكون شكله؟ وكيف ستكون ملامحه؟ هل سيقدر على النطق؟ على استخدام الأحرف والكلمات؟ ولم لا؟ فهو تحدث بالأمر، سواء كنت موجودا أم لا، المهم انه تحدث، بل تبرع بالتحدث، دون سبب، ودون مبرر.

آه يا أمي، لو تعلمين كيف جرت الأمور، لو كنت موجودة معي حين دخلت الغرفة، وكان هو يجلس على كرسي في زاويتها، التقت عيوننا مرة واحدة، حدقت به بكل طاقتي، بكل إمكاناتي، انزل عينيه إلى أسفل، وبدأ يروي القصة، بتمهل، وتأنٍ، لم ينس أي حرف مما قلت، لكن وجهه كان يطفح بالحمرة، وجسده يرتجف، وفي لحظة ما، وقف عن الكلام، نهض واتجه نحوي، كنت مقيدا، وكنت ابكي، لم أتمنى يوما أن أراه في مثل هذا الموقف، أشفقت عليه، وودت من كل قلبي أن أضمه إلى روحي، السنين التي سأقضيها خلف القضبان، اقل ألما ووجعا من منظره وهو يمارس وشايته أمامي.

اقترب مني، تعودت ومنذ زمن طويل أن اسمع نبضات قلبه، أن اسمع خفقات روحه وهي تتلاحق لتشكل حياته، اقترب مني، عرفت انه يود أن يقول شيئا ما، أن يفصح عن شيء ما، لكنه اختنق، وقفت الكلمات بحلقه، فسدت مجرى التنفس، عاد ليتهاوى على الكرسي، هناك أمر يقف بيني وبينه، هل كنت غبيا طوال سنين علاقتي به، أم كان هو خائنا طوال تلك السنين ببراعة فاقت براعتي في إخفاء السر عن كل الناس، إلا عنه هو، أنا لم احدث والدي وهو بالقبر، ولكني حدثته هو، عن أية براعة أتحدث، لم يطلب يوما أن أحدثه عن حياتي، أنا، بمحض إرادتي، حدثته بالأمر، الذنب ذنبي، لو لم املكه سري، ما كان اليوم يقف قبالتي ليهز كل سنين عمري وشبابي.

وحين أخرجوني من الغرفة، التفت إليه، خلت انه سيبكي، لكنه كان يضحك، ضحكة مريبة معقدة، كانت بسمته اخر ما رأيت.

لحظة خروجي، بعد أعوام طويلة، من بوابة السجن، كنت اعرف أن أمي ماتت، وان بيتنا أصبح خاويا، عرفت قبل أن أطأ الشوارع، بان المخيم انقلب انقلابا تاما، وان عجائزه قد رحل الكثير منهم، ولكني رغم ذلك، اتجهت بكل قوتي وعزمي نحو البيت، حيث تركت أمي وهي تقول " يما أنت ابن بطني "، كنت بحاجة ماسة، لأشاهد البقعة التي انتصبت قدمي أمي فوقها.

وحين دخلت البيت، كانت أختي الكبيرة وأولادها يملأون البيت، قالت أختي حين أدارت ظهرها إلي، بعد أن صاح أولادها، خالي، خالي، انظر إلى عود الجوري، حين غادرت كان أشبه بالميت، انظر إليه.

ولحظة وجهت نظري نحوه، رايته شجرة ضخمة، تنتصب على أعالي أغصانها أزرار الورد المتفتح.



مأمون احمد مصطفى
__________________
حكاية الزاهي المرعوب:أقصوصة ساخرة
حكاية الزاهي المرعوب:أقصوصة ساخرة
رد مع اقتباس
  #28  
قديم 01-05-2010, 01:55 AM
الصورة الرمزية غامضة الملامح
غامضة الملامح غامضة الملامح غير متواجد حالياً
ميداليه بلاتينيه
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
المشاركات: 6,181
افتراضي أخت حتشبسوت

أخت حتشبسوت

قصة قصيرة، بقلم: حسين علي محمد
.............................................

قال الحاج محسن لولده الوحيد جابر، الذي حصل على بكالوريوس التجارة منذ خمس سنوات، ويفلح الأرض ـ بمساعدة أبيه ـ حتى يجد وظيفة ملائمة، فالدولة لم تعدْ معنية بتوظيف الخريجين:
ـ متى ستهتدي؟
ـ الله قادر على كل شيء!
صمت الحاج محسن، وتنحنح، وأضاف بعد هنيهة:
ـ ... عشتُ في هذه القرية ستا وستين سنة لم يمس أحد طرفي بسوء.
ـ لا أفهم!
قال الأب وقد نفد صبره:
ـ متى ستكف عن مقابلة الأرملة نجوى؟
ـ أنا أريد أن أتزوجها على سنة الله ورسوله.
ـ وهل عدمت القريةُ الفتاةَ البكرَ حتى تتزوج هذه الأرملة؟
ـ وهل زواج الأرملة حرام يا أبي؟!!
ـ ليس حراماً .. لكن من المعتاد في القرية أن يتزوج الفتى بنتاً بكراً لم يسبق لها الزواج!
ـ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تروج خديجة ـ رضي الله عنها ـ وهي أرملة، وكانت زوجته الأولى!
ضحك الأب ساخراً:
ـ وفقيه أيضاً يا شيخ جابر؟
ـ أنا أرد فقط على ما تقوله!
سكت الأب هنيهة، ثم أضاف:
ـ وما الذي يؤخرك عن طلب الزواج منها .. مادمت مصمما على ذلك؟
لم يرد الابن، فقال الأب:
ـ أنت جاوزت السابعة والعشرين منذ شهرين .. فمتى تتزوّج يا بني؟! .. لقد تزوجتُ أمك وأنا في الثامنة عشرةَ.
ـ قريباً .. ربنا يسهل، وترضى أمي!
بصق الأب في منديله الذي طواه ووضعه في جيبه، وقال كالمعتذر:
ـ يا شيخ جابر .. أنت شاب متدين ومستقيم إن شاء الله، ولا شك في سلوكك؛ فأنت تخشى ربنا. وهي من أسرة محترمة .. لكن الفكرة غير مألوفة في قريتنا!
صمت جابر، ولم يُعلق.
خرجت الأم من الحجرة الملاصقة للصالة، تفرك عينيها في توتر، كأنها تُبعد عنهما آثار النوم:
ـ لن يتزوج جابر نجوى إلى يوم القيامة!
صرخ الحاج محسن:
ـ ماذا تقولين يا امرأة؟
ـ ابني لن يبدأ حياته الزوجية مع أرملة!، وإذا تزوجها فسأترك لكم البيت.. وأمشي في بلاد الله!
انسحب الأب.. وهو يقول بصوت خفيض:
ـ عمتي زين تزوجت وهي أرملة، وأنجبت أبناءها الثلاثة من زوجها الثاني! .. وهي عمتك أيضاً، فأنت ابنة عمي!
لم تعقب الأم!
تثاءب جابر ..
سأحزم أمتعة روحي وأذهب إلى بيت صديقي علي في القرية المُجاورة ..
سألتجئ إليه، حتى يرق هذا التمثال الحجري القديم.. الذي يعود إلى عصور حتشبسوت!
والذي يزعم دائماً أنه يحبني، ويحب الخير لي!!
أين أنا..؟‏!
في واقع حي يتغير كل يوم .. أم أنا في متحف متخلف من متاحف التاريخ؟!!
...
أبعد فكرة الذهاب إلى صديقه علي عن اختياراته ..
وانجرَّ كئيباً إلى حجرته .. مصمماً على مُعاودة الحوار مع أمه في أمر زواجه من نجوى .. بعد صلاة الفجر .. لعلَّ .. وعسى!
__________________
حكاية الزاهي المرعوب:أقصوصة ساخرة
حكاية الزاهي المرعوب:أقصوصة ساخرة
رد مع اقتباس
  #29  
قديم 01-05-2010, 02:12 AM
الصورة الرمزية غامضة الملامح
غامضة الملامح غامضة الملامح غير متواجد حالياً
ميداليه بلاتينيه
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
المشاركات: 6,181
افتراضي قلم .... وقصة

لم أنتبه ، ولكني استنهضت ، فقد أيقظتني أشعةُ ذاك القرص الذهبي ، المتسللة عبر نافذة غرفتي الضيقة ، أنبهتني ، فأبت إلا أن تخبرني عن ذلك المكان ...
حيث الفجر الجديد ، حيث الجبال ، الأنهار ، حيث العيون ..
والبحر ........... فلة .!
::
::
الطفل سعيد ، العصافير وتلك الأغاريد ، وهذه الشفاه الباسمة وتلك الأبصار الخاشعة ، كلٍّ في ترقب ...
إنه الغروب ، الأمل ، وهناك .. حيث الفضاء ، حيث الشفق ، الأفق البعيد ..
سأحلق ، هناك سأحلق ، أريد أن أطير ..
ليت شعري ..
::
::
::
لا زلت أخطُ بقلمي ، وأسطرُ كلماتِ خاطري ، وتلك حروفي جمعتها..
ولا زلت أجمعها ، وأجمعها ، وأجمعها ..
أرجوكي ابقي معي ..
لا تفارقيني ..
لا تغادري ..
لا تتناثري ..
لا تبتعدي ..
لا تجعليني أفتقدكِ مرة أخرى ..
لا... ، لا ... ابقي معي ..
::
::
::
وأنت أيها اليراع أرجوك ..
لا ترحل ..
لا تتركني ..
لا ولا ...
ابق معي .. ابق معي ..
أحبكَ
أحبكَ
أحبكَ
لم أنتهي ...

*************************************


القصة الأولى ..



" قطرة ماء "


نهارٌ من نوع جديد .. في ليلةٍ ظلماء حالكة السواد أسعفها بدرُ السماء مسدلاً ستار أشعته المنبثقة من عنان السماء .. أنارت الأرجاء وكأنه نهارُ ليلٍ متواصل ...


أخذتُ مكانيَ المعتاد على سطحِ منزلنا المسهمد .. ترقبتُ المكانَ جيدًا .. وبعد أن احتسيت فنجانًا من القهوة .. أبصرتُ السماء لأتأمل تلك المصابيح الصغيرة الملتحفة كبد السماء .. تحلق تعانق الهواء .. تتسابق فتلاحق بعضها إلى العلياء ..


خطفَ بصري مسار حركتها الخفية .. فأخذتُ أراقبها بتمعنٍ وروية ...


هذه تلاحق أخواتها .. وأخرى تسابقها ...


يا ترى .. أيُ واحدة يكون حليفها السباق ؟ ..


هذه تختفي عن الأنظار .. ولازال السباق مستمرًا .. يا له من صراع .. وأيُ صراع !


مرَّ الوقتُ سريعا كلمح البصر .. فلم أشعر بحركة القطار المزعجة أو صرصرة الرِّياح العاتية ....


وجدتُ ذاكرتي تتقلب بين صفحات الماضي ...


غطستُ في بحر الذكريات .. أغوصُ بين أمواج التاريخ ... لأنتقي أجمل اللحظات التي عاشتها أيام طفولتي .. كم كنت أشاغب أخوتي .. حينها تذكرتُ أمي ... تناديني .. وأنا أختفي عن أنظارها بين هنا وهناك .. تلاحقني .. فأرسم لها بسمات طفولتي ..


تعقد جبينها وتقول : " هيا إلى النوم " ..


وتارة أخرى تنظرُ إليَّ بعينيها النجلاوين قائلة : " لقد حان موعد الدرس " .. وأنا أداري نفسي بزوايا وأبواب المنزل .. أتنقل من باب إلى باب .. ومن زاوية إلى أخرى .. تنهمُ عليَّ فتقول : " كفى بنيتي !!


.. تغضب قليلاً .. ومرة أخرى تعقد جبينها .. فأدع ابتسامتي لها ترتسم .. وسرعان ما أعقد جبيني .. فتبتسم ...


وكالمعتاد أغدو صباحًا إلى غرفتها لأطبع قبلتي المتواضعة على جبينها المنبسط .. وسرعان ما أختفي ...


كانت كثيرًا ما تردد هذه الكلمات على مسمعي ..


** شقيةٌ أنتِ بنيتي **


أجيبها وبكل صراحة وموضوعية ..


.. لأني أحبكِ ... وهل كلمة " أحبكِ " تكفي ؟؟؟!!


هزيمُ الرعدِ يخترقُ أذني .. عدتُ إلى صوابي .. لكم كانت جميلةٌ تلك اللحظات .. لا زلتُ أحتفظ بها في ملف الذكريات ..


فنجانٌ آخر من القهوة أحتسيه .. ومن ثَمَّ تناولتُ صحيفتي اليومية .. أُقلبُ نظري بين صفحاتها واحدة تلو الأخرى .. أتصفح العناوين وأطالعها .. وبعد أن انتهيت .. قلبت الصفحة الأخيرة ..


هناك في وسط الصفحة صورة أطفال في مقتبل أعمارهم لا يتجاوزون العشرة أعوامٍ الأولى ...


كست الصفرة وجوههم .. وقد جسَّد جفاف جلودهم عظامهم ...


أواااه !!


ما هذا ؟ .. لا طعام .. لا ماء ... !


في حاشية الصورة مكتوب ...


ا.ف.ب تلتقط صورة لأطفال قد حرموا قطرة ماء و ........


يا إلهي !!! .. لا عدتُ أرى .. ماذا حدث ؟! ما هذا ! ..


حلت الظلمة واختفى القمر .. ! أينَ ضياء البدر ؟!


ربااااه !!


ما الذي أراه ! .. أهي النهاية ؟ أم بداية الحكاية !


لا أدري ! .. ولكني أري غيمةٌ الآن ...


نعم إنها الغيمة .. ويا لها من غيمة .. أفقدتني صوابي ..


هزيم الرعد يسود الأجواء من جديد .. خطوط كهربائية تتسلل من بين الغيوم ترسل أشعتها الوامضة لتضيء المكان ..


قلت بدهشة ! : " إنه المطر " ...


وسرعان ما تذكرت صورة الأطفال .. وكم يشفق قلبي عليهم .. ويهتزُ بدني لمنظرهم .. فأسرعتُ لإحضار كوب ماءٍ إليهم .. أحضرته .. فسكنت أنفاسي .. وهدئت دقات جناني .. لقد حلَّ الدفء بالمكان ..


إني أرى قطرات المطر تذرفها الغيوم .. لكم أنا سعيدةٌ الآن ...


أسرعتُ لأملأ الكوب بقطرات الماء .. قطيرة .. قطيرة ... فامتلأت الكوب حبيبات المطر ...


والآن .. إلى الأطفال لأبلَّ ريقهم الظمآن ..


يا للهول !! ... والخســــارة !!! ...


ما الذي أرى ؟! .. لقد ابتلت الصحيفة بالماء وجرت إلى حيثُ يجري الماء .. لحقتها .. ولكن ...


بلا جدوى .. ولا فائدة ...


يااالأسفي ! .. والخَســــــــــارة ...


عدتُ مكسورة الخاطر .. عاقدة الجبين ...


نزلتُ السلم .. يحاصرني اليأس ...


وإذا بجارتِنا من أسفل السلم تناديني .. !!!


ساعديني .. ساعديني ...


لقد فرغ الماء من الحنفية .. وأنابيب المياه جفت بلا قطرة ماءٍ واحدة ...


وطفلي يصرخُ ظمآنًا .. ساعديني .. أرجوكي ...


انبسط وجهي فَرٍحًا .. رسمتُ لها ابتسامة صغيرة ..


همست .. والآن جاء دوري ...


خذي هذا الكوب .. وبلِّي به ريقَ طفلك الظمآن ..


هنيئًا لك .. فبه قطرة مــــاء ...


لا أدري كيف أمسكته ؟!!! .. ولكنها سرعان ما جرت مهرولة إلى مبغاها .. واختفت عن الأنظار ...


عدتُ إلى قعرِ بيتنا المجاور حيث غرفتي الصغيرة .. وألقيتُ بنفسي على السرير .. فغفوت ...


وما أوقظني من غفوتي تلك .. إلا دقات طُرقت على باب منزلنا المتواضع ..


أدرتُ بصري في المكان ( لا زال النهارُ متواصلاً ) ..


فتحتُ الباب .. وإذا بجارتنا تخرجُ من فيها بصوتها الرنان تلك الكلمات ..


" شكرًا لك بنيتي ... "


قلت لها :


" اشكريني على أيِ شيء .. إلا قطرة مــــــاء " ...






***********************************************
القصة الثانية
لهيب الشوق ..





الكلُّ ينتظر مترقبًا .. القلوب في شغفٍ ولهفة .. وحرارة الشوق تشعلُ الحنين من جوى الاشتياق ...
عيونٌ حائرة تتقلب بين صفحات الأحداث العارمة .. تتابعها .. وأوتار الفؤاد تهتز شوقًا للذهاب إلى هناك .
جاء ذلك بعد أن أعلن الضباب الكثيف الذي لفَّ المكان هزيمته الساحقة أمام هجمات شلالات الشمس المتلاحقة ولم يبق منه إلا بقايا ضئيلة تزعم غضبها العارم .. تلفها الغفلة من حيث لا تدري .. متخفية مذعورة كبقايا جيش منهزم .
الكلُّ على تهيؤٍ واستعداد .. الشوقُ في ازدياد .. ولا زالت الأفئدة تفتح بوابتها على مصراعيها تستقبل توافد تباشير النصر عليها .. ولا زالوا على أحرِّ من الجمرِ ينتظرون .
- " توقف عقرب ساعتي .. ولا أدري لماذا يا أبي ؟!!! "
قالها حازمٌ بعد أن طال الانتظار والتهب شوقه شوقًا لا زال يزداد .. فنادته ساعته الملتصقة بمعصمه تشكو إليه تباطؤ عقاربها الشديد وسرعتها المتخفية .
التفت إليه أبيه قائلاً :
- " صبرك بالله يا بني فـ ... "
قاطعه صوت التلفاز بنبرته الحادة منطلقا إلى أسماع المشاهدين ..
" أعلن رئيس الحكومة قبل قليل في اجتماعٍ مصغَّر أنَّ غدًا سيكون الموعد النهائي لإجلاء بقايا الأوغاد المتمردين " .
وما أن سُمعت تلك الكلمات .. تعال صوتًا هادرا : الله أكبر .. الله أكبر ..
صوتٌ يجلجل في المكان .. توزعت البسمات على شفاه الأبناء .. وعمَّت الفرحة تضمهم وتحتضنهم فكم غابت عنهم سنون مضت وانقضت وها هي الآن تعود بحلةٍ جديدة .
وفي الصباح أخذت أشعة الشمس المنعشة تصافح الوجوه .. وتعانق الروابي .. وتنحدر إلى الوهاد .. متسللة من خلال فتحات التلال على حياء وباسترخاء .
والطيور بدأت تنشط حركتها ويعلو غناؤها متناسقًا مع خرير الشلال وحفيف الأشجار .. فالطبيعةُ نفسُها أبت إلا أن تشارك أبناؤها .. هذا الشعب العظيم المعطاء فرحتهِ بالنصر الذي منَّه الله عليه فأصبح لها طابع خاص وجوٍ غير مألوف لديهم .. فبعد أن فك أسر الأراضي من أيدي المغتصبين تنفست الطبيعة شهيق الحرية وأبناءها العظام .
فترةٌ من الزمن أمهلت لفريقٍ من المختصين لفحص الأراضي المنتصرة تحسبًا لوجود أجسام مشبوهة أو مخلفات مقصودة وانتهت ..
وبعد طول انتظار تمَّ السماح بدخول تلك الأراضي ومشاركتها فرحة الانتصار بتحريرها وفك أسرها ..
ودون سابق إنذار توافدت أعداد غير مسبوقة من أبناء هذا الشعب المنتصر .. صغيرًا وكبيرًا كهلاً وشيخا .. شابًا .. طفلاً ورضيعا ...
- " عادت غزة .. عادت غزة " .
أخذ يرددها سامح بأعلى صوته فرحًا بعودة أرضه .. والفرحة تغمر وجهه ملء صدره ..
يرددها ورأسه مرفوع .. فتطاول هامته السحب.
- " لقد انتصرنا .. يا أبي " .
يلفظها حسام فيزداد سناء ثغره .. وتتلون الدنيا بألوان سعده .. فلا مثيل لسعادته ...
قال حازم شقيقهم الأكبر :
- " نعم انتصرنا وعادت غزة بفضل الله ناصر جنده .. ولكنها البداية أحبتي ".
تقدمت حشود المتوافدين شامخين رافعين رؤوسهم .. تعانق هاماتهم قمم الجبال فرحين بهذا النصر العظيم .. احتضن لهيب شوقهم تراب أرضهم من جوى اشتياقهم لحبات رمالها ونقاء هوائها.
رايات النصر تعانق الهواء .. وأغاريد الطيور تجوب الأجواء .. تعالت الهتافات .. و صوت " الله اكبر " ماج بالمكان ..
قال الأب يخبر أبنائه :
" هذه هي الأرض التي نشأت على ترابها .. ترعرعت في أحضانها وتنفست هوائها .. فلطالما حلمت بأن تدوس قدماي الأرض المقدسة التي نشبت عليها منذ نعومة أظفاري فأسرع إلى التراب أقبله , وأعانق الأرض , ثمَّ يسرح خيالي بعيدًا بعيدا , فتتراءى لي من خلال موجات المشردين , تحت وطأة الإرهاب الهمجي , أشباح بشرية تتلاطم على أبواب النجاة , عويل النِّساء يختلط ببكاء الأطفال بهمهمات الشيوخ والعجَّز .
أيام لا تنسى , تلك التي تتراءى لي الآن , أفق أسود مكفهر يمتد على مدى البصر , لترتد ظلاله على الفؤاد , فتخيم بظلمتها على جدرانه , فتبعث من جديد ومن خلال تموجات الحسرة والأسى , عزيمة وقوة وأملا .
لكن رباه .... إنها صورة أبي تمرُّ الآن .. ضمن شريط الذكرى :
" آه يا أبي .. ! ويلي لم أثأر لك , ماذا فعلوا بك أمام ناظري كبَّلوا يديك .. شلُّوا قدميك , وشوهوا خلقك .. أمام عينيَّ هاتين .. " .
يا إلهي .. ! .. ما هذه الخواطر التي تغزو مخيلتي ؟ سؤالٌ يطرح نفسه .
صاح الأبناء : " أكمل لنا الحكاية يا أبي " .
- " ... ولكنها مجرد هواجس يا أبنائي , تندفع وراءها النفس لمجرد تذكرها , إنها هواجس راعبة , لا يسع من يتذكرها إلا أن يندفع اندفاعات نفسية لا يعلم مداها . لقد شوهوا معنى الحياة في النفوس .. أولئك الأوغاد الهمج ..
في صبرا وشاتيلا .. كفر قاسم .. قانا ودير ياسين وغيرها قتلوا الإنسانية .. إنهم أعدائها , أعداء الله ..
آآه ... رائحة التراب تهيجني , ونداء الأرض يهزني , وبعد ذلك يأتي صوت أبي , ونداء أمي "... لحظات وأيُّ لحظات ..
الشمس بدأت تميل بشراعها نحو الأفق الغربي والظلال بدأت تبعث تباشير الليل الأولى , وحركة الطيور أخذت تفور فورتها الأخيرة قبل النوم ..
كان الليل في لحظات النزع الأخيرة ..
- " هيا أحبتي .. جهزوا أنفسكم واستعدوا للعودة " .
لكنَّ الأبناء لا زالوا متمسكين بالأرض ولا يريدون تركها ..
أقبل الأب على التراب يقبله ويمرغ وجهه فيه .
" آه يا حبي الأبدي , يا صنو الروح والحياة , ما أقسى الأيام التي فصلت بين محبين حميمين , لن يفصل بيننا بعد اليوم فاصل , ولن يبعدني بعد الآن حاقد أو مغتصب , سأبقى في أحضانك وإلى الأبد .. جئتُ من أجل هذا , ولن يعيقني عنه أي عائق , وليكن التاريخ شاهدًا على ذلك , ولتكن السماء , وسأوقِّع على ذلك بحبات الدَّمع التي تبلل خدك الحنون , قبل أن أوقِّعه ببصمات الدم , تسيل رخيصة في أحضانك ".
عاد الأب وأبنائه بعد تلك الأحداث الحافلة والفرحة المستبشرة .. لكم كان هذا اليوم حافلاً بالذكريات ..
قال حسام الابن الأصغر :
- " أخبرنا حازم بأنَّ غزةَ هي البداية .. هل هذا صحيح يا أبي ؟؟ ".
- " نعم هذا صحيح .. فنحن لا ولم ولن نكتفي بغزة فهي بداية الطريق .. اليوم غزة وغدًا القدس والضفة إلى تحرير فلسطين بأكملها من أيدي الغاصبين بإذن رب العالمين ناصر جنده والمؤمنين ".
قال سامح :
- " وهذا لا يكون إلا بفضل من الله تعالى وتوفيق ومن ثمَّ بجهادنا المتواصل ".
حازم :
- " أحسنت يا سامح .. فنحن والحمد لله .. في رباطٍ إلى يوم الدين .. ولن يحرر الأرض إلا الأيدي المتوضئة ".


بقلم : إيمان صبحي دلول
__________________
حكاية الزاهي المرعوب:أقصوصة ساخرة
حكاية الزاهي المرعوب:أقصوصة ساخرة
رد مع اقتباس
  #30  
قديم 01-05-2010, 06:32 AM
الصورة الرمزية غامضة الملامح
غامضة الملامح غامضة الملامح غير متواجد حالياً
ميداليه بلاتينيه
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
المشاركات: 6,181
افتراضي الذى ثأر لضحاياه!!!

الذى ثأر لضحاياه!!!



- ولله بريء، حرام عليك، أولادي مَن سيربيهم، منك لله.
كانت هذه الكلمات تتردد داخل عقل المهندس (مهران عبد السلام) - أحد وأهم المهندسين الذين يعملون بالشركة العالمية لتصنيع اللحوم - عندما غادر ساحة المحكمة، بعد النطق بالحكم في قضية مقتل رئيس حسابات الشركة، وسرقة خزانتها، كان المتهم الأول في هذه القضية (ناجي إبراهيم) حارس الأمن المسئول عن وردية الأمن الليلية بالشركة، صدر الحكم بإعدامه، وذلك بعد الشهادة التي شهد بها المهندس (مهران عبد السلام).
أخذت هذه الكلمات تمور في وجدان (مهران) إلى أن وصل إلى منزله، دخل إلى غرفة نومه، ألقى بجسده المنهك على السرير، عيناه زائغتان، كلمات (ناجي إبراهيم) تحاصره من كل ناحية.
- والله بريء.. حرام عليك.. أولادي مَن سيربيهم.. منك لله.
أطلق فجأة مهران ضحكة ليس منبعها القلب، بل من غابة سوداء نبتت داخله، حوّل نظره إلى المرآه أمامه، حدّق فيها طويلا، قائلا لنفسه بطريقة تهكمية:
- هه.. (منك لله).. (منك لله)!
أخذ يضحك بطريقة هستيرية، حتّى انقطعت نوبة الضحك بصمت وهدوء شامل، انتهى به إلى النعاس، كأنه أراد أن يطبق المثل الشعبي المعروف" "نوم الظالم عبادة"!
دق جرس الباب مقتحمًا الصمت الذي خيّم على المكان، استيقظ (مهران) من سباته العميق مفزوعًا، قام من سريره مترنّحًا، متجهًا ناحية الباب ليعرف.
- من؟.. من بالباب؟
إذا برجل عجوز يوحي صوته أنه أقام حلفًا قويّا مع الزمن:
- افتح يا مهران
قام مهران بفتح الباب بحرص شديد، رجل عجوز ممزق الملابس، مغبرّ الوجه، صنعت الأيام بظهره منحنًى، أثقلت حركة قدميه، بدأ الرجل بالتحرّك داخلا شقة مهران بخطوات بطيئة.
- من أنت؟
- [مبتسما]: ألا تعرف من أنا يا مهران؟
أخذ (مهران) يحدّق في وجهه متطلعًا إليه، معيدًا قرص ذاكرته للوراء، ولكن لم يعثر بذاكرته على أي شيء يدلّه على هذا الرجل الغريب.
- من أنت، وكيف عرفت اسمي؟
جذب العجوز كرسيّا من المنضدة جالسًا عليه.
- اجلس يا مهران.. اجلس
جلس مهران وقد وصل إلى قمة الذهول
- ألا تعرفني يا مهران؟
- لا.. لا أعرفك!.. من أنت، وماذا تريد؟
بادره العجوز فجأة:
- أنت القاتل يا مهران
- قاتل؟.. قاتل مَن؟
- أنت من قتلت محاسب الشركة وسرقت الخزانة!
هب (مهران) واقفًا وكأنما لدغه ثعبان:
- أي محاسب وأي خزنة؟.. أنا لا أعرف عمّاذا تتحدث!
- لماذا يا مهران؟.. ألا يكفيك ما فعلته في دنياك؟
صرخ فيه مهران:
- انطق أيها الرجل: من أنت؟
واصل العجوز كأنما لم يسمعه:
- أصبت زوجتك بالجنون، أدخلتها مستشفى الأمراض العقلية بيدك، كي تستولي على ثروتها التي تركها لها أبوها، حين علمت أنها كتبت ثروتها لابنتك، قمت بقتلها بسيارتك.
انتفض مهران مذهولا، وهتف:
- أنت.. أنت كاذب.. زوجتي كانت مجنونة، ابنتي ماتت في حادث سيارة وهي تعبر الطريق.. أنا لم أقتل.. لم أقتل.
- اجلس يا مهران.. اجلس
جلس مهران بتثاقل، همهم العجوز بهدوء:
- أنا أعرف عنك كل شيء يا مهران.
- انطق.. من أنت؟
- ألا تعرف من أنا؟
- نعم أيها الكاذب، لا أعرف من أنت.. هيا اخرج من بيتي.. هيا.
- بيتك؟.. هاهاهاهاه.. بيتك الذي اشتريته من صفقة اللحوم الفاسدة، التي أدخلتها مصنعك، راح ضحيتها العشرات، كان من أولهم أعز أصدقائك الدكتور (محمود توفيق) الذي لفقت له القضية؟!
انهار (مهران) مرتميًا على كرسيه، وهو يهمهم مصدومًا:
- من أنت أيها الرجل؟.. كيف عرفت عني كلّ هذه الأشياء؟
- ماضيك مشين يا مهران، مليء بالجرائم التي لم تفكر لحظة واحدة وأنت ترتكبها في..؟؟
همهم مهران شاردًا، كأن الكلام أفلت من فمه رغمًا عنه:
- أنا لا أنام.
- هل أنت نادم يا مهران؟
- على أي شيء أندم يا رجل؟
- على ما فعلته
- ماذا فعلت؟
- بعد كل هذا تقول ماذا فعلت؟.. ألم تفكر في أطفال هذا الرجل الذي أوصلته إلى حبل المشنقة بيديك؟.. ألم تفكر في زوجته؟.. ولكن كيف تفكر في أطفاله وزوجته، وأنت قتلت ابنتك الوحيدة بيديك، حكمت على زوجتك بالموت؟
- زوجتي كانت لا تحبني.. كانت تشعرني دائمًا أنها أفضل مني.
- انتقمت منها، سلبت مالها، أكملت جريمتك بقتل ابنتك.
- خطأي الوحيد أنني قتلت ابنتي، كنت أعمى، لم أرَ شيئا غير..؟
- أنت نادم يا مهران؟
- نعم نادم.. أنا بشر ولا بد أن أخطئ و..
- لكن ندمك هذا شعرت به متأخرًا يا مهران!
- أنا حقّا نادم وأريد أن أعود لله عله يغفر لي ذنوبي ويرحمني.
- أمامك الفرصة الأخيرة، من الممكن أن تذهب للنيابة، تعترف بجريمتك، تنقذ هذا الإنسان الذي وقع اليوم في بيت عنكبوتك السّام.
وضع (مهران) يده على مقدمة عنقه:
- أنا أفكر في ذلك عن جدّ، أريد أن يكون إعدامي تكفيرًا عن ذنوبي السابقة التي ارتكبتها، علّ الله يقبل توبتي.
- صحيح يا مهران؟.. أنا سعيد جدّا لسماع هذا الكلام.
- آه يا شيخ.. نسيت أقدم لك واجب الضيافة.. تشرب قهوة؟
- نعم جزاك الله خيرًا
- قهوتك مضبوطة أم سادة؟
- مضبوطة
عقّب مهران ناهضًا:
- مثلي تمامًا
وغاب عن ناظري العجوز، ليدخل المطبخ، كان شيطانه قد بدأ يلعب بعقله، هذا الرجل يعرف عني كل شيء، إذا لم أعترف أنا بجريمتي، من الممكن أن يبلّغ هو عني النيابة، أُعدم، أموت مفضوحًا بجرائمي، لا بد من الـ.
وقعت عين مهران على زجاجة صغيرة بدولاب المطبخ مكتوب عليها...؟؟
أمسك مهران الزجاجة بيده، وضع بعضًا منها بفنجان العجوز، خرج من المطبخ، حاملا صينية عليها فنجانا القهوة.
- تفضل.. علّ قهوتي تحوز إعجابك
- شكرًا يا مهران
- تفضل يا رجل.. اشرب قهوتك
بدأ العجوز في احتساء القهوة، ومهران يتابعه بعينين مشتعلتين، ويسأله:
- لكن يا شيخ، أنت للحين لم تخبرني من أنت؟
- بعد كل هذا الحديث، لم تعرف من أنا يا مهران؟
شعر مهران بألم مفاجئ في معدته، جعله يطلق صرخة حادّة، فسأله العجوز بنفس هدوئه:
- ماذا دهاك يا مهران؟. ماذا بك؟
لا.. لا شيء.. لا شيء.. من أنت يا رجل؟.. من أنت.. آه.
- دقق في وجهي، وسوف تعرف من أنا يا مهران.
همهم مهران، وقد بدت على وجهه سكرات الموت:
- أنا لا أعرفك.. لا أعرفك.. آه.
- سوف تموت يا مهران.. أردت قتلي، فقتلك الله.
هبّ مهران واقفًا وهو يترنّح، محاولا خنق العجوز:
- قتلتني يا رجل.. قتلتني.
فدفعه - العجوز - دفعة قوية، ألقاه على الكرسي.
- من أنت أيها الرجل؟.. من أنت؟
- للآن لم تعرف من أنا يا مهران؟
نظر له مهران بعينين زائغتين، بدا له العجوز، كأنه يكتسب شبابًا كلما اقترب مهران من الموت.
أشار إليه مهران وقال بصوت متحشرج:
- أنت.. أنت.
ثم سقطت يده، خيم الظلام بعدها على المكان، كأن الدنيا أرادت أن تغمض عينيها عن رؤية جثته.
في الصباح، سقط شعاع الشمس عابرًا من النافذة، على جثة هامدة ملقاة على الكرسي، أمامها صينية عليها فنجان واحد فقط
__________________
حكاية الزاهي المرعوب:أقصوصة ساخرة
حكاية الزاهي المرعوب:أقصوصة ساخرة
رد مع اقتباس
  #31  
قديم 01-05-2010, 06:35 AM
الصورة الرمزية غامضة الملامح
غامضة الملامح غامضة الملامح غير متواجد حالياً
ميداليه بلاتينيه
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
المشاركات: 6,181
افتراضي الثمن

الثمن
الثمـن
قصة قصيرة بقلم / مجدي محمود جعفر

حفاة كنا نجرى في الوحل والمطر والويل لمن يقع 00 نجرى وقلوبنا وجلة ، وأنفاسنا لاهثة " اجري يا واد اجري 00
سيلحق بنا " على بُعد خطوات منا ،لا تنظر خلفك 00 اجري " 00 ويأتينا صوته المرعب " لن أدعكم تفلتون منى هذه المرة يا أولاد الـ0000 "
وفلتنا منه هذه المرة ، وأمسك بنا من قبل مرات ، وأشبعنا ضرباً ، ولكنا أبداً لم نكف عن التسلل إلى الجنينة طمعاً في سرقة العنب والبلح والبرتقال والخوخ والليمون ، فجنينة البيه لا
أول لها ولا آخر ، فيها من الفواكه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، لا يحول بينها وبيننا سوى " حمد " الذى يخفرها ، فكنا نبغضه ونخشاه وندعو عليه بالموت 0
نأخذ ما نجحنا في الحصول عليه من فواكه ، نتقاسمهما ، ونتبادلها ، فالعنب أحبه أنا ، وليلى تموت في البلح ، وفي غفلةٍ من الزملاء أدس في جيبها البلح وتسرب هي لي العنب ، أنظر في عينيها ، وتنظر في عيني ، يدور بيننا حوار صامت خفي ، أكتم ضحكة ، فتوئد هي بسمة ، ونعود إلى اللعب بعد أن نأكل ،وليلى معي دوماً لا ضدي .
ويوماً بعد يوم 00 بدأت ليلى تضيق بنا وبألعابنا ، ظننت أن أحداً ضايقها أو أغضبها فأقسمت أن أعرفه ، وأضربه ، بل أقتله ، فمن ذا الذى يجرؤ على مضايقة ليلى أو إغضابها!! ، هو ابن سنية القرعة 00 أعرفه ، لسانه برئ منه" 0لا 00 صدقني 00 أنا بس اللي تعبانة "
00 وانسحبت ليلى ، فأحسستُ بأن اللعب فقد معناه ، ورحت أرقبها وهى عائدة ، شعرت بخواء غريب ، وتضاءل الكل أمامي ، ولم أتمالك نفسي فعدوت خلفها ، ولحقتها بالقرب من الجنينة ، فاستوقفتها ، ورحت أحادثها " ليلى 00
أحقا أنت تعبانه ؟"
نظرت إلىَّ ونظرتُ إليها ، تسلل إلى قلبي بريق عينيها ، فأحسستُ به يختلج ، عاجلتها بالحديث ، همت أن تنطق ، ولكنها في آخر لحظة ترددت ،ابتلعت الكلمات ، ذابت على شفتيها ، يحدثني قلبي بأن ثمة شئ ما يقلقها ، بأنها تحمل هماً في قلبها الصغير ، فقلت وأنا ألمح دمعاً يترقرق في مقلتيها .
= خبريني ليلى عما بك ، فأنا أفعل المحال من أجلك ، ابتلعت ريقها وحملقت في اللاشئ وقالت في صوت كسير:
- أنـا 00
= " أنت ماذا "
وقبل أن تنطق ، خرج " حمد " فجأة وانتهرني قائلاً " قلت لك ميت مرة يا بن الملعونة ما عدت تمر من هنا " 00 فعدوت ، وأفزعني أن أراه يأخذ ليلى من يدها 00 ويسير بها إلى داخل الجنينة ، تسمرت مكاني فاغراً فاهي كالأبله ، لا أصدق أنى سأصبح بدون ليلى بعد الآن ، وقعت في قبضته ، الويل لها إذاً كل الويل ، بكيت خوفاً عليها ، ومن بعيد رحت أزعق بأعلى صوتي 00 ليلى00 ليلى ،لعلَّ صوتها يأتيني فأطمئن عليها ، فلم يتناه إلى مسامعي ما يؤكد أنه يضربها فصمت مخيف يخيم على المكان وسكون مرعب يلف الدنيا كلها ، لا بد أنه قتلها ، نعم ، لابد أنه خبطها بيده الطرشة على نافوخها ، فهوت ، وماتت ، جلست أبكى تحت الصفصافة ، ولا أدرى ماذا أفعل من أجل " ليلى " ولكنى أفقت دهشاً على ليلى بجانبي ، وحجرها مملوء بالبلح والعنب والجوافة ، فقلت دهشاً :أنت ليلى أم عفريتها ، خبرينى 00 ماذا فعل بك حمد ؟ وأنى لك بهذه الفواكه ، لَوت بُوزها وعلى غير عادتها جلست تأكل ، ولم تعطني شيئاً .
00 أيقنت أن حمد ذو قلب رهيف ، وعزمت بيني وبين نفسي ألا أتسلل إلى الجنينة خلسة بعد اليوم ، فأستئذنه في قطف عنب أو ثمرة جوافة ، وجهرت بهذا الخاطر لليلى ، بيد أنها لم تُبد رأياً0
00 وذهبت إليه أطلب منه العنب بيد أنه سبني ، وجرى ورائي ، وكاد يضربني ، فضحكت ليلى وقهقهت ، فتملكني الحنق الشديد ،وصفعتها على وجهها ، فنحبت وأجهشت ، وقفت أنظر إليها ورأسها محشورة بين ذراعيها ، ودموعها تتسَّاقط على خديها ، أحسست بجرم ما فعلته ، فجلست إلى جوارها أترضاها، ربت على كتفها ، هدهدتها ، مسحت دموعها ، رفعت ذقنها لأعلى ، نظرت في عينيها المغرورقتين بالدموع ، مررت بيدي على خدها ، فكفت عن النحيب ، انسابت يدي إلى عنقها ،وقعت يدي على صدرها ، فتلألأ لي قرصين من عجين، ارتجفت ، وأنا أخطفهما 00 وصرخت في ضعف : بالراحة، وابتلعت ريقي وأحسست بخدرٍ لذيذ يتسلل إلى بدني وأنا أضمها إلى صدري بعنف - وصرختُ ملتذاً ، حينما كان حمد يعدو نحونا - فعدوت - ومن بعيد رأيته يتسلل وليلى إلى الجنينة ، فظللت أبكى وأبكى 00وتمنيت لو معي سكيناً أغمده في قلبه



تحليل

حدودا واضحة , بين صورتين مختلفتين :
الصورة الاولى :
ما كان يسمى شقاوة الاطفال , حيث كان الكثير من الاطفال , يسطون على البساتين والاشجار المثمرة , بدافع مما يمكن ان نطلق عليه , متعة السرقة , كان هؤلاء يملكون في بيوتهم , ارقى واغلى انواع الفواكه , ومع ذلك يمارسون متعة مغامرة السرقة , من البساتين , وكان هؤلاء لايأكلون مايسرقون بل يرمونه , بعد السرقة مباشرة , وكان معظم هؤلاء من اسماء , لايتجرأ اصحاب البساتين على التصدي الحقيقي لهم .
الصورة الثانية :
ما كنا نشهده ونعرفه ايضا , وقد جاءت به القصة , بكتابة حرفية , تنبض بالحس الانساني , والصور الغنية , حيث كان البعض من الاطفال , يسطون على البساتين وعلى الاشجار المثمرة , لانها كانت فرصتهم الوحيدة , لتناول الفاكهة , حالة من العوز والفقر , وهؤلاء يدفعون الثمن غاليا , ان الشتائم والسباب التي يتلقونها , حتى الضرب , تبقى امورا سهلة , امام الايذاءات الجسدية والجنسية والاجتماعية , التي يتعرضون لها , ان الثمن غال جدا .
وعادت الصورتان تكبران , في مجتمعاتنا , اناس يسرقون كل شيء, ولديهم كل شيء , وهم من الاسماء التي لايستطيع احد التصدي لها , واناس لو اخذوا حقا , من حقوقهم , او طالبوا به لاعتبر ذلك سرقة , ويدفعون الثمن غاليا .
لقد هيجيت اشجاني ايها الاديب و بارك الـلـه بك , ولاانسى ان اسجل اعجابي بالملامسة البديعة , غير المحكية , لما اردت التعبير عنه , في انهاء القصة .


الفقر في القصة..سلاح ذو حدين..
فمنه ما يستظهر به القاص..وضعا اجتماعيا كان سائدا في مجتمع طغى عليه الطبقية الى حد ان يصل الباشا او البيه الى امتلاك حتى ارواح تابعيه...واجسادهم..بل ان غفر البيه اصبح يفتخر بسلطته تلك واصبح يأخذ من الناس مايريد باسم غفر البيه..وهو ضائع ساد ولم يزل اثاره قائمة في بعض المجتمعات.
اما الفهم الاخر للفقر..فهو..ذا مضامين انسانية..حيث الفقر ذاته يزيد الهوة بين ابناء الاجتماع.. حتى يبصح الامر اشبه بآفة تعصف بالاعراف والقوانين والشرائع..فيصمد البعض..ويسقط البعض في هوة الخضوع والاستسلام من اجل لذة عابرة..فيقع الانسان في متاهة الشك....( اراه لايشك فيما يعرف ولايريد ان يعرف ما يشك فيه..؟).
__________________
حكاية الزاهي المرعوب:أقصوصة ساخرة
حكاية الزاهي المرعوب:أقصوصة ساخرة
رد مع اقتباس
  #32  
قديم 01-05-2010, 06:45 AM
الصورة الرمزية غامضة الملامح
غامضة الملامح غامضة الملامح غير متواجد حالياً
ميداليه بلاتينيه
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
المشاركات: 6,181
افتراضي جــارنــا الـيـهــــودى

بسم الله الرحمن الرحيم

((((( نظرت إلى الساعة فوجدتها قد قاربت على الثانية بعد الظهر .. كان الجو شديد الحرارة .. وكنت قد أرهقت كثيرا من العمل فى هذا اليوم على غير العادة فى باقى الأيام .. أظن أن السبب فى ذلك تلك الحالة التى تعاودنى ليلا من وقت لآخر .. فلا أستطيع أن أغمض طرفى .. وأهنأ بالنوم ولو لساعة واحدة .. وما يكون أطولها من ليلة تلك التى أصاب فيها بهذه الحالة من الأرق ..
المهم قررت أن أغلق المحل وأذهب إلى البيت أستريح قليلا من عناء العمل ثم أعود فى آخر اليوم لأكمل ما تبقى منه .. أغلقت محلى الصغير الذى يعتبر هو مصدر رزقى الوحيد .. والذى منه أعول نفسى وشقيقتى الصغرى التى ليس لها فى الدنيا سواى الآن ..
أغلقت محلى وتوجهت إلى المنزل الذى كان لا يبعد كثيرا عن مكان العمل .. فوصلت فى وقت قصير .. وأثناء صعودى سلم البيت انزلقت قدماى وهممت أن أقع أرضا .. ولكن ربنا ستر .. وكانت كل خسائر الحادثة أن انقطع نعلى .. فحمدت الله على انها جاءت علي هذا فقط .. وخاصة أننى قد اقتربت من منزلى .. أو تقريبا قد وصلت ..
حملته فى يدى وأكملت باقى السلم حافي القدم ولما دخلت ألقيته بجوار الباب حتى آخذه معى وأنا ذاهب مرة أخرى للمحل .. وأمرره على (الجزمجى) ليصلحه ..
أخذت قسطا من الراحة فى شقتى الصغيرة التى على صغر مساحتها أعتبرها بالنسبة لى كمملكة أكون ملكا متوجا على عرشها .. أجد فيها كل وسائل راحتى وترفى .. ولا أستريح فى أى مكان غيرها .. وأشعر بالغربة الشديدة عندما تجبرنى الظروف مثلا على الابتعاد لبضعة أيام عنها ..
خرجت وأخذت حذائى فى شنطة صغيرة فى يدى وتوجهت إلى هذا (الجزمجى) على أول الشارع لأصلحها عنده فقد كان فيها قطع صغير لا يستلزم تغييرها .. كان هذا (الجزمجى) رجل فى العقد الرابع تقريبا من عمره .. عرفت من خلال ما سمعته عنه أنه رجل تقريبا لا يحب الإسلام والمسلمين .. نعم فقد كان يهودى من يهود الشرق
نزل أبوه القاهرة فى الأربعينات وأحب مصر وأهلها .. فعاش فى حيينا الشعبى .. أحاطه الناس وقتها بالحب والأمان والمعاملة الطيبة .. فشعر بالأمان فى مصر .. فعاش فيها لما وجده من سماحة أهلها وطيبة قلوبهم .. ولكن –أخينا- هذا كان مخالفا تماما لأبيه فقد كنت تنظر إلى وجهه فترى العبوس والشقاء يطل من عينيه .. دائما غير راض عن وضعه .. دائما يشكو .. دائما يرى أنه مظلوم مضطهد على اعتبار أنه يهودى وأن كل أهل مصر مسلمين ولا يخفى عليه ما يكنه المسلمون من حقد وكره لإسرائيل ولليهود .. من جراء ما فعلوه فى مصر أيام احتلالهم سيناء .. وما يفعلوه الآن فى فلسطين ولبنان .. ولكنه للأسف لا يعلم أننا لا نكره اليهودية فنحن مسلمون .. نحن محمديون .. وإن محمدا هذا أمرنا بالإيمان بجميع الأديان .. ولذا فنحن باليهودية مؤمنون .. ولكن لليهودية حقا .. بتوراة موسى .. ليس بالعهد القديم ولا العهد الجديد .. دائما فى مشاكل مع جيرانه .. مع انهم يحاولون التقرب منه .. ويعاملوه بتعاليم الإسلام السمحة لعله يلين قلبه .. ويتسلل شعاع من النور لقلبه فينير ولو جانباً صغيراً منه .. ولكن هيهات فقد طمس الله على قلبه فجعل عليه أقفاله .. فلن يتسلل ولا شعاع النور ولا بصيص الأمل ..
وصلت إلى محله .. دخلت وألقيت السلام عليه .. فرد على بوجهه العابس :
"أهلا وسهلا .. أى خدمة"
- متشكر جدا .. هذا الحذاء انقطع منى .. وأرجو إصلاحه ..
أخذ الحذاء منى بشدته المعهودة .. وشرع يصلحه .. ووقفت منتظرا ليفرغ منه .. وما هى إلا دقائق قليلة إلا وقد انتهى .. أخذته منه بابتسامة صغيرة .. قابلها هو بعبوس وجهه المعهود
- كم حسابك ؟
- 5 جنيه ما ينقصوش مليم ..
تعجبت من مطلبه هذا .. وتضايقت أكثر من أسلوبه المستفز .. أجبته - بنرفزة – وقد اختفت الابتسامة التى كانت مرتسمة منذ لحظات على وجهى :
- 5 جنيه .. هو حضرتك عملت فيه حاجة كبيرة .. ده كان مجرد قطع صغير .. حاجة ماتستاهلش يعنى ..
- هوه كده مش عاجبك بينى وبينك القسم ..
كانت هذه الكلمة تعتبر منفذ الخلاص له من أى مصيبة يقع فيها .. فيتوجه مسرعا ألى شرطة الحى .. ودائما كانوا ينصرونه على خصمه ودائما لم يكن يستحق النصرة .. ولكن هتعمل ايه يا عم .. ده يهودى .. فى وسط مسلمين .. يعنى الموضوع ممكن يكبر .. ويتحول إلى تفرقة عنصرية .. واضطهاد دينى .. واحنا مش قد أمريكا وحلفاءها
اعمل له اللى هوه عايزة يا عم وخلصنا ... كان هذا هو المبدأ الذى يعمل به ضباط الشرطة فى قسم الشرطة بالحى .. فعندما سمعته يقول هذا زاد حنقى وغيظى منه .. فقلت له :
- على فكرة انا مش هاروح ولاقسم شرطة ولا بتاع .. وانت مش هتاخد اكتر من حقك
- يعنى ايه .. هيا عافية ولا ايه
- لا مش عافية ولا حاجة بس كل حاجة بالعقل ..
وأخرجت من جيبى جنيهان .. أظننى قد أكرمته كثيرا بهما .. ووضعتهما على الترابيزة التى أمامه .. وهممت بالخروج ..
عندها احمر وجه الرجل .. وأخذ يسب ويلعن فى المعاملة وفى الأسلوب .. وتطرق سبه إلى الإسلام والمسلمين ..
عندها غلى الدم فى عروقى .. وأخذتنى نخوة أولاد البلد .. والغيرة على دينى .. لم أشعر بنفسى إلا ويدى تلتقط حديدة صغيرة فى جانب المحل وهويت بها ضربا على رأسه حتى هشمتها .. فسقط على الأرض جريحا ..
تركته غارقا فى دمائه وخرجت إلى عملى .. ولم ألتفت لتجمع الناس الذى التف حول الرجل يحاولون انقاذه إلى المستشفى .. أو يحاولون فعل أى شىء لإسعافه ..
وصلت إلى محلى .. وأنا لا أعلم أن الرجل بعدها قد نقل إلى المستشفى .. وهناك خرجت روحه متأثرا بما لاقاه من ضربات على رأسه .. صارت قضية أمن قومى .. وأصبحت من المشاهير لكن ليس من الفنانين أو لاعبى الكرة .. بل أنا الآن من أرباب السوابق .. فأنا الآن متهم فى جريمة قتل .. وليس قتل عادى .. إنى قد قتلت رجلا يهودى .. تعدى على وعلى دينى وعلى شرفى بالسب بأفظع الألفاظ ..وما أفظعها من جريمة .. كان لابد أن أخفض له رأسى شاكرا على كلمات الثناء التى راح يبخها فى وجههى وأعطيه ظهرى كأنى لم أسمع شيئا وأمضى فى طريقى .. هذا ما يريدون أن أفعله ..
فى مساء هذا اليوم .. تم القبض على .. وبسرعة غير معهودة سرت إجراءات القضية الكبرى .. وتم فيها الحكم بإعدامى شنقا .. وإزهاق روحى أمام روح اليهودى الذى سب دينى .. وأنا الآن على بعد ساعة واحدة من تنفيذ الحكم ... فما رأيكم يا سادة .. هل أستحق هذا ؟؟؟ !!! )))))

وجدت هذه القصة مدونة على جدار أحد السجون .. تقريبا استخدم صاحبها لكتابتها ساق معدنية صغيرة وجدها فى زنزانته .......
__________________
حكاية الزاهي المرعوب:أقصوصة ساخرة
حكاية الزاهي المرعوب:أقصوصة ساخرة
رد مع اقتباس
  #33  
قديم 01-05-2010, 06:53 AM
الصورة الرمزية غامضة الملامح
غامضة الملامح غامضة الملامح غير متواجد حالياً
ميداليه بلاتينيه
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
المشاركات: 6,181
افتراضي قل لأمي .....فرحٌ مسروق ..


قل لأمي .....فرحٌ مسروق ..
صديقي ،
و أنت تستيقظ من نومك في الصباح و تخلع ملابس النوم لترتدي ملابس العمل أو ملابس التنزه، و تجلس إلى مائدة الطعام لتناول فطور الصباح، ثم تفتح الباب لتذهب إلى عملك إو إلى المنتزه، تجد الحياة في استقبالك دافئة، تطبع على جبهة طريقك قبلة الحظ السعيد، قتوزع المجاملات و البسمات هنا و هناك، و تستقبل مثلها، ثم تسأل هذا عن حاله و يسألك ذاك عن الصحة و قد تتبادلان آخر الأخبار عن الحرب أو تعلقان على حركة زئبق الأحداث و الحوادث في الترمومتر السياسي، و الوقت يجري هكذا بينكم مجرى الدم في العروق، يملأ دنياكم أملا، هو كل ما تنتظرون من الحياة أن تمنحه لكم مع كل إطلالة جديدة.
عندما تكون تفعل ذلك، أنا هنا، في انتظار جندي مثلي هو في هوية العدو اللدود، هو دائما هناك، يتربص خائفا، مثلي، لا يعلم أيعود في آخر النهار سالما إلى معسكره، أو يموت برصاصة مصوبة نحو المقتل.
لو كان هذا يحدث مرة واحدة ثم يجد كل واحد منا بعدها حظه لهان الأمر، و لكن حين يتكرر يوما بعد يوم، فإن إيلامه أشد من الألم ذاته.
تصور شفرة تفتح في جسدك جيوبا كلما طلع عليك نهار جديد، هل اتاك مدى ما يعتريك من الألم؟لا، لا تستطيع أن تدري بما أحس مهما تخيلت، ربما الجندي الآخر المتربص في الجبهة المقابلة يدري. و أجدني بين اللظة و الأخرى، أتمنى، بل أتوسل الجندي- عدوي اللدود - أن يطلق رصاصته كي أبادله بمثلها، ولعل الرصاصتين تكونان أكثر شجاعة منا فتتسارعان نحو بعضهما و تلتقيان كما يلتقي على موعد الأحباب، و تتعانقان بحرارة و مودة و تعلنان بكل برودة الموت هدنة أبدية.
و يعتريني الخوف، و للخوف هنا طعم آخر، و صفة أخرى مختلفة عن الخوف ..هناك. يلازمك كصديق حميم، و لا يجاملك بل يفضحك، و لكن حين الجد، عندما يخذلك كل ما حولك ، وحده يؤنسك و يساندك .
و هنا ، لا أحد يخجل من الصراخ بخوفه، فهو وطن آخر، هو الوطن الذي يضمك محاصرا حصارا يمنحك اإحساس بالحياة ، و يدثرني بأمان غريب يولد مع كل ارتعادة و قشعريرة.
نعم يا صديقي..
و أناشدك في الأخير، كلما أضاء عليك نهار جديد أن تتذكر بأن هناك، بعيدا، فوق ربوة أو خندق ما، جنديا أنساه السهاد معنى النور و الديجور، أناشدك بأن تتذكر.. و فقط.. و لا أكثر.. و لكن لا بأس من زيارة أمي في وحدتها الصامدة بعدما دفعت بآخر القرابين إلى مذبح البطولة، و السؤال عن حالها، ثم ارسم لي بعد ذلك، في خيالك بعضا من ملامحها، لأن بقائي هنا بجبهة القتال مدة طويلة أنساني كثيرا من تقاسيم وجهها الحزين و تفاصيل خطوطه الجافة.
و حين تسألك عني ، قل لها فقط بأن لي هنا .. إخوة آخرين، فلا تبتئسي.. و ستفهم.. كما تفهم في كل مرة.
قل لأمي .....فرحٌ مسروق ..
قل لأمي .....فرحٌ مسروق ..






فرحٌ مسروق ..

كانت تغمضُ عينيها لتنعم بظلمةٍ لذيذة تسمّى النّوم ، قبل الموعد بساعة ، وربما أكثر ! لعلّ ساعات الليل تتلاشى ، ويطلّ العيد ، فتحظى بهدية رائعة مغلّفة بغلافٍ لمّاع ، فتسلبها الدهشة وعيها ، وتنسى أن تطبع قبلة على خدّ والديها ، كما تنسى العبارة التقليديّة التي ما انفكّت طوال الليل ترددها ، لكيلا تنسـاها في تلك اللحظة .. كلّ عام وأنتم بخير ..

ينقضي الليلُ سريعاً فتصحو على تكبيرات المسجد تملأ قلبها بهجة ، ترتدي الثّوب الذي أقعدته على كرسي مكتبها الصّغير ، مع الحذاء الأحمر الذي أصرّت أن تبتاعه على غرابة شكله ، وتمضي تدفئ يدها الصّغيرة في كفّ والدها التي تقبضُ عليها برّقة ، تسابقُ قلبها إلى المسجد ، فتحيا روح التكبير الفَرِح ، لأمّة في مسجدٍ عريق .

كلّ الخراف كان لها مسمّى تطلقه عليها تباعاً في كلّ عام ، تعقدُ صداقة ووداً ، وتأسرها لحظاتُ مرحٍ يشوبها رعبٌ من قرونٍ مفتولة وصوف كثيف .
لم تذق طعم اللحم يوماً حزناً على أصدقائها ، وكم نعتت نفسها بالخائنة ، إذ وقفت تشهدهم ينحرون وتراقُ دماؤهم وهي صامتة ، متشحة بوجوم وحزنٍ يرتدي الفرح صباح العيد ..
لكن الحلوى احتلت في جيبها مكاناً واسعاً ، وهي تنهالُ عليها من القريب والغريب ، فتسعدُ قلبها كما تسعدها أناشيد دجلة العذبة ، وأرجوحة خشبية تضمّها بشدّة لتمنعها من الهروب من بين ذراعيها ، وتفرضُ عليها وقتاً إضافياً للمرح ..

العيدُ كان حقيقة تلمسها بيديها ، تعيش تفاصيله بكلّ جمالها . تؤكده بسمة لا تفارقُ ثغرها إلا مع إغفاءة استسلام على السّرير ..
.
.
.
مازالت ريم اليوم تغفو قبل موعد نومها بساعة .. بساعات .. بأيّام ..
لكنها تبقى نائمة حتى يمضي العيد ..
وقد تسوّلُ لها نفسها لحظات يقظة ، فتجلسُ لتتناول حلواها التي تسلمتها دفعة واحدة من والديها قبل حلوله ..
اقتنعت راغمة أن ترتدي ثوباً قديماً لم يعد يليقُ بها ، وهي كالنبتة تتطاول نمواً نحو الشّمس ..
مع أنها دُفنت طويلاً في ظلمة إلا أنها مازالت تتبع شمساً رسمتها لها معلمتها في صباحٍ بغدادي مشرق ، وعلمتها أن تتبعها مهما أظلمت في وجهها الدروب ..
ريمُ النباتية لم تذق لحماً منذ سنين ، مع أنها نكثت عهد صداقتها مع الخراف فما عادت تطيق وداعتها مُذ سمعت جدها يقول لوالدها : إنهم يقتلوننا كالخراف !
في مدينة جديدة باردة غريبة ؛ لم تجد ريم أرجوحة تحضنها إلا ذراعي والدتها ، فاتخذت منهما سريراً ، وغفت تحلم أن تعود لتصافح دجلة ، وتنشد مع سفنه العائدة أناشيد الفرح بالعيد السعيد ..
__________________
حكاية الزاهي المرعوب:أقصوصة ساخرة
حكاية الزاهي المرعوب:أقصوصة ساخرة
رد مع اقتباس
  #34  
قديم 01-05-2010, 07:24 AM
الصورة الرمزية غامضة الملامح
غامضة الملامح غامضة الملامح غير متواجد حالياً
ميداليه بلاتينيه
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
المشاركات: 6,181
افتراضي واقعة البول



واقعة البول

1

جاءت الجارية بطست الماء ليغسل الموجودون أياديهم، كان الوقت أصيلا، لكنّ العادة جرت منذ زمن طويل بأن يأكل أهل البيت وجبتين في النهار.
الجارية (آس) وضعت الطست، لم تفتها النظرة الوخازة التي تشتعل في عيني ناصر الدين -جار مولاها- فلولا فهمها لها لما جاءت تميس هكذا.
كان مولاها يقول (على طريقة دخلات المسلسلات المرتجلة):
- أخيرا سكتت الحرب التي وقعت بين أهل السنة والشيعة ببغداد.
بان في وجه ناصر الدين بعض الامتعاض لاضطراره إلى تحويل النظر إليه، لكنه رد ببداهة:
- لم يحن الفرح بعد، التتار على أبواب العراق كما ترى، وقد سمعت بأذني هاتين اللتين سيملؤهما التراب أن الوزير العلقمي يكاتبهم.
فرغوا من غسل أيديهم ، وعادوا إلى السعفة المفروشة على ظل الجدار. وصاح مغيث بجاريته " علينا بالنبيذ " ثم التفت إلى جاره:
- لو كنت أحزن لشيء لحزنت لمصادرة بساتين النخل بالكرك.
- لا عليك ما دام ربك قد وسع عليك، ما تبقى فيه ذخر.
جيء بالنبيذ، وجلسا حتى رفع المؤذن أذان المغرب فانصرف ناصر الدين ودخل مغيث إلى كنيف داره ليبول.


**

في أصيل يوم من العام التالي (656هـ) كانت الدار خاوية. لم يبق في بغداد من الأسر من يمكن أن يكون لهم شأن، وطأتهم الخيول بحوافرها، ولأول مرة ميازيب البيوت سالت دون أن يكون ثمة سحاب، لكن المطر كان دما، وهطل بعد ذلك السحابُ السماوي فنشر النتن في النواحي، وكان كل شيء قد بدأ ينقشع، وشمس الأصيل تهبط على الواجهة الغربيّة وتقبّل حوافّ الأسطح، وكان اثنان من صعاليك بغداد يجلسان على دكة الدار تحت ظل الجدار، وهما اليوم يقطنان الدار بوضع اليد.
قال الأول "سمعت أن جارية صاحب هذا البيت هربت مع جاره قبل الاقتحام".
رد الثاني:
-وتردد أن صاحب الدار لم يمت بأيدي التتر، بل أصبح مقعدا مشلولا بمفاجأة هروب جاريته مع جاره، ما رأيك في هذه العبارة الجميلة: جاريتي وجاري، واغتاله ابنه الأكبر وهو نائم نومة العصر، وهرب بماله إلى الشام قبل الاقتحام أيضا.
- الأسوأ من ذلك أن الوزير ومن تبقى ممن معه من الجنود نزعوا سلاح الحي في الفترة السابقة للاقتحام زعما منهم أنهم في أشد حاجة إليه، لأن المتطوعين كالرمل عددا، لا ينقصهم سوى السلاح.
- لم يكن أحد في حاجة إلى حديدة واحدة، ولا حتى إلى هراوة، فالكل هربوا غربا إلى الشام ، أنا لو هربت لما أخذت إلا المال الأحمر أو الطعام، والآبار والمشارب غربا لا حصر لها، فقد عمرت منذ عهد لا أذكره وربما كان ابن الأثير نفسه لا يذكره.
قال الأول:
- كيف تهرب وقد سكرت في ليلة الاقتحام وضاجعت ثلاث نساء؟
- ما كنت وحدي في ذلك البيت الصغير، بل كانت معي جماعة خففت خوفي، ولم أكن أخشى سطوة الحسبة في ليلة كتلك، وقد كان سكرنا في تلك الليالي مهربا لنا من القتل كما رأيت، لم يكونوا يقتلون السكارى رغم قتلهم للأطفال والنساء الحاملين الألواح والمصاحف على جباههم، لا أدري كيف راق لهم حمل المصحف على جباههم المستسلمة، ولولا سقوطي على وجهي سكران لما سقطت أسناني الأمامية كما ترى، لن يدخل أحد من التتار نار ربّه بسببي.
قال الأول:
- أنا أفضّل أن يقتلني التتار على أن تسقط أسناني وترفض حتى العجائز تقبيلي.
قال الثاني:
- إنني عطشان.
أجابه الأول:
-وأنا أريد أن أبول.
غابت الشمس، نهض الثاني ليؤذن أذانا مكسرا لا تظهر من خلاله مخارج الحروف من بين أسنانه المحطمة ؛ في حين أدار الأول وجهه إلى الجدار وقضى حاجته في نفس المكان الذي بسطت فيه السعفة قبل ما يقدر بعام واحد من هذا اليوم.


**
2

استغرقت الجارية آس وقتا كافيا لتقلّب في ذهنها خياراتها المتعددة، ثم ردّت على سهام ناصر الدين الغازية بسهامها المذعنة؛ وبدأت التدابير للهرب. وإذا كانت المواكبة تعني للبعض أكثر من مجرد التوافق الزمني، فإنّ بضع أيام مضت بعد ذلك، وسقطت جارية الخليفة بسهم جاء من خارج سور القصر، تماما كما سقطت جارية مغيث في براثن الجار القريب، لكن السهم حقيقي هذه المرة وتتاري أيضا.
فزع الخليفة وجزع، وتقاطرت المحظيّات على صديقتهن المحظوظة بهذا الاهتمام، وبالموت قبل أوان الاقتحام. ومن المؤكد أنّ حظ الجارية القتيلة كان أوفر من نصيب الجارية آس، إذ تضخّم بطنها في خلال أربعة أشهر -من ماء سيّدها القديم بالطبع- حتى ضاهى امتداده طول شبرين من أشبار ناصر الدين، وأثناء الزحف الوئيد في أرياف الشام تركها زاعما أنّه سيجيء بجذوة من نار، متقمّصا دور النبيّ موسى، بفرق جلي، أنه لم يعد، فعادت أدراجها لتستقرّ في قرية شاميّة شرقيّة، على أمل أن تضع الوليد ذات ليلة شديدة الظلام، لتفرّ عائدة إلى بغداد، لعلها تقع في براثن جيرة جديدة.


**

كان هذا يجري في الفترة التي استولى فيها الرجلان على البيت بوضع اليد، ولكن بالرجوع سنة إلى الوراء يسجّل الحيّ واقعة غريبة، وهي بقاء هذه الدار سالمة بدون أن تطأها أقدام الدمار، ذلك أنّ المشاة المقتحمين كانوا منشغلين بأصوات تصدر من دار قريبة، لشاعر ينشد قصيدته في هجاء الغزاة، والشاعر المذكور لم تتشرف دواوين التأريخ بذكر اسمه، لأنه كان شاعرا ناشئا، يدبّج قصائد بذيئة ورديئة في شتم الخليفة الغارق في ملاهيه، وبقدرة قادر تحوّلت قوافيه إلى هجاء الغزاة الجدد. وأصابت الحيرة أولئك الجند الذين اقتحموا الدار، عندما رأوا أن شقوق جدرانها الطينيّة مسدودة بأوراق مكرمشة لقصائد لم تتم، أو لأبيات منظومة بطريقة غير مرضية لقائلها، مما دفعه إلى لم أوراقها ودسها في شقوق الجدران، كمنفعة أخيرة يؤديها الورق الذي لا يساوي ما كتب عليه ثمنه، كانت أحشاء الشاعر تسيل على الأرض وفي عينيه بقايا من نظرة خيبة، لأنه لم يستطع إكمال إلقائه لخطبة الهجاء التي نظمها في قصيدته التي لم تتم، ونظرا للأوامر الصارمة التي تلقاها الجنود بشأن ما هو مكتوب على الأوراق، أحرقت الدار بما فيها من ورق، وغادروا هذا المنسرب من الحيّ تاركين البيت الخلفيّ الذي جرت فيه وقائع البول المخزية في العام الماضي، ليعيش واقعة البول المعقولة لهذا العام، على يد ساكنيه الجديديْن، فيما تتهيأ الجارية آس تلك اللحظة لوضع جنينها في القرية المذكورة غربا، لتجرّب حظها في تغريبة جديدة.

**
__________________
حكاية الزاهي المرعوب:أقصوصة ساخرة
حكاية الزاهي المرعوب:أقصوصة ساخرة
رد مع اقتباس
  #35  
قديم 01-05-2010, 07:33 AM
الصورة الرمزية غامضة الملامح
غامضة الملامح غامضة الملامح غير متواجد حالياً
ميداليه بلاتينيه
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
المشاركات: 6,181
افتراضي السيارة


السيارة !!
الوقت يمر.. عقارب الساعة تسابقني.. يجب أن أخرج الآن من البيت قبل أن يفوت الأوان.. أنطلق من البيت بأقصى سرعة لدي.. أنتظر السيارة التي تقلني إلى عملي.. الزحام شديد.. لا سيارات.. الناس يهرعون إلى كل سيارة تطل برأسها من بعيد.. أقف حائرا.. لم أستطع يوما أن أزاحم الناس على ركوب السيارات بل جاثماً في مكاني حتى تتاح لي الفرصة لأركب السيارة بلا زحام.. لأجل هذا أصل متأخرا دوما إلى عملي..
اليوم لا مناص من اقتحام الزحام فلدي عمل عاجل لابد أن أدركه في الصباح الباكر وإلا نالني من الجزاء ما لا يحمد عقباه..
السيارة تطل برأسها.. أتحفز.. أركز بصري.. استنهض عضلاتي لتريني اليوم ما لم أره من قبل من قوة.. أتأهب.. السيارة وقفت على مقربة مني.. انهال عليها طوفان البشر من كل جانب.. حاولت أن أقتحمها.. حاولت أن أفك طلاسمها.. دون جدوى.. أزاحم.. أدفع .. أقتحم.. السيارة امتلأت عن آخرها.. لا مكان لقدم فيها.. وأنا مازلت أقف على الأرض.. انصرف الناس من حولها معلقين أبصارهم بالطريق لعل سيارة جديدة تولد من بعيد.. رمقني كل من بالسيارة الممتلئة بعيون شامتة.. وكأنهم سعداء بإدراكهم ما لم أستطع إدراكه أنا.. لم آيس.. بل ظللت واقفاً أفتش بين الأجساد المتلاحمة عن فرجة أدس فيها جسدي النحيل..
قال أحدهم: لم يعد هناك مكان يا أستاذ.. انتظر السيارة التالية..
صرخت في وجهه : لا.. لابد أن أركب هذه السيارة لأصل للعمل في الوقت المحدد.. ولم أنتظر رداً بل دسست نفسي بالقوة بين الأجساد المتلاحمة وجذبت الباب بشدة فأغلق من فوره..
رمقني السائق بنظرة تفيض سروراً .. وكاد أن يحتضنني طمعاً في أجر راكب زائد.. وانطلقت السيارة..
الركاب متأففون.. ينظرون لبعضهم البعض.. كأنهم يحتقرونني.. يتململون.. تند عنهم أصوات لا تنبئ بخير.. أحدق أنا في الطريق وكأني لست مصدر كل ذلك القلق.. لم يستطع أحدهم أن يكتم غيظه أكثر من ذلك.. صاح: يا أستاذ ابتعد قليلاً.. أنت جالس على رجلي..
قلت بصوت كسير: وماذا أصنع.. ؟ ليس بجواري متسعٌ من المكان..
صاح آخر: إذا لماذا ركبت السيارة؟؟ لماذا لم تنتظر سيارة قادمة؟ هل ركبت معنا لتضايقنا.. أعوذ بالله..
قلت: إن كنتَ غاضباً لركوبي.. فانزل من السيارة ودع لي مكانك فإني به راضٍ..
سكت الرجل ولم يجب.. وانطلقت السيارة.. قلت: لعل أحد الركاب ينزل قريبا فيتسع لنا المكان جميعاً..
قال راكب ثان: هذه سيارتنا.. ولن ينزل منها أحد.. وسنبقى هكذا في ضيق حتى نصل.. ومن يدري هل سنصل أم لا..؟
علق راكب ثالث: لا أحب من يزاحم.. ويحاول أن يفرض نفسه على الآخرين.. فهذه المقاعد حصلنا عليها بكدنا وجهدنا وقوتنا.. ولا يصح أن يزاحمنا فيها أحد..
قلت والضيق آخذ في الصعود إلى حنجرتي: يا هذا إن المقاعد لا تدوم لأحد.. إن كنت تجلس اليوم عليها مستريحاً فغداً يجلس عليها غيرك ويكون أيضا مستريحاً.. إنما هي ملك مؤقت لنا حتى ننزل عن السيارة.. حينئذٍ تزول عنها ملكيتنا.. وكنا نظنها لا تزول.. ثم يجلس عليها آخرون يظنون أنها ملك لهم أيضاً..
السيارة منطلقة في طريقها.. لا تلتفت لهذا أو لذاك.. قال أحد الركاب: انتظر أيها السائق.. سأنزل هنا..
قلت مهللاً : أرأيتم.. لا تدوم المقاعد لأحد فأنت اليوم تجلس ماداً رجليك كأنك تتحدى الآخرين.. وبعد قليل تمضي وتترك مقعدك ليحتله غيرك حتى حين.. ولكن الركاب لا يفهمون..
نزل الراكب ونقد السائق أجره ثم انصرف.. وأغلق باب السيارة وانطلقت.. وجلست لأول مرة على مقعد بمفردي.. أحسست حقاً بأنني أمتلك الدنيا.. الناس يملأون الشوارع منتظرين السيارات.. أرقبهم بعين شامتة.. وأتشبث بمقعدي كأنه قطعة من ذهب..
توقفت السيارة.. ونزل راكب ثان.. واندفع الناس على الباب يتزاحمون.. فامتلأت السيارة فوق طاقتها من جديد.. قال أحد الركاب: يا ناس لا نستطيع الجلوس.. نكاد نختنق..
قلت معقباً: صدقت والله يا أخي.. لا أدري لماذا يتزاحم الناس على السيارة هكذا؟ لم لا ينتظرون السيارة التالية..
قال أحد الركاب الزائدين عن حاجة السيارة: عفوا يا أخوة.. ليتحمل بعضنا بعضا.. فلدينا جميعاً أعمال لابد أن نذهب إليها..
السيارة منطلقة.. لا تلتفت لأحد ولا تصغي لحديث.. ولا تهتم بشكوى الشاكين.. ولا برجاء المحتاجين.. وأنا جالس وسطها والناس من حولي يتدافعون.. وأرقب السائق بعين متأمله: يا له من رجل سعيد يجلس بمفرده على كرسي لا يزاحمه فيه أحد.. وإلى الذين يجلسون إلى جواره.. ما أسعدهم يجلسون في منأىً عن الشاكين والمتأففين.. ليتني كنت معهم.. إن مقعدي أصبح كقطعة من حديد صلب.. يكاد يحطم ظهري.. لابد أن المقعد المجاور للسائق خير من مقعدي.. وأخذت أتحين الفرص لأقفز على هذا المقعد لعلي أفوز بجلسة مريحة..
هدأت السيارة من سرعتها.. وأخذ بعض الركاب ينزلون عنها.. ومازلت أرقب الجالسين في المقعد الأمامي لعلي أنال شرف مجاورة السائق الهمام الذي يشق لنا الطريق بين أكوام السيارات وحشود المارة بمهارة فائقة..
صاح أحدهم: هنا لو سمحت..
قفزت من مقعدي فجأة بسرعة أذهلت الجميع.. حتى ابتعدوا جميعاً عني ظانين أن جنوناً قد أصابني.. وألقيت نفسي مسرعا إلى جوار السائق.. فرحا مسروراً..
أدرت رأسي وأخذت أقلب البصر في الركاب الواقفين لا يجدون لهم مقعداً ولا يحلمون يوماً أن يصلوا إلى ما وصلت إليه..
مددت رجلي كأنما أطأ بها المشرق.. وألقيت ظهري للوراء كأني أسند رأسي إلى المغرب.. ومددت بصري في السماء كأني أعانق الشمس الذهبية التي تتلألأ أمامنا على صفحة النيل العظيم.. أحسست أني أمتلك الدنيا.. فما أروع الجلوس على مقعد وثير.. مريح.. وما أروع الراحة بعد طول عناء.. تنفست ملء صدري.. وملأت عيني من الطريق قدر طاقتي..
وفجأة لاح لي من بعيد مكان عملي.. فاغتمت نفسي.. وأخذت أتحسس المقعد حزيناً على فراقه.. راجياً أن تطول المسافة أكثر من ذلك.. ولكن السيارة سرعان ما وصلت إلى المكان المحدد.. قلت للسائق حزيناً: هنا.. لو سمحت..
نزلت عن السيارة تاركا المقعد.. وقد قفز عليه غيري.. رمقته بعين كلها حزن وودت لو أقتله حتى لا يجلس على مقعدي بعدي.. ولكن السيارة لم تمهلني فانطلقت في طريقها.. وعلى مقعدي يتنعم غيري..
__________________
حكاية الزاهي المرعوب:أقصوصة ساخرة
حكاية الزاهي المرعوب:أقصوصة ساخرة
رد مع اقتباس
  #36  
قديم 01-05-2010, 07:45 AM
الصورة الرمزية غامضة الملامح
غامضة الملامح غامضة الملامح غير متواجد حالياً
ميداليه بلاتينيه
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
المشاركات: 6,181
افتراضي وما زلتُ يَقظَاً.. عزفٌ على شفاه الشمس


ثلاث سنوات من النوم المتقطع أحالتنى لكائن يقتات التوتر، كرهت النوم، وصارت الحياة متصلة اتصال دائم، احتال كثيراً وأؤجل بحث أوراق العمل لما بعد منتصف الليل، تختزلنى الحياة يوماً بعد يوم إلى مجرد حلم، حلم يُزيد من ابتعادى عن فكرة التوجه لفراش، فاستوطنت مقعداً غير وثير وزهدت فراشى ما أمكننى الأمر

حلمى الأول تطاردنى تفاصيله حتى فى لحظات اليقظة، حاملاً لى مرأى جدتى تشير إلى إشارة وداع مبتعدة بين أطياف باهتة، وقبل مرور أيام أتانى نبأ رحيلها فى غربتى، شعرت أنها هدية السماء لأرى الجدة الحبيبة قبل الرحيل

كنت قليل الأحلام ،ولم يشغلنى أمرها من قبل ، فأحلامى كنت قادراً على تحقيقها، كنت أعانى خلطاً بين ما أراه بنومى وبين طموحاتى، الأحلام هى ما أصبو إليه وأود إحالته لحقيقة واقعة، وليست ما أراه بنومى بعد وجبة دسمة وانفعالات زائدة قبل النوم ، لفظة الحلم كانت تحمل لى معنى وارفاً بأمل قارب على التحقق ورغبة أحتاج إلى صياغتها فى دنيا الواقع، كم كنت أحيا بتلك الأحلام –الطموحات- وأتزود بها على مر الحياة

لكن حُلمى التالى كان أشد وطأة، وحمل لى سحب الغبار والأتربة تعلو بين الغيوم بينما يتهاوى بيت أسرتى بدوى هائل، حزمت حقائبى بعد الصحو الفَزِعْ لألحق بوالدى على فراش مرضه المفاجىء وأتقبل العزاء واجفاً مرتعباً أو مذهولاً كما همس الجميع

حينها عرفت ماهية الأحلام، وأيقنت أنها لعنتى التى أصبت بها ، استطعت بغير تعب أن أفض اشتباكاً بينها وبين معانِِ أخرى فى عقلى الذى صار يقظاً على الدوام، وعرفت أنها تحمل لى بين أضغاثها بكارة الأحداث، وتختصنى بالعلم البغيض، لم أفكر قبلً بأمر كهذا، ولم أكن أذكر من أحلام النوم غير وجوه عابرة وأحداث غريبة، لكنها صارت شغلى الشاغل، تنبهت لوجودها كتَنَبُه المرء لوجود عضو به كقلبه أو صدره، فقط عندما يغزوه الألم ، وأخذت قراراً بتحاشى النوم، هروب دائم وسهر مستمر، وتهاوِى فى نهايات الأمر، كنت أسقط كورقة شجر يابسة أوان الخريف ،يقتلنى الإعياء فيأتينى الحُلم منتصراً حاملاً لى حدثاً ، ساراً حيناً ، وشؤماً فى غالب الأحيان، فأصحو لاهثاً محملاً بالانتظار

أصابنى الوهن، صرت شيخاً يابساً يائساً، أرى فى المرآة تهدُل كتفىّ، وهالات التوجُس السوداء أسفل جفنىّ، كنت أهزأ بمن يحارب طواحين الهواء، لكن دون كيشوت يحارب ما يراه ولا يفعل مثلى، أحارب طبيعتى وأدرك أنى خاسر بلا جدال، أيقنت أن ابقاء المرء يقظاً من أبشع وسائل تعذيب بنى البشر، وأصبحت أصلى قبل لحظة التهاوى، وادعو أن يعافينى الله من محنة العلم المبكر
ثلاث سنوات أخالها ثلاثين، وأنا أسير مقعد خشبى ، تحيط بى الساعات الرنّانة، ويسبح بيتى فى إضاءة مبهرة
وما زلت يَقِظاً




_________________

قصة قصيرة:
عزفٌ على شفاه الشمس
.........
جلست تنظر بشغف إلى البحر المترامي بين أجفان الأفق، وهي مطرقة، تختزل الصمت الذي قفز من قعر الماء يناوشها، وكأنها كانت تنتظر شيئا ما، تنهدت وأمسكت بحجارة صغيرة وقذفتها في الماء وهي تحاول أن تستفز الهدوء المتداعي بين جفون البحر، وكأنها ودت أن تهب عمرها لما استفزها من المواويل أو كأنها ودت أن تنسى عمرها الذي تدفق بين الجراح والحيرة، كانت عيناها معلقتين بين السماء والأرض، تذرفان ما يمكن أن يتبقى من مهجة إنسان.
وفجأة استسلمت لأحزانها، ومقلتاها الغارقتان في صمت رهيب تعزفان أغنية الماء على خديها، تذكرت كيف علمت عينيها مواويل الانسكاب دون أن تجد منديلا مهدى على صخرة من صخور الشاطئ، تذكرت سوالف الصمت التي كممت فاها غداة كل شجار يقع بينها وبين زوجها، تذكرت كيف التحفت بأشطان الصبر مكرهة حفاظا على مستقبل هذه الطفلة التي لم تشب عن الطوق بعد، تذكرت كيف كان الموج يتلقاها بالترحاب وفي كفيه عزاء الورد، كيف كان الرمل يطوق جيدها بالياسمين يعدها بالغد الأفضل، كيف كانت الشمس تتوارى خلف الحزن المرابط ثمة بين جوارحها، كيف كان الصدف يقسم أن يهبها سره وفي قلبه عطر أرجواني، كانت تعي مسبقا أن ثمة وسيلة لإصلاح هذا الزوج الذي لم يتوان قط عن إلحاق الأذى بها وبطفلتهما الصغيرة، كانت تعي أيضا أن الصبر هو عزاؤها الوحيد الذي لن تجد عنه بديلا إن استحال الرتق، لكنها كانت تخشى أن ينفد صبرها في يوم من الأيام، إنها لا تستطيع أن تتحمل أكثر مما تحملته طيلة هذه السنين، زوج خائن سكير، مهمل لها ولطفلته، ومهمل لبيتهما الذي لم يعد يراه إلا نادرا، بسبب سهره خارجه كل يوم، حتى وإن تحملت كل ذلك فهي لا تستطيع أن تتحمل إهانته لها، بل كيف تتناسى ضربه المبرح لها بسبب ودون سبب، كيف تتجاهل هذه الآثار التي رسمتها لكماته على جسدها؟ !!
وكأنها حين كانت تنسج الصبر طيلة هذه السنين، نسيت أن الخطيئة وهبته خمائلها للأبد، وأن الشمس التي كانت تنتظر أن تبزغ في ثوبه قد طعنتها آثامه وأن ما اقترفه سد عليه خط الرجعة ورفع الفضيلة إلى مناط العيوق.
نهضت تتهاوى بين أحزانها وهي مطرقة تنتظر أن يهديها البحر قلادة خلاص تحفظ لها ما تبقى من كرامتها وفي الوقت ذاته تحفظ لطفلتها حقها وكرامتها أيضا، دست يدها في حقيبتها الصغيرة وأخرجت غلاف رسالة كانت قد تلقتها من أعز صديقاتها، أمسكت بقلم وبدأت تخط على الغلاف بضع كلمات:
حتى الشمس ترهبت لحين، تخيط شعرها
تهب الحناء لهذي الطفلة الحالمة
تنتظر رحيق الخلاص!!!..
وما إن انسكبت منها هذه العبارات حتى لملمت غلاف الرسالة ولفت فيه حجارة صغيرة وقذفت به بكل جهدها إلى البحر وكأنها كانت تود أن تشرك البحر وكيف لا وقد عاشا معا أحزانهما وتقاسما هموم الحياة.
وعادت إلى البيت وذهنها مشتت، تفكر في الخلاص المختبئ في المجهول، لم تستطع أن تشاطر طفلتها ابتسامتها الهادئة التي غارت في نظراتها البريئة، لكنها كانت واثقة وهي تتهاوى في خطواتها متجهة إلى غرفتها أن قدرتها على الاحتمال قد ارعوت، وأن عليها أن تحسم كل شيء، ولكنها سرعان ما استجمعت قواها حين تسللت إليها براءة طفلتها، تدغدغ كيانها وكأنها تتوسل إليها أن تتريث.
وما إن استيقظت في صبيحة اليوم الموالي حتى وجدت الشمس على جبينها جالسة القرفصاء، وعلى شفتيها قلب من ياسمين وحنطة، ينتظر أن تمطر السماء !!! ..

__________________
حكاية الزاهي المرعوب:أقصوصة ساخرة
حكاية الزاهي المرعوب:أقصوصة ساخرة
رد مع اقتباس
  #37  
قديم 01-05-2010, 08:05 AM
الصورة الرمزية غامضة الملامح
غامضة الملامح غامضة الملامح غير متواجد حالياً
ميداليه بلاتينيه
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
المشاركات: 6,181
افتراضي أ . ص



مقدمة :

( أ . ص ) ضابط مخابرات مصرى فى الخامسة و الخمسين من عمره ، يرمز اليه بالرمز ( ... ) .. يجيد استخدام جميع أنواع الأسلحة من المسدس الى قاذفة القنابل .. و كل فنون القتال من المصارعة و حتى التايكوندو .. هذا بالاضافة الى اجادته لستّ لغات حيّة و ... الخ ...
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _

المكان : مخزن مهجورعلى رصيف رقم ( 3 ) - ميناء ( مارسيليا ) القديم ..
الزمان : الواحدة الا عشر دقائق صباحا ..
غرق رصيف الميناء فى ظلام دامس بعد أن حجبت الغيوم ضياء القمر ، فعقد النقيب ( ح . م ) جاجبيه متمتما بضيق :
- اللعنة .. هذا ما كان ينقصنا ..
التقط العميد ( أ . ص ) منظارا للرؤية الليلية من حقيبته و ارتداه متسائلا :
- ماذا بك أيها النقيب ..؟..
ارتدى النقيب ( ح . م ) منظاره بدوره قائلا بتوتر :
- هذا الظلام يثير أعصابى ..
قال ( أ . ص ) بينما أصابعه تتحرك بسرعة و براعة لتقوم بتجميع و تركيب أجزاء سلاحه :
- من الخطأ أن تدع أى شئ يثير أعصابك أثناء العمل عزيزى ( م ) ..
و رفع عينيه اليه مستطردا :
- فى عملنا هذا .. لثبات الأعصاب دور كبير فى نجاح المهمة أو فشلها ..
تنهد ( ح . م ) قائلا :
- أرجو أن تعذرنى يا سيادة العميد .. انها مهمتى الأولى كما تعلم ..
قال ( أ . ص ) بينما أصابعه مستمرة فى عملها :
- كلنا مررنا بهذه التجربة يا صديقى .. المهمات التدريبية خطوة أساسية لكل رجل مخابرات قبل أن يبدأ مهامه الفعلية .. و من الطبيعى أن يتملّكك التوتر فيها باعتبارها أول مواجهة حقيقية لك ..
- ( مبتسما ) : شرف عظيم لى يا سيادة العميد أن أتتلمذ على يدك .. و أن أصحبك فى احدى عملياتك ..
انتهى ( أ . ص ) من تركيب بندقيته ، و خلع منظاره ليلقى نظرة عبر منظار البندقية المزوّد أيضا بمرشح للرؤية الليليّة ليطمئن من جودة الرؤية قبل أن يقول :
- للأسف يا صديقى .. أنت شاب صغير.. لم تعاصر العمليات الحقيقية التى كنّا نواجه فيها مخابرات العدو ، و نذلّ ناصيته بانتصارنا الساحق عليه المرّة تلو الأخرى ..
- ( بحماس ) : و لكن هذه عملية خطيرة يا سيدى .. أولسنا نستهدف ضابط المخابرات الاسرائيلى المسئول عن تجنيد العديد من شبابنا لصالح ( الموساد ) ..؟؟.. أوليست تلك عملية حساسة ذات تأثير قوى ..؟؟..
- ( بتهكم ) : هل تسمى اغتيال رجل مخابرات اسرائيلى عملية خطيرة ..؟؟.. ما هى المخاطرة فى ذلك ..؟؟.. لقد قتلت بالفعل العديد من رجال ( الموساد ) خلال عمليّاتى المختلفة ، و لكن كان ذلك كل مرة يتم من خلال عملية اكبر ، و وفقا لما تقتضيه الظروف ..
و اعتدل مردفا :
- لم أكره شئ طيلة حياتى أكثر من اراقة الدماء .. غير أنى فى كل مرّة كنت مضطرا لذلك لانجاح العملية ، و لمصلحة الوطن .. لذا فلا تتوقع أن أكون سعيدا أو فخورا بلعب دور القاتل المحترف هذه المرّة ..
- و لكن يا سيدى .. الهدف ليس سهلا أبدا .. ( ا . ش ) ليس مجرد رجل مخابرات عادى .. انه داهية حقيقى ، و له اسلوبه الخاص فى الايقاع بالشباب العربى وتجنيده .. و جميع جهود مخابراتنا السابقة فشلت فى الوصول اليه ، قبل أن تتولى سيادتك قيادة العمليّة ، و تضع خطة محكمة لاقتفاء اثره و العثور عليه ثم استدراجه الى هذا المكان للقضاء عليه ..
تنهد ( أ . ص ) قائلا :
- لا مجال للمقارنة يا بنىّ .. عملية كهذه فى الماضى ، كان ضابط صغير من تلامذتى ليؤديها على خير مايرام ..
و استلقى على بطنه أمام النافذة المجاورة ، و سدد فوهة البندقية عبرها الى الفراغ المظلم برصيف الميناء ، و ألصق عينه بالمنظار الليلى المثبت بالبندقية متابعا :
- الوضع الحالى فى مجالنا لم يعد كالسابق .. فى ما مضى ، كنّا فى حالة حرب حقيقية مع ( اسرائيل ) .. معلنة كانت أو سريّة .. و لكنها كانت حقا حرب .. و كانت الامور واضحة جلية .. من هو العدو ، و من هو الأخ و الصديق .. و كانت ( اسرائيل ) عدو حقيقى .. نكرهه و نحتقره و نعمل له ألف حساب ، و نجابهه بكل ما اوتينا من قوة و امكانات .. أما الآن ..
و صمت دون أن يتكلّم ، فتسائل ( ح . م ) :
- ماذا عن الآن يا سيدى ..؟؟..
ظل ( أ . ص ) صامتا للحظات قبل ان يقول :
- لا شئ .. لم يعد هناك أى شئ .. اختلت كل الموازين و القيم التى كنّا نعمل عليها و من أجلها .. اختلطت الامور ، و لم أعد أدرى حقا من نواجه .. من هو العدو ، و من هو الصديق .. انخفضت عمليّاتنا ضد ( اسرائيل ) شيئا فشئ حتى تلاشت تقريبا ، و أصبحت امكاناتنا موجهة ضد من كانوا أصدقائنا و اخواننا فى الماضى .. ضد ( حماس ) و ( حزب الله ) و ( ايران ) و المقاومة العراقية .. هل تصدق هذا ..؟؟.. هل تدرك أننا حقا صرنا نعمل لصالح ( اسرائيل ) بالدرجة الأولى ..؟؟..
- ( بخفوت ) : هل تكره ( اسرائيل ) الى هذه الدرجة ..؟؟..
رفع ( أ . ص ) رأسه عن المنظار ، و نظر ناحية الشاب قائلا بغضب :
- سؤالك هذا فى حد ذاته كارثة أيها النقيب ، و لو كنت قد سمعته منك أو من غيرك فى الماضى ، لكنت حوّلتك الى التحقيق فورا .. ألا تكره ( اسرائيل ) يا فتى .. ؟.. ألا تدرك أنها العدوّ الأساسى لنا و لأمتنا و للعالم كله ..؟.. ألا ترى المجازر الّتى ارتكبتها و ترتكبها فى حق شعوبنا على مدى المائة عام المنصرمة ..؟؟..
- ( بتوتر ) : و لكن توجد بيننا و بينهم الآن معاهدة سلام و ..
- ( مقاطعا بغضب ) : لا مجال لأى سلام بيننا و بينهم طالّما مازالوا مغتصبين لأرضنا ..
- و لكن ..
- صه .. لقد وصلوا ..
و عاد ليلصق عينه بعدسة المنظار ، فى نفس اللحظة الّتى ارتفع فيها صوت محرك سيارة تقترب ، و حبس ( ح . م ) أنفاسه ، فى حين قال ( أ . ص ) :
- سيّارة مرسيدس المانيّة مصفحة .. لقد توقفت على رصيف الميناء ..
تمتم ( ح . م ) :
- فى الموعد بالضبط ..
- ( و كأنه لم يسمع ) : ( ا . ش ) يجلس فى المقعد المجاور للسائق .. لقد ميّزته بوضوح .. حارسيه الشخصيين يغادران السيّارة .. يفتشان المكان .. ( دقائق من الصمت ) .. يعودان الى ( ا . ش ) .. يكلّمانه .. يطمئنانه فيما يبدو .. يغادر السيّارة و يقف بجوارها فى مرمى بندقيتى .. ينتظر قدوم عميلنا الّذى تظاهر بالوقوع فى شباكه و قبول عرضه بالتجسس على بلده لصالح ( اسرائيل ) .. و لكن ..
و صمت لحظة قبل ان يعقد حاجبيه قائلا :
- غريب هذا .. انه ينظر نحونا مباشرة .. ما الأمر ..؟؟..
مرّت لحظات أخرى من الصمت قبل أن يهتف مصدوما :
- ما هذا ..؟؟.. انه ينظر نحونا ، و يرفع ذراعيه ملوحا .. ما الّذى يعنيه هذا ..؟؟..
و مع آخر حروف كلماته ، دوت تلك الطلقة النارية فى فراغ المخزن المهجور ، و شعر بالدماء الساخنة تبلل صدر قميصه و سترته ، و سمع صوت مرافقه الشاب و هو يقول بهدوء :
- يعنى هذا ..
مع الألم الحارق الّذى يغزو صدره و ظهره بسرعة مدهشة ، أدرك عقله المدرب الأمر بسرعة أكبر ، و حاول أن يستدير بسلاحه لمواجهة ( ح . م ) غير أن أصابع هذا الأخير انتزعت منه سلاحه بقوة ، و ألقته بعيدا ، فتمتم بغضب :
- أيها الوغد الحقير ..
خلع ( ح . م ) منظاره الليلى ، و ضغط زر الانارة ، فانبعثت فى المكان اضاءة شاحبة مصدرها مصباح نيون قديم مثبت الى السقف ، غشيت – الاضاءة - عينا ( أ . ص ) فأغلقهما ، و هو يلتقط أنفاسه بصعوبة ، و سمع الشاب يقول :
- لا تغضب منى يا سيادة العميد .. انما أنا أقوم بعملى ، و انفذ الأوامر فقط ..
- ( بصعوبة ) : أوامر من أيها الخائن القذر..؟؟..
- أوامر قائدنا بالطبع يا سيادة العميد .. هل ظننت أحدا آخر أمرنى بالتخلص منك ..؟؟..
- ( بصوت مختنق ) : مستحيل ..
- ( بهدوء ) : و لماذا أكذب عليك ..؟؟.. أنت بنفسك يا سيدى قلت منذ قليل أن الامور لم تعد كالسابق ، و أن مفاهيم العدو و الصديق اختلفت عمّا كانت عليه .. ( اسرائيل ) لم تعد عدوا لنا ، و العالم كله صار يعرف تلك الحقيقة التى لم تنفك أنت تنفها و تعارضها و تعمل ضدها .. و مادمت عدوا لـ ( اسرائيل ) فأنت بالتأكيد عدو لنا .. مثلك فى ذلك مثل ( حماس ) و ( حزب الله ) ، و أى كيان فى العالم يعادى ( اسرائيل ) .. و فى الظروف الراهنة لا مجال لأن نرفض أمرا ( أو فالنسمه طلبا ) لأصدقائنا الّذين لم ينسوا بعد هزائمهم الّتى تلقوها على يديك ..
- ( أنفاس متثاقلة ) : ................
- صدقنى يا سيادة العميد .. لا أحمل فى أعماقى نحوك الا الاعجاب و التقدير .. و لكن طبيعة المرحلة الراهنة لا تحتمل تواجدك على الساحة .. لدينا الآن أعداء من نوع آخر لن ترق لك مجابهتهم .. المعارضة الداخلية الآن تشتد و تقوى شوكتها ، و حركات مثل ( كفاية ) و ( الاخوان ) تكتسب أرضا جديدة كل يوم ، و لابد من ردعهم .. لذا فقد ارتأت القيادة العليا أن التخلص منك ( استجابة لمطالب أصدقائنا ) سيجنبنا متاعب نحن لسنا فى حاجة اليها .. هل تفهمنى ..؟؟..
لم يجب ( أ . ص ) ، و ان ظل يرمقه ببغض ، بينما الدماء تغرق صدر قميصه و ظهره المستند الى الحائط ، و سمع صرير باب المخزن ، و رأى ( ا . ش ) يدلف اليه داسا كفيه فى جيبىّ معطفه الفاخر ، مسددا اليه نظرة ظافرة ، و سمعه يخاطب ( ح . م ) بارتياح :
- أحسنت صنيعا يا صديقى ..
- ( مبتسما ) : فى خدمتك أدون ( ش ) ..
- ( ملتفتا الى أ . ص بابتسامة جذلة ) : اذن فهى النهاية عزيزى ( أ . ص ) ..
- ( بمقت ) : اذهب الى الجحيم ..
- ( ضاحكا ) : مازلت وقحا حتى فى لحظاتك الأخيرة .. ( ثم بجديّة ) .. هل أدركت الحقيقة الآن ..؟؟.. أننا انتصرنا فى حربنا ضد أعداء السامية .. و أننا كسبنا حربنا مع العرب ، و صرنا بالفعل كيانا واحدا معهم .. هل استوعبت هذا الآن بالفعل ..؟؟..
- ( يضحك بصعوبة ، فيسعل و تتناثر الدماء من فمه ) : أنت أحمق يا ( ش ) .. دعنى أقل لك أن خيانة بعض الكلاب أمثال هذا الوغد ( يشير بصعوبة الى الشاب ) لا تعنى أنكم نجحتم فى اختراقنا .. ربما كح كح .. تمكنتم من استمالة بعض العملاء و الخونة على اختلاف أماكنهم ،و لكـ .. كح كح كح .. و لكن جماهير الأمة تكرهكم بجنون ، و ترفضكم تماما .. و عمّا قريب سيهبون ان شاء الله لتطهير بلادنا منكم و من ذيولكم الخونة ..
- ( ساخرا ) : هذه الجماهير الّتى تتكلم عنها تنبش الأرض بحثا عما تسد به رمقها ، فلا تعول عليها كثيرا ..
- قريبا ان شاء الله ستتخلص الجماهير ممن تسبب فى هزيمتها و هوانها ، و عندها ستلتفت اليكم و تمزقكم اربا ..
- ( بكراهية ) : سأبذل قصارى جهدى لكيلا يأتى هذا اليوم يا سيد ( أ ) .. أعدك بأنه لن يفعل أبدا ..
و شد قامته قائلا بصرامة :
- هل من شئ تريد قوله قبل أن تموت ..؟؟..
- ( بصعوبة ) : نعم ..
و استجمع قوّته ليبصق فى وجه ( ا . ش ) الّذى تناثرت الدماء على وجهه ، فصمت للحظة مشدوها قبل أن يمسحها بمنديل ورقى ويقول مبتسما :
- سأعتبرها تحية وداع من صديق عزيز يا سيد ( أ ) ..
و تناول المسدس من ( ح . م ) و سدده نحو رأس ( أ . ص ) قائلا :
- الى اللقاء فى الجحيم ..
أغمض ( أ . ص ) عينيه و هو يتمتم بالشهادتين ، و ..
و برووم .. انطلقت الرصاصة لتخترق رأسه و تفجر الدماء منها ..
للحظات ساد الصمت فى المكان ، قبل أن يلتفت ( ا . ش ) الى ( ح . م ) مبتسما :
- عملية ناجحة يا صديقى .. أهنئك ..
- فى خدمتك أدون ( ش ) ..
- هل نرحل الآن ..؟؟..
- تفضل ..
و غادرا المكان تاركين خلفهما جثة الرجل الّذى أذل رجال ( الموساد ) و هزم العديد من أجهزة المخابرات الّتى كانت معادية و حطم انوف جبابرة التجسس و الاجرام ..
جثة ( أ . ص ) ..
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _

- تمت بحمد الله -
__________________
حكاية الزاهي المرعوب:أقصوصة ساخرة
حكاية الزاهي المرعوب:أقصوصة ساخرة
رد مع اقتباس
  #38  
قديم 01-05-2010, 08:20 AM
الصورة الرمزية غامضة الملامح
غامضة الملامح غامضة الملامح غير متواجد حالياً
ميداليه بلاتينيه
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
المشاركات: 6,181
افتراضي الزبون الوحيد ـ قصة ـ

مستند بكوعه إلى المشرب الخشبي. وجهه متغضن، عضلاته متقلصة و طرفه ذاهل في نقطة بعيدة مخترقاً حدود المكان و الزمان. تململ بدون مقدمات، فأحدث ذلك قطيعة مع صمت طويل لم يجرؤ أحدهما على قتله، ثم قال بصوت متهدل، كأنه يحتاج لمدة طويلة و لدًُربة قاسية كيما ينفض عنه الغبار، كاشفاً عن فضلات أسنان لبقايا فم لشظايا وجه لذكرى رجل عاش في شبه زمن.
-" باقلال" !
بحركة لاإرادية تململت لتملمه المفاجئ، و زاد في ربكتها أنه أعتق أخيراً لسانه من معتقله. لكنها تملك ما يكفي من حنكة السنين لمجاراة الإحتمالات الطارئة، رغم أنها كانت تنتظر منه كل شيء إلا أن يبادرها الحديث. حتّى عندما دخل بدا و كأنه ثمل، صامت متصلب في مسالك الصمت البعيد. لم يلق تحية، وعندما أراد أن يختار مشروبه لم يتفوه بكلمة بل أشار لها بطرفه في حركة حادة، و لبت طلبه متوقعة أن يتجرأ مع الوقت و ينطلق لسانه كما يحدث دوماً مع السكّيرين من أشباهه لكنه أبداً لم يكن كظنها به من طينة الآخرين. ثلاث ساعات أمضتها مبدية لامبالاتها الظاهرة، بيد أنها في قريرتها ووعيها توجست منه، و ظلت ترقب سكناته. رفعت حاجبيها بعدما ازدردت وقع المفاجأة لحظةَ ارتطام المتوقع مع الواقع، و اصطنعت ملامح دهشة أخرجتها من رف تعاملها، و قد اطمأنت إلى أن المفعول السحري للسائل الناري يصيب و لو بعد حين.
- الموقعة؟
عاد ليقول بتثاقل مضجر، و كأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة أو أنه تحت رحمة كائن يجبره على الحديث معه رغم أنه البادئ و المبادر:
- الكابرال "باقلال". الكابرال رتبتي، و"باقلال" إسمي. أما الموقعة فقد سميت لأجلي كما اقترنت الرتبة باسم "كابو" الإيطالي الشجاع.
حسبت أنه أمضى زمناً لم يتكلم. كان كطفل يدرج خطواته الأولى في الحديث. هي تكره أشدّ ما تكره في مهنتها زبوناً صامتاً. و الأشد ثقلاً على نفسها و وطأة على أعصابها و طاقة تحملها أن تبتلى بآخر مجنون، تزيد الخمرة في دفعه إلى أعماق هوته السحيقة حيث لا قرار غير سديم أعمى. لكن ماذا تملك غير الصبر و مجاراة الزبون الوحيد. فالزمن زمن أزمة حانات. والطرقات هُجرت إلى المضاجع مخافة الهلاك بعدما سقطت قذيفتين الأسبوع الفائت على حانتين في الشارع الخلفي فأحالتاهما إلى أثرين لبقايا حديث متشظي ملفوظ مع حشرجات الألم لقاء صدمة مفاجئة.
لاشك أنه مجنون فعلاً ليدخل في ساعة مثل تلك إلى هذه الحانة. أما هي فلا تملك و لا تعرف غيرها التي اختزلت سني تواجدها في هذه المقاطعة. اختارت مجبرة البقاء على الفرار وقالت بإصرار:
(الأجدر بالمرء أن يُقضى في مكان كسب عيشه على أن يَهلك جوعاً).
ألقى إليها بهذا الخيط الدقيق الذي لن تضيعه. ستستأجر ما فضل لها في جورب صبرها لتتحمله، وستُعمل كل حنكتها علها تظفر منه بشيء. من يدري؟ ليلة مؤداة الثمن مثلاً. أعادت تقليب صورته أمامها مرة أخرى بعدما عبثت بها مرات قبل ذلك علها تفلح في فك شفرة الزبون العصّي. كل ما كان عليه يشي بعته حقيقي يتخايل مع وجوده.
في الساعة الأولى لدخوله بدا كعسكري مستقيم يؤدي واجباً مقدساً في بزّة عسكرية أنيقة، عمد إلى فتح أزرار قميصه في الساعة الثانية. و انتهى مع بداية الثالثة إلى نزع كنزته و إلقائها بإهمال على كرسي بجانبه، و تخلّى معها عن هالة الصمت التي أدخلها معه و صحبته كل تلك المدة مطوّقة وجوده. لقنتها مهنتها المتعبة جداً أن تحفظ حدوداً وهمية تصون بها بعضاً من رمزية شخصها كأنثى وحيدة، و سلعة وحيدة معروضة في حيّز ذكوري خالص، تستثمرها فيما بعد في التفاوض في ليلة مؤداة الثمن مثلاً. لأجل ذلك أظهرت نفوراً مقابلاً لصمته المعلن في الساعة الأولى، و بدأت تلين بعض الشيء في الساعة الثانية و كادت تبادره الحديث. ولاطفته بنظرة رقيقة لم تفعل سالف فعلها. و جربت عطرها الذي تلاشى في المسافة الفاصلة بينهما قبل أن يتسلل إلى خياشيمه، لكنها أحجمت استناداً إلى قاعدتها الذهبية. و عند بداية الساعة الثالثة ركنت إلى جهاز التلفاز أنيسها الوحيد بعدما فقدت كل أمل في زبونها الوحيد. هي تلعن الزمن الذي دحرجها إلى هوّة مثل هاته لتصبح عرضة لموقف ساخر مثل ذاك.
في سني اشتغالها الأولى ما كانت لتلحظ وجود شيء مثله، بيد أنها الآن تخطت مسرعة عقدها الرابع من عمر أنفقت أكثر من نصفه في السهر و الإنطلاق إلى أن اصطدمت يوما بالأحداث الرهيبة لصور بثتها مرآتها اللعينة. فاجأتها التجاعيد مستلقية على وجه كان نضراً طرياً، و زحفت حتّى أسفل عنقها. واكتشفت متفاجئة أكثر من مرة وزنها الذي تضاعف في لحظة غفلة منها. و تراخت طبقات اللحم المطعّمة بالشحم بعضها فوق بعض في فوضى جسدية بادية، تحاول مداواتها بالتحسرعلى ما مضى، وبالأصباغ و بعض الغنج البائد.
في الماضي كان الزبناء كالنمل. حيثما ولّت وجهها تلتقي بنظرات الأمل والرجاء. يتسابق الجميع لأجلها. هي نقطة البداية والنهاية. لأجلها أقيمت الولائم والمراهنات والمقالب والمطاحنات. الكل كان يأتي لأجلها، علّه يظفر بليلة مؤداة الثمن الباهض مثلاً أو بموعد أو بكلمة مجاملة أو حتّى بنظرة تجود بها في لحظة من لحظات رضاها و صفاء خاطرها. كل ذلك غدا أثراً من ذاكرة أيام هرعت فارة مقررة عدم العودة حتّى صار جسدها قفراً كالمكان تماماً.
فكرت قليلا في أن جنونه معروف يقوده كما يفعل دوماً مع جل السكارى، يدارون خيباتهم بالحديث عن بطولات وهمية، لكنه مضى أبعد قليلاً إذ زعم أن الموقعة الشهيرة التي عرفت تكبد إخوة الشمال هزيمة مريرة. رغم كل ذلك ظلت مصرة على حفظ حبل الكلام معه. فعمدت إلى قاموس المجاراة تبحث في ثناياه عن كلمات تبقي الأحمق المدّعي أطول فترة ممكنة داخل حانتها المهجورة، المائل ضوؤها إلى الإحمرار. وبينما هي في محاولات بحثها عن الكلمة المناسبة قال فجأة وقد انتصب و عيناه على التلفاز:
- ارفعي الصوت.
استسلمت مذعنة لأمره. أليس الزبون ملكاً؟
أخذ يحملق بعته جليّ في مقدمة الأخبار التي رأى فيها وجهاً آخر لساقيته. تصورهما متشابهتين حد التطابق. ملامح وحيدة، نفس الشفتين الممتلئتين و ما تفرجان عنه من كلمات ملغومة، و الطلاءات الصاخبة التي أحالتهما إلى دميتين آدميتين. كذاك كانتا فعلاً. قالت بصوت حماسي:
( يحتفل شعبنا اليوم بالذكرى الأولى للإنتصار الكبير في موقعة "باقلال" الشهيرة على العدو الغاشم، حيث كبده خسائر فادحة في الصفوف و العتاد و أجبره على التقهقر خارج "تل الملح" بصفة نهائية. وعرفاناً منه بخدماته الجليلة، قام رئيسنا المفدى بتوشيح الكابرال"باقلال" البطل الذي استطاع بمفرده التغلب على جيش العدو فألحق به العار أبداً. إليكم مراسيم منح وسام البطولة مع مراسلنا الدائم من القصر الرئاسي العامر).
تابعت باهتمام مزيف اهتمامه المحموم بالموضوع، ثم ما لبثت أن شرعت عينيها دهشة بصدق هذه المرة لمّا رأت زبونها الوحيد نفسه يقف متصلباً أمام الرئيس في مراسيم التوشيح بوسام صنع خصيصاً له. كان يرقب الجهاز صامتاً و من خلفه دوي مدفعية العدو وأشلاء جثت تتخبط في رقعة الموت. وجوه تستغيث بالموت و أخرى تهذي. كل تلك الوجوه يعرفها ، يحفظها. أصابته شظية عمياء في ساقه اليسرى جعلته يترنح قبل أن يهوي بلا حراك. و استفاق على دوي أناشيد النصر الحماسية تصك صماخيه. و أمعنت في التودد له بعدما اكتشفت أنه لم يكذب، بأن رفعت صوت الجهاز بيد أن ردّة فعله أتتها مخيبة محاولتها إذ صاح بصوت مجلجل:
- غيري لنا هذه القذارة.
و بدون قصد منها، هُرعت قناة العدو إلى واجهة الجهاز، إذ كانت التالية على اللائحة كأنها تتعقبه أنّى اتجه. و لمّا لحظت أهتمامه الكبير الذي تواطأ مع رغبتها المنطلقة، أبقت على الصورة مثبتة على قناة العدو. أعاد حملقته مجدداً في مقدمة الأخبار التي بدت شبيهة بمن سبقتها و ساقيته. وبنفس الصوت الحماسي قالت:
( يحتفل شعبنا اليوم بالذكرى الأولى للإنتصار الكبير في موقعة"الزيزي" الشهيرة على العدو الغاشم حيث كبده خسائر فادحة في الصفوف و العتاد أجبره على التقهقر خارج "تل الملح" بصفة نهائية. و عرفاناً منه بخدماته الجليلة، قام رئيسنا المفدى بتوشيح الملازم "الزيزي" البطل الذي استطاع بمفرده التغلب على جيش العدو فألحق به العار أبداً. إليكم مراسيم منح وسام البطولة مع مراسلنا الدائم من القصر الرئاسي العامر).
تابع بحذر شديد صورة الملازم و حركاته. كان كالماثل بين يدي موت آتيه. وقف قبالته تماماً بعدما استعاد وعيه. لاحظ أنه مصاب أيضاً لكن في ساقه اليمنى . وقف متصلباً و بندقيته اتجاه صدره. شيء ما يمنعهما من الحركة. أتاهما دوي مرعب لأناشيد احتفالية. روحها الوطنية دفعتها إلى خفض الصوت. فعلت ذلك مترددة ما بين ادعائين كالحقيقة تماماً. كلتا الجبهتين تصران على أنهما انتصرتا، و قدمت للشعبين صيغتين مختلفتين لنفس الرواية لكن بنهايتين متناقضتين. لم يعد يهمها شيء أكثر من معرفة الحقيقة التي كان زبونها الوحيد جزءاً منها. لم تعد تعنيها ليلة مؤداة الثمن مثلا ً. أدخلها دوّامة جديدة. عليها أن تحسن التصرف إذا ما أرادت كسب ثقته و فك لسانه الذي أضاف بتثاقل واضح و قرف كبير:
- غيري لنا هذه القذارة.
تتكالب الصدف تباعاً، و تبزغ قناة الحقيقة إذ كانت التالية. يظهر وجه ذكوري هذه المرة، لا تلتقي تفاصيله مع من سبقتاه، فقال بصوت رصين:
( نحتفل اليوم بذكرى مرور عام على الإنتصار في موقعة "تل الملح" حيث نجحت قوات الحلفاء في القضاء على المتمردين و ردعهم عن أرضنا أبداً في بداية حرب تشهد هذه الأيام آخر فصولها. وحتّى نعيد إلى ذاكرتكم مظاهر قوة جيش الحلفاء التي ستُكرر عمّا قريب، نبث لكم الحقيقة لتلك الأحداث الموشومة في أرشيفنا الوطني. إليكم الصور كما التقطها المصور المصاحب لجيش الحلفاء).
كأنها تتنصت لوجيب صدرها المدوي و هي تكافأ على طول صبرها. مدرعات تشق المسافات في "تل الملح" حيث وقف رجلان أو بقايا جيشين، أحدهما في مواجهة الآخر و كلاهما يحمل بندقية موجهة صوب صدر الآخر، و ساد بينهما تصلب اضطراري عجزا معه عن الحركة بعدما بلغهما هدير مرعب لآليات آتية من الغرب صوبهما مباشرة. و في نفس اللحظة تماماً كأنهما ينفذان أمراً عسكرياً صارماً، تراجعا مستديرين و قد بدا عرجهما.
كانت التحذيرات من عقلاء الشمال و الجنوب قد انطلقت منذ مدة، تقول أن الوحدة سبيلهما الوحيد لمواجهة جيش الحلفاء، بيد أنهما لمّا اقتربا كثيراً و أوشكا على الحدث المأمول، اشتبكا في حرب أنهكت الجند والميزانية. فزحف جيش الحلفاء بسهولة و يسر دون أن يجد من يعترض سبيله. حينما استفاقت من صدمتها التي ألقتها إلى وهاد الصمت، أرادت سؤاله عن مكمن الضعف و الخلل.
( لا يمكن أن يحدث هذا، لقد قالوا أننا انتصرنا، و احتفلنا بذلك. واليوم يوم ذكرى و عيد و...) لكنها لم تجده أمامها، بينما هرعت نظراتها تحاول اللحاق به، فأدركت شظايا طيفه يعرج مخترقاً باب الحانة، وقد خلّف كنزته حيث وضعها أول مرة. و على المشرب الخشبي بضع وريقات نقدية كانت كل ما تسلمه من القيادة العامة، و هي ثمن سنين كذب مؤداة الأجر، و وسام يلمع. أخذت الوريقات ثم وضعتها بعناية و حرص في جارور خزنتها. ترددت لحظة ثم أخرجتها بحركة عصبية و ألقتها و الكنزة والوسام في سلة القاذورات، بينما جرتها صور قناة الحقيقة التي انتصبت على زاويتها العلوية كلمة "مباشر"، وهي تتعقب مُدرعات جيش الحلفاء.
أطفأت الجهاز والهلع يركبها. لا زالت تسمع ذلك الهدير القوي المرعب. خرجت شبه مهرولة خارج الحانة لتجد نفسها في مواجهة جيش الحلفاء مباشرة.
__________________
حكاية الزاهي المرعوب:أقصوصة ساخرة
حكاية الزاهي المرعوب:أقصوصة ساخرة
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Loading...


Powered by vBulletin Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by gamalat.com
تصميم علاء الفاتك http://www.sehraya.com